لا ابتكار من دون تنوّع

اقرأ بهذه اللغة

"الابتكار هو ما يميز القائد عن التابع"، هذه إحدى مقولات ستيف جوبز، مؤسس شركة "آبل".

تخطئ كثير من الشركات، خلال فترات الاضطراب الاقتصادي، في اعتبار الإجراءات المبتكرة نفقات غير ضرورية. فغالباً ما يكون رد الفعل الفوري في الأزمات المالية، إجراء اقتطاعات في الميزانية بوصفها الملاذ الذي تلجأ إليه الشركات حتى تمر العاصفة. غير أن هذه المنهجيات الدفاعية غالباً ما تحجب الفرص التي تنشأ نتيجة الانكماش الاقتصادي. لذلك من أبرز عوامل الابتكار في أي شركة هو الالتزام بالتنوع.

بناء فريق متماسك ولكن متنوع

عندما نتحدث عن التنوع، ينصب التركيز عامة على الجنس واللون والعرق وما إلى ذلك. ومع أن هذا التنوع له مكانته في عالم الشركات، ينبغي فهم التعريف بعبارات أكثر تجريداً؛ فلكي تزدهر الشركات في أوقات التدهور الاقتصادي، يجب أن تكون مستعدة لقبول التنوع واحتضانه بما يطرحه من أفكار جديدة. ومن الشروط المسبقة الأساسية لترسيخ بيئة ترحب بالأفكار الجديدة والخلاقة هو وجود فريق متنوع وقائد جامع. وبحسب الكاتب جاري رايان بلير، الذي يركّز في مشاركاته في فعاليات الأعمال على مسألة التحفيز، إن "الفرق بين شخص يحقق أهدافه باستمرار ومن يمضون حياتهم ومسيرتهم المهنية كتابعين، هو المجهود الإضافي المبذول".

وقد طرح وائل فخراني، المدير الإقليمي السابق لشركة "جوجل" Google في الشرق الأوسط وأفريقيا، آلية دقيقة حيث تتولى مجموعة واسعة من الموظفين من مختلف الأقسام إجراء مقابلات مع الموظفين الجدد واتخاذ قرارات التوظيف بشكل جماعي كلجنة بدلاً من أن تكون القرارات مسؤولية فردية. ويوضح وائل فكرته قائلاً إن "سبب تصميمنا لهذه الآلية بهذه الطريقة هو ضمان خروجنا بفريق متنوع ثقافياً واجتماعياً يمكنه الاحتكاك بسهولة مع أشخاص من خلفيات مختلفة. ونرى أن الفكرة تعزز القبول والتسامح بين الموظفين، الأمر الذي يشجع على الحوار الجماعي عند اتخاذ القرارات كما يحفّز أعضاء الفريق على اقتراح أفكار جديدة بحرية من دون خوف من إصدار الأحكام أو توجيه اللوم له".

لكي تزدهر الشركات في أوقات التدهور الاقتصادي، يجب أن تكون مستعدة لقبول التنوع واحتضانه بما يطرحه من أفكار جديدة (الصورة عبر "بيكساباي" Pixabay)

تعزيز الإبداع

يعزز التنوع في مكان العمل أيضاً تكوين بيئة تحض على الإبداع، وهي السمة التي تتمتع بها شركة "مجوهرات عزة فهمي" Azza Fahmy Jewelry مثلاً. فكشركة مشهورة لبيع المجوهرات بالتجزئة، تفخر بالتجربة التي تقدمها لعملائها؛ فعندما انطلقت الثورة في مصر، كان على الشركة أن تجمع مختلف الأفكار الجماعية من فريقها للوصول إلى طريقة تمكنهم من الحفاظ على "تجربة عزة فهمي" مع إجراء التخفيضات اللازمة في الميزانية. وصرحت فاطمة غالي، المديرة العامة للشركة قائلة: "لقد أصبحنا نهتم كثيراً بالتكاليف خلال الثورة وتداعياتها المباشرة. فاتضح لنا بجلاء أنه علينا خفض تكاليفنا، ولكننا كنا بحاجة إلى القيام بذلك بطريقة إبداعية لا تضر بسمعتنا أو قاعدة عملائنا". فقام فريق عزة فهمي بتجميع معلوماته وأفكاره المستمدة من خلفياته المتنوعة لإعادة هيكلة عملياته التسويقية من خلال التواجد على الإنترنت. وفيما يتعلق بالمنتجات، استفاد الفريق من الروح الوطنية التي سادت آنذاك لإنتاج مجموعات تحمل سمات مصرية. وقد أثبتت كلتا المبادرتين فعاليتهما في دعم الشركة أثناء هذا الوقت العصيب.

المرونة مفتاح النجاح

وعندما سُئلت داليا وهبة - رئيسة مجلس إدارة شركة "سي آي دي للاستشارات" CID Consulting والشريك المؤسس لها، وهي شركة استشارية في مجال الإدارة والاتصالات منذ العام 1995 - عما تبحث عنه في المرشحين الجدد للوظائف، أجابت أن المرونة إحدى السمات الرئيسية في الاختيار.  وأضافت داليا: "نحن نبحث عن أشخاص يتمتعون بمرونة عالية ويستطيعون العمل في بيئة اقتصادية متقلبة. وعادة ما تتعزز إدارة الأزمات في تلك الفترات، لذلك من المهم أن نحظى بفريق قادر على الاستجابة بسرعة وفاعلية مع طرح حلول ذكية". ووفقاً لداليا، فإن جيل الشباب أكثر مرونة وتكيفاً مع ضغوط العمل. وعقبت قائلةً: "إنهم ليسوا أكثر قدرة على تحمل الصدمات والتغيرات الحادثة وحسب، بل يتمتعون أيضاً بمستويات أعلى من الطاقة عندما يحاولون العمل خلال الأوقات العصيبة". وهذه القدرة على التعامل مع الصدمات تكون ملازمة للابتكار ولا تنفصل عنه. فوصفة النجاح هي وجود فريق يتألف من أعضاء متنوعين تقدميين يتمتعون بالشغف والتعطش للتعلم ويساهمون في العمل مع التمسك بالإبداع والابتكار كأساس يقوم عليه عملهم.

تضيف فاطمة غالي: "نحن نبحث في شركة 'عزة فهمي' عن أشخاص يتمتعون بمهارات ريادة الأعمال. فأنا أريد أشخاصاً يمكنهم الانضمام للشركة واعتبارها شركتهم الخاصة. لا تقوم ثقافة شركتنا على قواعد صارمة، لذلك يمكنك تنظيم يومك كما تريد في ضوء بعض التوجيهات". ويتطلب هذا النوع من المرونة من الموظفين أن يكونوا محفزين ذاتياً ولديهم شغف بالعمل الذي يقومون به حتى يتمكنوا من توجيه إبداعهم إلى القناة المناسبة ويكونوا قادرين على حل المشاكل بشكل مستقل.

الاستعداد لتحمل المخاطر

يعتبر الاستعداد لتحمل المخاطر من دون خوف من الفشل السمة النهائية وربما الأكثر أهمية للصمود خلال أوقات الاضطرابات. وهناك إجماع في الآراء على أنه ينبغي تقبل الفشل بوصفه فرصة للتعلم يمكن من خلالها للشركات أن تعدِّل من عملياتها واستراتيجياتها. تقول داليا وهبة عن ذلك: "يجب أن تتقبل وقوع خسائر أثناء المسير نحو النجاح. ومن خلال خوض تجربة هذا الفشل، ستتعرف على الصدمات وستتعلم كيف تمتصها بشكل أفضل في المستقبل". وتقول فاطمة غالي التي تنتهج الفلسفة نفسها: "الفشل جزء من النجاح؛ فيجب على الشركة الناجحة أن تستعد لتجربة أشياء جديدة من دون خوف من الفشل بل اعتباره وسيلة للتعلم". وتأكيداً على الفلسفة نفسها، يقول وائل فخراني إن الفشل يكمن في صميم العمليات الاستراتيجية لشركة جوجل، مضيفاً أن "شركة 'جوجل' نفسها تصمم أشياءً تُمنى بالفشل، وبالتأكيد أنت ستتعرض لضربات في البداية، ولكن كل يوم ستتعلم 20 طريقة مختلفة لتجنب الفشل".

من المهم أن تدرك الشركات ضرورة الابتكار في أوقات الانكماش الاقتصادي وبأن تحقيقه غير ممكن سوى من خلال احتضان التنوع بجميع أشكاله الثقافية والأيديولوجية، والاستعداد لتقبل أفكار جديدة مع العلم التام بأنها قد تنجح أو تفشل. إن معظم الشركات تصاب بالذعر في أوقات الاضطرابات، لكن الاستعداد لتحمل المخاطر والتصرف بسرعة في مثل هذه الأوقات هو ما يميز القادة عن الأتباع.

الصورة الرئيسية من "بيكساباي".

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة