الترجمة والتعريب يعيدان المحتوى العربي إلى الواجهة

اقرأ بهذه اللغة

عندما كان العرب يترجمون ويعرّبون بوفرة وكثافة، استطاعوا تطوير علومهم وفلسفتهم كما أثّروا في سواهم وفي بعض الأحيان ساهموا في الحفاظ على الإرث الثقافي لشعوب أخرى.

في الوقت الحالي، أصبحت الترجمة أكثر من ضرورة مع تطوّر وسائل النقل والاتصال والتواصل وانتشار العلوم وتقدّمها وتنوّعها. لذلك تريد شركة "ترجمة" Tarjama، التي تتّخذ من أبوظبي مقرّاً لها، توفير "خدمات لغوية وترجمات متناغمة مع السياق الثقافي"، بحسب موقعها الإلكتروني.

وفي الآونة الأخيرة، أبرمت "ترجمة" شراكةً مع منصّة "كورسيرا" Coursera التعليمية لترجمة المساقات التعليمية المجانية التي توفّرها الأخيرة للاجئين إلى اللغة العربية.

المحتوى العربي وأثره

مع احتدام أزمة اللاجئين، بدأت التكنولوجيا تساهم في توفير حلول للاجئين، ليس أقلّها التعليم عن بُعد وتأمين المال النقدي عبر الدفع الإلكتروني.

دخلت "كورسيرا" على خطّ دعم اللاجئين عبر "تحويل حياتهم إلى الأفضل من خلال توفير تعليم من الطراز العالمي لهم"، كما يرد على موقعها الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كانت "ترجمة" تسعى إلى ترجمة وتعريب محتوى تعليميّ وتوفيره للراغبين في التعلّم.

ستعمل "ترجمة" على تعريب المحتوى التعليمي المخصص للاجئين على "كورسيرا", (الصورة من "كورسيرا")

وبالتالي، التقى الطرفان على شراكةٍ لتعريب المحتوى التعليمي بمساهمةٍ من فادي غندور، رئيس مجلس إدارة "ومضة"، وفقاً لنور الحسن، الرئيسة التنفيذية لـ"ترجمة".

بناءً على هذه الشراكة مع "كورسيرا"، ستعمل "ترجمة" على تعريب نحو 600 ألف كلمة تقريباً على مدار الأشهر الستة المقبلة لمساقاتٍ تعليمية مثل تعلّم ريادة الأعمال، والكتابة بالإنجليزية وبناء المهارات اللازمة في العمل، والتسويق، وغيرها.

نور الحسن. (الصور من "ترجمة")

من جهتها، ستعمل "ترجمة" على تعريب هذه النصوص بمساعدة عدد من السيدات السعوديات سيحصلن في النهاية على شهاداتٍ من "كورسيرا"، وذلك في إطار تدريبهنّ على الترجمة بالتعاون مع "صندوق تنمية الموارد البشرية".

وتندرج مثل هذه البرامج في إطار مفهوم "المسؤولية الاجتماعية" الذي تتّبعه "ترجمة" بالإضافة إلى تركيزها على "المواضيع ذات الفائدة من حيث المحتوى"، بحسب زيد أبو الفيلات، الرئيس التنفيذي للعمليات في الشركة.

في هذا السياق، يعلّق نافذ دقاق، عضو مجلس إدارة منصّة "إدارك" Edraak التعليمية، على مسألة النقص في المحتوى العربي الرقمي، ويقول لـ"ومضة" إنّه "من خلال تجربة ’إدراك‘ تبيّن لنا أنّ "هذا النوع من المحتوى، وخصوصاً التعليميّ منه، ما زال في بداياته، لكنّ هناك إقبالاً كثيفاً عليه وحاجةً إليه لأنّ [معظم] المحتوى الموجود ليس من النوعية المطلوبة. ونحن في ’إدراك‘ نشهد تسجيل نحو ألف متعلّم جديد كلّ يوم وسنصل إلى المليون مستخدمٍ قريباً".

يؤكّد دقاق أنّ الشراكة التي أبرمتها "ترجمة" قد تتطوّر لتوفّر مساقات "كورسيرا" لجمهور أوسع من المستخدمين العرب، كما وقد تكون فاتحةً لمزيد من التعاون على أمل أن يكون هناك شراكات من أجل إنشاء المحتوى وليس تعريبه وحسب. ويشرح ذلك بالقول إنّ "النتائج أظهرت حاجةً قويّةً للمحتوى العربي الأصلي، وهناك شركاء مثل ’رواق‘ Rwaq و يفعلون ذلك".

نافذ دقاق. (الصورة من "تويتر")

العمل على زيادة المحتوى العربي ليس جديداً على "ترجمة"، فبحسب أبو الفيلات، "سبق لنا أن تعاونا مع ’كراش كورس‘ CrashCourse لترجمة نحو 400 فيديو، كما ترجمنا كتاب كريس شرودر، ’نهضة الشركات الناشئة‘ وغيره من الكتب في مجالات العلوم". هذا ويكشف مدير العمليات أيضاً أنّ شركته تحاول تطوير أداةٍ ذكية للترجمة تعمل وفق آلية "الذاكرة الترجمية"، وذلك "في إطار العمل على زيادة اللغة السلسة والدقيقة التي تعكس انتشار المحتوى العربي".

بدايات مختلفة

كانت الحسن تعمل كمحامية في بلدها الأردن، وبعدما عانت من "الترجمات ذات النوعية السيئة" للمستندات التي كانت تحتاجها في عملها، قرّرت تأسيس شركة "ترجمة" ثمّ أطلقتها في عمّان عام 2008.

أدركت الحسن أنّ العاملين لحسابهم الخاصّ هم من الدعائم الأساسية ولاحظت من تجربتها أنّ "أكثر المترجمين الموهوبين هم من النساء"، فقرّرت أن تكون "ترجمة" مقصداً لهنّ كي يعملنَ في الترجمة بدوامٍ كاملٍ وعن بُعد.

والآن، تقدّم "ترجمة" خدمات ترجمة وتعريب وتحرير وإعادة صياغة وإنشاء محتوى وترجمة فورية، كما تضع من بين أهدافها تطبيق مفهوم المسؤولية الاجتماعية ومساعدة النساء المترجمات على العمل من المنزل من خلال التدريب وتوفير فرص العمل.

لا بد من التوسّع

على الرغم من الحاجة الماسّة إلى محتوى عربيّ معرّب وسليم، لا تخفي الحسن أنّه "كان من الصعب أن يدفع الناس مبلغاً من المال مقابل محتوى عربيّ جيد، واستغرقنا الأمر ثلاث سنوات قبل أن يتحسّن الوضع [وتبدأ الشركة بتحقيق الأرباح]".

في عام 2011 انتقلت "ترجمة"من الأردن إلى أبوظبي، "من أجل توسيع الأعمال ولأنّ السوق الإماراتية أكبر"،  كما تقول الحسن لـ"ومضة"، مضيفةً أنّه "هناك حظينا بدعم من ’توفور 54‘ twofour54 التي فتحت لنا أبواباً مع حكومة أبوظبي وحتّى دبي".

وتروي الحسن أنّه "في الأشهر الثلاث الأولى كان لدينا عميل واحد فقط، أمّا الآن فلدينا أكثر من 300 عميل، ومكاتب في أبوظبي ودبي وعمّان، كما نعمل على افتتاح مكتب في السعودية حيث السوق كبيرة ما يساعدنا على تطوير أعمالنا أكثر".

لم يسبق لـ"ترجمة" أن أطلقت أيّ حملةٍ تسويقية، على ما يؤكّد أبو الفيلات، شارحاً أنّ "الشركة تعتمد على توصيات العملاء إلى عملاء آخرين. نحن نركّز على الشراكات وبناء الفريق وتحسين الخدمات أكثر من التسويق ووسائل التواصل".

فريق "ترجمة" في دبي، ويبدو زيد أبو الفيلات في أقصى اليمين

توظّف "ترجمة" أكثر من 50 موظّفاً بدوامٍ كامل بين عاملين من مكاتب الشركة أو عن بُعد، بالإضافة إلى أكثر من 500 شخص بدوام حرّ. ولكنّ العثور على أصحاب المواهب واستبقائهم كان من أصعب التحدّيات التي واجهت الشركة، بحسب الحسن.

نتيجةً لذلك، عمدت "ترجمة" إلى اتباع معايير لتقييم المرشّح قبل انضمامه إلى الفريق، ومن ثمّ إناطته بالمجال الذي يبرع فيه أكثر (قانوني، تقني، طبي، إلخ). وبحسب زيد أبو الفيلات، مدير العمليات في "ترجمة"، تعمل الشركة "على رعاية موظّفيها وتطوير مهاراتهم وترقيتهم في العمل".

لا استثمار؟ إذاً لا مشكلة

لم تحصل "ترجمة" على أيّ استثمار منذ انطلاقها، حسبما تؤكّد الحسن، معزية الأمر إلى أنّ "لا أحد يستثمر في الترجمة".

ومع ذلك لم يمثّل غياب الاستثمار عائقاً، "بل شكّل حافزاً للفريق لكي يركّز على تطوير الأعمال بدلاً من التركيز على جعل الشركة ملائمة للمستثمرين". وبالتالي اعتمدَت "ترجمة" سياسة الحدّ من النفقات والاستفادة القصوى من الموارد bootstrapping حتّى نمَت عضوياً وببطء، كما تمكّنت من إدارة تكاليفها مستفيدةً من كونها شركة غير تقنية بالإضافة إلى استطاعة عمل معظم الناس عن بُعد، وفقاً لأبو الفيلات.

الآن ومع اختلاف طرق الاطّلاع والتعلّم والقراءة، أصبح المحتوى الرقمي الدقيق والهادف بمثابة وسيلة لقياس مدى انخراط الشعوب في صنع المعارف، والمحتوى الرقمي العربي لا يزال أمامه طريق طويلة؛ فهل تكون الترجمة (والتعريب) حلاً من الحلول؟

الصورة الرئيسية من "ترجمة".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة