English

تبغي الربح أم لا؟ كيف يجيب رواد الأعمال الاجتماعية؟ [رأي]

English

تبغي الربح أم لا؟ كيف يجيب رواد الأعمال الاجتماعية؟ [رأي]

"نكون أو لا نكون"، هي المعضلة الحالية التي تواجه رواد الأعمال الاجتماعية في لبنان، أو بمعنى أدق "نكون مؤسسة ربحية أو لا نكون". لذلك دعوني أغتنم هذه الفرصة لأقدّم إجابة قاطعة على هذا التساؤل.

نموذج الأعمال الذي تعتمده هو الذي يحدّد الحالة القانونية لمؤسّستك، وليس العكس. فإن كنت تحقّق عائدات تكفي لتغطية التكاليف ويَبقى منها فائضٌ مالي، لدى مؤسستك فرصة لتكون مؤسّسة ربحية. أمّا إذا كان نموذج تحقيق الإيرادات لديك بالكاد يغطي التكاليف، أو يغطّي نسبةً منها فقط، فأنت عالقٌ في تصنيف المؤسّسة غير ربحية. من جهتي، عملتُ مع مؤسساتٍ اجتماعية في لبنان وكانت معظمها غير ربحية، ذلك لأنّها بالكاد تغطي تكاليفها، وتحتاج إلى منح وجمع تبرعات بشكل دائم. وحتى لو استطاعت هذه المؤسّسات تغطية التكاليف وتحقيق فائض مالي، يبقى لديها عدد من البرامج والخدمات والمنتجات والنشاطات الاجتماعية التي تريد إنفاق هذه الأموال عليها. وهي، على أيّ حال، تحلم بأن تتوقف عن كتابة اقتراحات مشاريع للحصول على منح وإقامة فعاليات لجمع التبرّعات مرّةً أخرى!

قبل أن نتعمّق في الموضوع، اطّلع على تعريف بعض المفاهيم. المؤسّسة الاجتماعية هي منظّمة تقدم منتجاً أو خدمة اجتماعية من دون مقابل. وما يجعل الخدمة أو المنتج "اجتماعياً" هو أن يكون هدفه تقليل الفوارق. فلا يقتصر المنتج على فئةٍ من الجمهور الأكثر حظاً، بل يصل إلى الفئات المهمشة، وذلك لتغيير الوضع الراهن للمجتمع وقلب الموازين. غالباً ما يتضمّن ذلك تصميم المنتج أو الخدمة بالتعاون مع هذه الفئات، ووضع حلول بالاشتراك معها تلبي احتياجاتهم. وللتأكّد من أن منتجك أو خدمتك تلتزم بهذه المعايير، راجع قائمة AAAQ (التي تعني اﻟﺘﻮاﻓﺮ، واﻟﻘﺪرة ﻋﲆ اﻟﺘﻜﻴّﻒ، وإﻣﻜﺎﻧﻴﺔ اﻟﻘﺒﻮل، واﻟﺠﻮدة) المعتمدة في أطر العمل الخاصة بحقوق الإنسان. هل منتجك أو خدمتك الاجتماعية متوافرة ويمكن الوصول إليها ومقبولة وتتمتع بالجودة بالنسبة للجمهور المستهدف؟ تعني سهولة الوصول إلى المنتج أنْ يلائم سعره الجمهور. أما القبول فهو أمر متعلّق بالعادات الاجتماعية والثقافية والقيم السائدة في المجتمع. والجودة تتعلق بمتانة المنتج أو الخدمة، وذلك لتجنب الوقوع في مصائد تدنّي الدخل لدى بعض الفئات. لذلك، يجب أن يكون هدفك بشكل عام، توفير منتج أو خدمة بأعلى جودة وأقلّ سعر كي يصل إلى أكبر عدد من الناس. وللوصول للجمهور الذي تستهدفه، ليس عليك فقط أن تصمم الخدمة أو المنتج معهم أو بشكل مرتبط بهم بل ينبغي تطبيق الأمر عينه فيما يتعلق بقنوات التوزيع أيضاً.

لنقل إنك استطعت تحقيق فائض. دعني أولاً أهنّئك من كلّ قلبي، فحتى الشركات التقليدية التجارية البحتة في المنطقة تكافح لتحقيق ذلك! ثانياً، دعني أؤكّد لك بأنّ لديك خيارات كثيرة لتوسيع الربح من نطاق العمل بشكل عام. فحتى لو كان هامش الربح لديك قليلاً (وهو كذلك في معظم الحالات نظراً للظروف التي تعمل ضمنها)، سيعطيك الفرصة للوصول إلى أنواع مختلفة من التمويل، ما قد يزيد من نموّ مؤسّستك. الخيارات قليلة في الدول العربية فيما يتعلق بحالة التسجيل القانونية، لذلك أنصحك بأن تعدّ وثائق الحوكمة الداخلية الخاصّة بك بشكل يوضح كيف ستعيد استثمار الفائض. فكلّ مؤسسة اجتماعية (مثلها مثل الشركات التجارية) تعيد استثمار جزء من فائضها لتحقيق النمو، لكنّ الفرق بين المؤسّسات الاجتماعية والتجارية هي أنّ نموّ الأولى يُقاس بالأثر الاجتماعي. وذلك لأنّ المحصّلة النهائية أو الربح الذي تحقّقه مؤسّسك هو  التغيير الاجتماعي، والدخل بالنسبة لك هو وسيلة وليس غاية بحد ذاتها.

تحديد النسبة التي ستعيد استثمارها في النموّ هو قرار يعود إليك أنت. يؤيّد بعض رواد الأعمال الاجتماعية استثمار جميع الأرباح الباقية بعد التوزيع، أيْ أنْ يعاد استثمار الفائض كلّه، بعد توزيع الأرباح على المستثمرين، في الهدف الاجتماعي للمؤسّسة. الفكرة من ذلك أنّه لا ينبغي أن يُحقّق مَن يعمل في مؤسّسةٍ اجتماعيةٍ ثروة. على الجانب الآخر، هناك من يشددون على فكرة أنّ الربح هو محرّك النموّ، وأنّ الطريقة الوحيدة للوصول إلى المحرومين من الخدمات الأساسية هي تبنّي نموذج الحجم الضخم للشركة والهامش القليل، والذي يزيد من الفائض الكلّي.

في كتابي، "مقدمة إلى ريادة الأعمال الاجتماعية" Introduction to Social Entrepreneurship، قابلتُ ممثلاً عن وجهتي النظر هاتين. فمن جهة، قابلتُ محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل للسلام إلى جانب "بنك غرامين" Grameen Bank لدوره في قطاع تمويل المشاريع الصغيرة في بنغلادش وإنشاء مصرف للفقراء. ويونس من أشدّ المناصرين لفكرة التنازل عن النموّ الاقتصادي مقابل الأثر الاجتماعي عند اتخاذ أيّ قرار في المؤسّسات الاجتماعية، لأنّه عند تبنّي نموذج عمل يسمح بتوزيع الأرباح لن يستخدم الناس 100% من إبداعهم وقدرتهم على حلّ المشاكل للتركيز على الأثر، بل سيفكّرون في الأرباح. ومن جهة أخرى، التقيت جيغار شاه الذي وضع نموذج أعمال أدّى إلى انتشار الطاقة الشمسية في الولايات المتحدة والعالم. كان شاه الرئيس التنفيذي الأسبق لـ"كاربون وار رووم" Carbon War Room التي أنشأها ريتشارد برانسون. كذلك أسّس شاه "سان إديسون" Sun Edison وهو الرئيس التنفيذي لها، كما أنّه شريك في تأسيس "جينيرايت كابيتال" Generate Capital ومؤلف كتاب "تحقيق ثروة من المناخ" Creating Climate Wealth. أثناء المقابلة، قدم شاه مثالاً عن مو إبراهيم، رائد أعمال في مجال الاتصالات الخلوية الذي وفّر خدمة تكنولوجيا الهواتف الخلوية للفئات التي كانت محرومة منها.

أرى أنّ الجواب يقع في المنتصف بين الخيارين إذ لا خيار صائباً مئة بالمئة. وهذه المفاضلة عادةً ما تحدث في المؤسّسات غير الربحية في لبنان اليوم عندما تأتي العائدات من المتبرعين.

أعتقد أن عليك استثمار 100% من فائضك في النموّ، وهناك عدّة طرق لفعل ذلك. على سبيل المثال، الاحتفاظ بأصحاب المواهب المتفوقة في المؤسّسات الاجتماعية أمر صعب، مع أنّ جذبهم سهل لأنّ الجميع يرغب في إحداث فرق. هل أستغني عن فكرة إعطاء جوائز أو مكافآت لفريقي؟ لا، على الأقلّ ليس من دون التفكير بها ملياً. لكنّ المكافآت يجب أن ترتبط بالنتائج الاجتماعية بدلاً من النتائج المالية. فتقديم رواتب تنافسية أمرٌ مهمّ ويؤثر في قدرتك على الوصول إلى هدفك، لأنّ الناس مهمّون وكذلك أصحاب المواهب. وبالتالي، لا يصحّ أن نطالب الناس بالتضحية بمستقبلهم الماليّ وسلامتهم الاقتصادية من أجل خدمة الآخرين.

في النهاية، يتوقّف الأمر برمّته متوقف على نموذج العمل والجملة التي افتتحتُ بها هذا المقال. فإن كنت تستخدم نموذج تسعير متباين كي تدعم فئةٌ من المجتمع غيرها، أو لدعم نشاطات بنشاطات أخرى، قد تستطيع زيادة النموّ عبر تسجيل شركتك كشركةٍ غير ربحية. أما إن كان نموذجك متوائماً، بحيث ترتبط زيادة المبيعات بشكلٍ مباشر ومتناسب بزيادة الأثر، فقد يكبّلك النموذج غير الربحي. في حالةٍ كهذه، سجّلْ شركتك بصفتها شركةً ربحية وحدّد نسبة الفائض الذي ستعيد استثماره مباشرةً في وثائق الحوكمة الداخلية. تختلف النسبة حسب الموقف والسياق والجمهور المستهدف والمنتج أو الخدمة. ولكن، عند تحديد كيفية توزيع الفائض، ابقِ المحصّلة النهائية نصب عينيك، أي النتيجة الاجتماعية التي تسعى لتحقيقها، والتغيير المجتمعي الذي تطمح لإحداثه. إحدى الطرق لذلك هي بتذكر القاعدة الأولى لريادة الأعمال الاجتماعية: لا يدور الأمر حولك. تخيل أنك خارج الصورة العملية وراقب المشهد من الخارج، ما هو النموذج الذي ستختاره حينئذٍ؟ اسأل جمهورك الذي ساعدك في وضع الحلّ عن تصوّرهم للنموذج الذي يجب أن تجري وفقه الأمور. ومثلما صمّمتَ الحلّ الخاص بك واختبرته وجرّبته مع الجمهور المستهدف حتّى نجح، يجب أن تفعل الأمر عينه مع مؤسّستك - أي أن تحدّده بشكل مشترك مع الجمهور.

الصورة الرئيسية من "ستوكفولت" Stockvault.

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.