ما الذي يحدث للابتكار في دول مجلس التعاون الخليجي؟

اقرأ بهذه اللغة

تعاني دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحالي من حالة ركود في أسعار النفط من شأنه أن يؤثر على الوضع الاقتصادي في المنطقة ويجعله غير مبشرًا بالخير، وبحسب "مؤشر الابتكار العالمي" لعام 2016  2016 Global Innovation Index فإنّ المنطقة لم تشهد تقدّمًا ملموسًا في مجال الابتكار.

لا شكّ في أنّ الكثير من المبادرات، مثل "رؤية المملكة العربية السعودية" 2030 أو "رؤية الإمارات 2021"، تهدف بشكلٍ واضح إلى تعزيز بيئة ريادة الأعمال، ولكن مع كون الريع النفطي يشكل غالبية إيرادات الحكومة، تؤدي الأسعار المتعثرة الآن لتضييق الخيارات المتاحة لتمويل نظم الدعم الحكومية.

لقد سبق أن تمّت الإشارة إلى التنويع الاقتصادي والابتعاد عن الاعتماد على النفط وحده في خطط التنمية الوطنية في منطقة الخليج منذ ثمانينات القرن العشرين؛ ولكن ما الذي تغير في السنوات الخمس الماضية؟

نظرة سريعة على عام 2016

يوضح "مؤشر الابتكار العالمي" لعام 2016 أنّ ترتيب دول مجلس التعاون الخليجي يقع ضمن النطاق الأوسط العلوي من المؤشر.  فقد تعافت دولة الإمارات العربية المتحدة في العام الماضي من حالة الركود التي شهدتها، وهي تتمتع الآن بمركز متقدّمٍ بترتيب شامل على مؤشر الابتكار يصل إلى 41، تليها المملكة العربية السعودية (49)، وقطر (50).  أما عُمان فهي في المرتبة الأدنى ضمن كل المؤشرات السبعة الفرعية التي يقيسها "مؤشّر الابتكار العالمي".

ومن المثير للاهتمام، أنّ الترتيب المتصدّر الذي حقّقته دولة الإمارات يعود لإنجازاتها في مؤشّر مدخلات الابتكار، والذي يتضمّن الاستثمارات في الأعمال التجارية العامة، والبيئة السياسية والتنظيمية، وكذلك في التعليم والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

ومع ذلك، مازالت تحتل المركز نفسه في ترتيب "مؤشر الابتكار العالمي" للعام 2011.  يرجع ذلك إلى مرتبتها المنخفضة نسبيًا في مؤشر مخرجات الابتكار، وهذا أمر يبعث على الدهشة نظرًا لاستراتيجيتها القائمة على قدرتها المتواصلة على المنافسة من خلال استقطاب العمالة الماهرة من الخارج، وتشكيل مجموعات ابتكارية داخل المدينة.

بعد مرور خمس سنوات ... لا يوجد أي تحسن واضح في البيئة الريادية

تحليل التطورات على مدى السنوات الخمس الماضية يعرض واقعًا لدول مجلس التعاون الخليجي يدعو إلى التفكير. فالمجال الوحيد الذي يشهد تحسنًا مستمرًا هو البنية التحتية، وخاصّة الوصول إلى الإنترنت واستخدامها، فضلاً عن البنية التحتية العامة والاستدامة البيئية.

في المقابل شهدت المؤشرات الفرعية للمؤسّسات مثل: رأس المال البشري والبحوث، وكذلك تطور بيئة الأعمال هبوطًا واضحًا.

وتظهر جميع الدول الخليجية تراجعًا كبيرًا في ترتيبها بالمقارنة مع ترتيبها في عام 2011، باستثناء السعودية مما يدل على مكاسب صغيرة في مجالي رأس المال البشري والبحوث.

ينصّ "مؤشر الابتكار العالمي" 2016 صراحة على أنّه "بالرغم من هذه المراتب العليا، وبالمقارنة مع مستوى تطوّرها، فإنّ الدول الغنية بالموارد الطبيعية في المنطقة يمكنها الوصول إلى مراتب أعلى".

يردّ الباحثون هذه العيوب إلى ما يسمى ب "لعنة الموارد"، وهي فكرة يتم تبنيها أيضًا من قبل "صندوق النقد الدولي". تقول هذه الفكرة إنّ تداعيات لعنة الموارد هي عدم الاستقرار الاقتصادي نتيجة للاعتماد على النفط، والتأثير الضار على الحوكمة والمؤسّسات الناتج عن الاعتماد على مورد بيئي واحد.

يبدو أنّ الترتيب الأكثر إثارةٍ للجدل في التقرير هو مؤشرات مخرجات الابتكار. فعلى الرغم من أنّ الإمارات أظهرَت تحسّنًا ملموسًا في ترتيبها المتعلّق بمؤشّر مخرجات المعرفة والتكنولوجيا، إلّا أنّ ترتيبها في مؤشّر المخرجات الإبداعية انخفض بشكلٍ كبير. وينطبق الشيء نفسه على السعودية، ولكن مع فروق أقل بين ترتيبي الأعوام 2011 و2016.

ومن المثير للاهتمام أنّ الكويت والبحرين كانتا الوحيدتان من دول مجلس التعاون الخليجي اللتان خرجتا بنتيجةٍ إيجابية في ترتيب المخرجات الإبداعية - والبحرين أكثر من الكويت.

وهناك بعض الأسباب الواضحة لنجاح البحرين في مؤشّرات المخرجات.

أولاً، البحرين دولة صغيرة نسبيًا وتمتلك احتياطيات محدودة نسبيًا من النفط مقارنة بجيرانها. وقد أدّى ذلك إلى تطبيق التنوّع المبكّر لمصادر الدخل والاهتمام بالشراكات الدولية، مثل اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. كما تمّ تطوير قطاع الخدمات في وقتٍ مبكر بحيث أصبح يمثل ما يقرب من 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015، وفقًا للبنك الدولي. فإنّ لبحرين هي من بين أعلى الدول في العالم من حيث انتشار الهواتف الذكية بنسبة تفوق 100%، واعتماد وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة تفوق 70 %، وفقًا لمقالة نشرتها شركة "ماكنزي" في عام 2016.

السيناريوهات المستقبلية الإيجابية مقابل السلبية لدول مجلس التعاون الخليجي

يبيّن تقرير "مؤشر الابتكار العالمي" تحديًا خاصًا واحدًا يمكنه أن يعيق إنشاء بيئة حاضنة للابتكار محلية، وهو: ضرورة التركيز على الجودة واستمرارية المبادرات بدلاً من التركيز على الكميات.

وفي حين يبدو من السهل نسبيًا العثور على دعمٍ مالي في دول الخليج المقتدرة ماليًا، ولكن من الأصعب بكثير إنشاء بيئة حاضنة لريادة الأعمال تتّسم بكونها طويلة الأمد وشاملة وإبداعية. وهناك حاجة لإصلاح شامل يتعامل مع مختلف الأطراف الفاعلة في الاقتصاد والسياسة والأوساط الأكاديمية والمجتمع، والعناصر الرئيسية التي حددتها "ومضة".

بصرف النظر عن إصلاح الأطر القانونية والبيروقراطية والتنظيمية، يجب على دول مجلس التعاون الخليجي أن تركز بوضوح على تنمية رأس المال البشري. ويبدو أنّ الإصلاح التربوي الشامل هو واحد من أهم الجوانب الكفيلة باعتبار المنطقة كنظام اقتصادي أكثر ابتكارًا.

التعليم هو نقطة الانطلاق لتطوير المواهب التي من شأنها سد الثغرات في السوق المحلية في وقت لاحق. فالمناهج لا تحتاج للتحديث فقط، بل لا بد لها من التركيز أيضًا على مجالات العلوم والتكنولوجيا والرياضيات STEM إلى جانب المواضيع الإبداعية مثل الفن.

الابتكار ليس عملية بسيطة، لكنّه يتحقّق بشكلٍ أفضل نتيجة للتعاون بين التخصّصات المتداخلة على المستوى المحلي وداخل المنطقة.  كما أنّ تسهيل الحركة العمالية، وكذلك تكثيف التعاون بين الشركات الكبرى والذين يحدِثون ثورةً رقمية (digital disrupters)، في دول مجلس التعاون الخليجي، من شأنه أن يؤسّس لمجمعاتٍ محلّية للابتكار وتبادل المعرفة.

لن يكون ذلك مهمة سهلة، ولكن صنّاع القرار بحاجةٍ لمواجهة الطلبات المتزايدة من الأعداد الكبيرة من السكان الشباب ومستخدمي الانترنت الذين يتطلعون الى توسيع فرص عملهم.

 

الصورة الرئيسية من البنك الدولي

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة