شركة لبنانية ناشئة تعيد ابتكار تجارة الملابس المستعملة

اقرأ بهذه اللغة

وافق 25 آب/أغسطس يوم الملابس المستعملة، وهناك سبب وجيه للاحتفال به. فصناعة الأزياء والإكسسوارات من فضلات الخامات (Trashion) أو تجارة بالات الملابس أو تجارة البضائع المستعملة، ليست مفاهيم جديدة؛ فقد كانت تجارة الملابس المستعملة مصدراً رئيسياً لبيع الملابس بالتجزئة منذ زمن بعيد، وتقدَّر قيمة تجارة الملابس المستعملة العالمية اليوم بـ 4.3 مليار دولار.

شركة "فابريك آيد" FabricAID، هي شركة لبنانية ناشئة حديثة تشتري الملابس المستعملة من المنظمات غير الحكومية، ومن ثم تبيعها إلى عملاء من ذوي الدخل المحدود بأسعار معقولة. انطلقت الشركة في كانون الأول/ديسمبر 2016 على أيدي كل من حسام حنوني ولين أبي عاد وعمر عيتاني.

وفي تصريح لـ"ومضة"، يقول عيتاني: "خطرت لي الفكرة في فترة عيد الميلاد. لم أكن أريد التبرع بالملابس عن طريق إحدى المؤسسات لأنني أردت أن أرى أثر التبرع الذي أقدمه".

انطلقت الشركة في كانون الأول/ديسمبر 2016. (الصورة من "فابريك أيد")

باستخدام منشورات "فايسبوك" والرسائل الجماعية على تطبيق "واتساب" لتعريف الناس بنشاط الشركة، جمع الفريق 200 كيلوجرام من الملابس في أسبوع واحد فقط. وُزّع بعضٌ من هذه الملابس على الأسر المحتاجة، ولكن عدم وجود قاعدة بيانات محكمة كان عائقاً أمام وصول الفريق إلى عدد أكبر من المستفيدين.  

خارج "الصندوق"

بعد التشاور مع المؤسّسات الخيرية التي تعمل في المجال – مثل مؤسسة "أركنسيال" Arcenciel ومؤسسة "كاريتاس" Caritas و"جمعية عباد الرحمن الخيرية" – تمكن الفريق من فهم كيفية إدارة وتسيير شؤونهم. في معظم المنظمات غير الحكومية، يوجد صندوق يستطيع الأشخاص [غالباً من الطبقات الاجتماعية المتوسطة والعليا] وضع ملابسهم غير المرغوب فيها داخله، ومن ثم يأتي المحتاجون لانتقاء بعض الملابس من بينها.

من ناحية أخرى، هذه الوسيلة محدودة جغرافياً بحسب تصريحات عيتاني، حيث لا يستطيع من يعيشون بعيداً عن هذه المنظمات غير الحكومية الوصول دائماً إلى صناديقها. إضافة إلى ذلك، لا يتم فرز الملابس مما يؤدي إلى صعوبة توزيعها. أما وجه الإزعاج الثالث فيتمثل في جشع الناس، على حد قول عيتاني، حيث "يأخذ العديد من الأشخاص كمية كبيرة من الملابس ولا يتركون ما يكفي لغيرهم". كما أن متاجر الملابس المستعملة تسيء استخدام هذا النظام. ويتابع: "إنهم يفتشون في هذه الصناديق ويبيعون ما يجدون في متاجرهم". هناك حوالي 250 متجراً للملابس المستعملة في لبنان، حيث تنتشر على وجه الخصوص في المناطق الفقيرة كما هو الحال في مخيم صبرا للاجئين الفلسطينيين وسوق الأحد (سوق شعبية تباع فيها سلع مستعملة). وهكذا، تهدف شركة "فابريك آيد" إلى وضع نظام لمتاجر الملابس المستعملة لتلبية احتياجات مليوني شخص يعيشون تحت خط الفقر في لبنان، بما في ذلك اللاجئين السوريين والفلسطينيين و700,000 لبناني.

حصلت الشركة الناشئة على تمويل بقيمة 20 ألف دولار من منظمة "اليونيسف" في إحدى جولاتها التمويلية. كما حصلت على منحة "كفالات" Kafalat البالغة قيمتها 15 ألف دولار، وكذلك فازت بجائزة قيمتها 2,500 دولار في إحدى المسابقات. كانت هذه الشركة الناشئة أيضاً أحد الفائزين في برنامج "سينسيلاب" Senselab، وهو عبارة عن مخيم تدريب لمدة ثلاثة أسابيع برعاية مؤسسة "مايكسينس لبنان" Makesense Lebanon في تموز/يوليو الماضي. يضم الفريق ثلاثة أعضاء، على أن يرتفع العدد إلى سبعة خلال شهرين. ويقول عيتاني: "لدينا أجهزة تنظيف جاف وسنشتري أجهزة أكبر من خلال تمويل منظمة اليونيسف".

الاتجاه إلى العمل في إصلاح النسيج

تستورد متاجر الملابس المستعملة، البضائع من الأسواق العالمية، ولا سيما الولايات المتحدة وأوروبا. تنتج الولايات المتحدة 1,4 مليون طن من الملابس المستعملة سنوياً، بينما تنتج أوروبا ما يصل إلى مليوني طن. وبعد أبحاث مستفيضة، أدرك عيتاني كيف تجري دورة قطاع الملابس المستعملة: تجمع المنظمات غير الحكومية الأوروبية والأميركية الملابس من المنازل، حيث يتم بيع 20% منها إلى متاجر الملابس المستعملة المحلية مثل منظمة "جيش الخلاص" Salvation Army ومنظمة "جود ويل" GoodWill ومنظمة "أوكسفام" Oxfam. بعد ذلك، يُباع 80% إلى شركة "استرداد النسيج" textile reclaimer التي تعيد تدوير 30% منها، وترسل الباقي إلى تجار الجملة في جميع أنحاء العالم.

يقوم تاجر الجملة ببيعها إلى متاجر الملابس المستعملة التي تبيعها بدورها إلى المستخدمين النهائيين. بالمحصلة، فإنّ المنظمات غير الحكومية وشركات استرداد النسيج وشركات الشحن والموانئ وتجار الجملة ومتاجر الملابس المستعملة جميعهم يحاولون تحقيق الأرباح من هذه الدورة. كذلك، تتطلب العملية الكثير من الوقت؛ الأمر الذي يمنع وصول الملابس إلى المستخدم النهائي قبل خمسة أو ستة أشهر على الأقل من جمعها، ولا شك أن ذلك يؤثر على جودتها. وعلى سبيل التوضيح، يقول عيتاني: "إننا نحاول أن نصبح شركة إصلاح نسيج، وهذا مفهوم غير موجود في السوق حتى الآن. إننا نشتري الملابس من المنظمات غير الحكومية ونفرزها ومن ثم نعيد توزيعها على نحو فعال".

تُعتبر مجموعة "سويكس" SOEX أكبر شركة لإصلاح النسيج في العالم ولديها منافذ معالجة وتوزيع في جميع أنحاء العالم. وهناك أكثر من ألف طن من المنسوجات والملابس والأحذية والإكسسوارات يجري فرزها على مستويات متعددة كل يوم.

التسعير وسير العمليات

الملابس المستعملة في لبنان ثلاث فئات، الأعلى جودة التي لم تُرتدَ سوى مرات قليلة، ويُباع الكيلوجرام منها بـ9 دولارات في حين تبيعها متاجر الملابس المستعملة بأسعار قد تصل إلى 20 دولاراً للقطعة الواحدة. وتمثل هذه الفئة حوالي 10% من الملابس المستعملة المستوردة، على حد قول عيتاني، ونادراً ما نجدها في متاجر الملابس المستعملة في المناطق الريفية. الفئة الثانية أقل جودة وتمثل 40% من الملابس المستوردة بينما الـ50% الباقية من الأدنى جودة.

يقول عيتاني "إنّنا نشتري الملابس المستعملة من المنظمات غير الحكومية المحلية مثل مؤسّسة ’كاريتاس‘ ومؤسسة ’أركنسيال‘ وغيرهما، وذلك مقابل 500 ليرة لبنانية (0,3 دولار أميركي) للكيلوجرام الواحد. وهكذا تبلغ قيمة الطن 50 ألف ليرة (33,3 دولاراً)". تعمل شركة "فابريك آيد" على تنظيف الملابس وغسلها وفرزها حسب المقاس والجنس والنوعية والعيوب، ومن ثم تضع على كلّ قطعة سعراً يناسبها. بعد ذلك، تجمَّع الملابس في بالات [حزم من الملابس المفروزة] وتُباع إلى متاجر الملابس المستعملة الأخرى. يقول عيتاني إنه "إذا كانوا سيشترون الكيلوجرام بمبلغ 3 دولارات، فإننا سنبيعه بدولارين".

نموذج الربح

يتكوَّن نموذج الربح في شركة "فابريك آيد" من شقين: البيع مباشرة إلى متاجر الملابس المستعملة عبر حزم يتراوح وزن الواحدة ما بين 30 و60 كيلوجرام. النموذج الثاني يقوم على تزويد ذوي الدخل المحدود بفرصة تشغيل متاجرهم الخاصة للملابس المستعملة برأس مال صفر عبر تقديم الملابس مجاناً وإقامة شراكات مع منظمات غير حكومية ومؤسّسات حكومية تقدّم مساحة عمل مجانية. بعد استكمال برنامج التدريب، تبدأ عملية البيع يتم اعتماد نموذج مشاركة العائدات بين الشركة والمستفيدين.

ووفقاً عيتاني، إذا تم شراء الكيلوجرام بـ0,33 دولار وكانت تكاليف إصلاحه ألف ليرة (0,6 دولار)، فسوف تبلغ أرباح الشركة دولاراً واحداً لكل كيلوجرام إذا باعت إلى متاجر الملابس المستعملة. مع ذلك، إذا كانوا يبيعون من خلال متاجرهم الخاصة، فستبلغ إيرادات كل كيلوجرام 10 آلاف ليرة (6,6 دولارات) حيث ستكون المبيعات بالقطعة [يمكن أن يحتوي كل كيلوجرام على خمس قطع يمكن بيعها بمبلغ 2000 ليرة (1.3 دولار) لكل قطعة على سبيل المثال]. وهكذا تصل أرباحهم إلى 8500 ليرة (5,6 دولار) قبل مشاركة الأرباح مع المستفيدين. ويعني هذا أن بيعهم من خلال متاجرهم الخاصة سيكون أكثر ربحية على المدى الطويل.

الخطط المستقبلية

لم تبدأ شركة "فابريك آيد" في البيع حتى الآن، ولكنها ستبدأ في ذلك اعتباراً من نوفمبر القادم، وحتى الآن تمكنت الشركة من جمع ثلاثة أطنان من الملابس. ويمكن إطلاق نشاط البيع عندما تجمع الشركة ما بين 5 و10 أطنان.

يقول عمر عيتاني: "لدينا خطة لفتح ثلاثة متاجر بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية في الأشهر الستة الأولى، وهدفنا الأكبر هو زيادة هذا العدد ليصل إلى ما بين 16 حتى 18 متجراً . ومع زيادة عدد المتاجر المجانية التي يمكن أن نحصل عليها من المنظمات غير الحكومية، سنستطيع توفير المزيد من فرص العمل للعاطلين، وهذا هو السبب وراء استعداد المنظمات غير الحكومية لتقديم المساعدة إلينا".

الصورة الرئيسية عبر "بيكساباي" Pixabay

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة