المال الذكي هو المال الجيد [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

شاركتُ مؤخراً في نقاشٍ بعنوان: الشركات الناشئة مقابل شركات الاستثمار المخاطر، فشكّلت لحظةٌ معينةٌ في حواري مع مؤسِّسة "فتشر" Fetchr، جوي عجلوني، حديث الجميع. وقد نشرَت "ومضة" بعض اللقطات، شاهدوها من هنا.

"أعمل لمدّة 18 ساعة في اليوم، وإذا حصلتُ على ساعتَين لأنام فيهما ليلاً أكون من المحظوظين. عليّ أن أجمع الأموال باستمرار، وأن أبني شركة، وأوظّف المواهب. وبالتالي، فإنّ الجلوس مع شركات الاستثمار المخاطر إضافة إلى ما سبق هو أمر شبه مستحيل فليس لديّ الوقت الكافي لذلك،" هذا ما قالته عجلوني خلال مؤتمر "ستيب" STEP 2016 في دبي.

أمّا جوابي فكان: "حسناً، سنسترجع أموالنا إذا كنّا نزعجك بالأسئلة والأمور الإداريّة".

عجلوني محقة بالكامل من حيث أنّ مؤسِّسي الشركات، وليس المستثمرين، هم الأقدر على بناء شركاتهم، وأنّ أيّ انحرافٍ سيدمّر القيمة لدى الطرفَين على حدٍّ سواء. ولكن عندما يقوم المال الذكي بطرح السؤال الصحيح في الوقت المناسب، يمكن للجميع أن يستفيد.

"المال الذكيّ" smart money هو التمويل الذي يترافق مع الخبرات أو المساعدة. أمّا ما يُسمّى "المال الغبي" dumb money فهي الذي لا يترافق مع أيّ مساعدة بالمطلق، والأسوأ من ذلك أنّه يترافق مع شروط.

 تضمّ محفظة شركائنا شركاتٍ مثل "بين باي" PinPay و"أنغامي" Anghami و"فاضل بارتنرز" Fadel Partners، وهم يستفيدون جميعهم من خيار المال الذكيّ.

لنبدأ مع "بين باي"، الشركة التي تقدّم خدمات الدفع عبر المحمول، والتي كنّا معها منذ عام 2009. اليوم، باتت هذه الشركة تضمّ رسمياً 60 ألف مستخدِمٍ في لبنان مع كلٍّ من "بنك عودة" Bank Audi و"بنك البحر الأبيض المتوسط" Bank Med و"فرنسبنك" Fransabank، ومؤخراً عقدَت صفقتها الأكبر التي تتمثّل في الشراكة مع "فوري" Fawry رائدة المدفوعات في مصر؛ وهناك المزيد في المقبل من الأيام.

المال الذكي هو المال الجيد. (الصورة من Widewallpapers.net)

قبل ثلاث سنوات كان هذا السيناريو بعيد المنال، فـ"بين باي" كانت تواجه الإفلاس، ولم تنجز سوى بعض التعاملات التي لم تكن تدلّ على طريقٍ واضحةٍ للنموّ، واحتاجت الشركة إلى إعادة هيكلةٍ للبقاء على قد الحياة.

تولّى الشريك الإداري في "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" Middle East Venture Partners منصب الرئيس التنفيذي المؤقت في الشركة، ومن ثمّ عملنا على ترسيخ الشركة ودفعها على ادفع مستحقاتها، ومن ثمّ أعدنا تمويلها. لقد وظّفنا مديراً تقنياً جديداً وأعدنا تشكيل المنصة من الصفر.

ومع وضع خطّة عملٍ جديدة، جاءت "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" بعُمَر بدر كرئيسٍ تنفيذيّ لتنفيذ الخطّة، والذي بدوره قام بعملٍ مبهر.

تُظهِر قصّة "بين باي" كيف يمكن للمال الذكيّ أن يساعد الشركة في إنقاذ مستقبلها. ولكن على شركات الاستثمار المخاطر أن تعرف الوقت المناسب لتدخلها كي تقدّم النصائح للمؤسّسين والوقت الذي ينبغي عليها فيه أن تتركهم يؤدّون عملهم. وإذا أمكنك أن تتخيل نظرة بعض الشركات الناشئة المرتابة إلى شركات الاستثمار المخاطر حتّى قبل التوقيع معها، يصبح من السهل عليك أن تكوّن فكرةً عن العلاقة المعقّدة التي ستنشأ بين الطرفين.

إيلي حبيب، الشريك المؤسِّس لخدمة تشغيل الموسيقى عبر الإنترنت، "أنغامي" Anghami، كان لديه فكرة بسيطة عن المال الذكي عندما التقيتُ به للمرّة الأولى. شركات الاستثمار المخاطر قالت إنّها لن تسلّمه أيّ أموال قبل أن يدفع لصفقات الترخيص الموسيقية مرتفعة التكلفة -  ما يشبه كثيراً رواية "كاتش22" Catch-22. أمّا "شركاء المبادرات في الشرق الأوسط" فقالت نعم، يمكن ذلك بعد أن ندفع المال، ومن ثمّ أقلعَت "أنغامي" بسرعةٍ قياسية.

مَن ينظر من الخارج يمكن أن يعتقد أنّ "أنغامي" لم تحتَج إلّا إلى المال وحسب، وليس المال الذكيّ. ولكن في حين لم نرِد أن نأخذ شيئاً من إيلي وإدي مارون اللذين أسّسا "أنغامي"، لعِب المال الذكيّ دوراً غير مباشرٍ في نجاحهما.

عندما جاءت "أنغامي" إلينا، لم يكن لديها مديرٌ ماليٌّ أو مدير تسويق. لقد فدّمنا لها مواردنا لوضع عملياتها المالية في الخدمة، وساعدناها في توظيف مديرٍ للتسويق، كما أوفدنا أحد أعضاء فريقنا ليساعد الرئيس التنفيذي على تنفيذ الاستراتيجية. وصفقات "أنغامي" مع كلٍّ من "مجموعة شويري" Choueiri Group و"إم بي سي" MBC و"بيسي" Pepsi و"موبايلي" Mobily و"فيرجن" Vergin في السعودية، كانت إمّا بدفعٍ أو بمساعدةٍ من المال الذكيّ.

مع تدعيم الجانب الماليّ والمستوى الإداريّ والصفقات، باتت "أنغامي" شركةً أكثر ثقة وفي طريقها نحو جولة التمويل التالية، وهي الجولة التي شارك فيها فريقنا بشكلٍ وثيق.

وقد أخبرني حبيب مؤخراً أنّهم احتاجوا إلى هذا فعلاً: "لقد كنا صغاراً نعرض أفكارنا على مجموعةٍ كبيرةٍ من الأشخاص الذين يمتلكون مئات الملايين. كنّا نقول لهم إنّه يمكننا إنجاز شيءٍ لا يمكنكم إنجازه بأنفسكم. المال الذكي ساعدنا بالفعل".

طارق فاضل لم يحتَج إلى هذا النوع من المساعدة عندما تحدّثنا معه حول عرض تمويل الجولة الأولى Series A. كان لدى "فاضل بارتنرز" ملكية فكرية مزدهرة وعملٌ يُدار بشكلٍ جيد ومموّل ذاتياً بواسطة منتَجات "أوراكل" Oracle للاستشارات، ولم يكونوا بوارد الانشغال في عرض أفكارهم على شركات الاستثمار المخاطر مثلما فعلت "أنغامي".

كانت شركة "فاضل" قادرةً على التواجد في الولايات المتحدة، لذا فإنّ عرض المشروع أمام شركات استثمار مخاطر أميركية كان خياراً أمامها يمكن أن يَنتُج عنه إنشاء علاقاتٍ في الولايات المتحدة. كان هذا أيضاً سيتطلّب أيضاً استهلاك ثلاثةٍ إلى ستّة أشهر أخرى، لذا اختارت الشركة اللجوء إلى شركة استثمار محلّية لتوفير الوقت. وبعد ذلك قال لي فاضل إنّ علاقاتنا في الولايات المتحدة شكّلت "مفاجأة سارّة" لهم.

عرَّفْنا فاضل إلى "ليب نت" Lebnet، وهي مجموعة للبنانيين الأميركيين في وادي السيلكون، ففتحَت امامه الطريق إلى شراكاتٍ مع شركات تكنولوجيا مثل "أدوبي" Adobe و"أبتوس" Apptus شريكة "ساليز فورس" Salesforce.com. وبالإضافة إلى ذلك، ساهمَت هذه العلاقات في توفير فرص بروز أكثر لشركة فاضل.

كذلك فُتح باب الشراكات مع قسم الملكية الفكرية والعلوم في "تومسون رويترز" Thomson Reuters، كما تمّ تعزيز توسّع شركة فاضل إلى أوروبا وخصوصاً لندن.

وممّا قاله لي فاضل في يومٍ من الأيام، إنّ "من الأمور الجيدة التي نراها في ’شركاء المبادرات في الشرق الأوسط‘ أنّ لديها لجنة استثمار لطيفة وممتازة، وهي تضمّ أشخاصاً من مختلف المجالات في قطاع التكنولوجيا، من إدارة العمليات وصولاً إلى مستثمرين سابقين".

معرفة متى، وبالطبع كيف، يمكن مساعدة الشركة الناشئة، وكذلك متى يجب تركها وشأنها، هو فنّ من فنون المال الذكي - وهو أمرٌ كنّا نخطئ بشأنه في بعض الأحيان. ولكن علينا الاستمرار في طرح هذه الأسئلة، لأنّ الإجابة عليها بشكلٍ صحيح ستقودنا إلى نتيجةٍ أفضل للجميع.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة