ريادة الأعمال الخضراء تحتاج إلى مشاركة الشباب

أثناء حلقة نقاش حول مشاركة الشباب في ريادة الأعمال. (الصورة عبر فينيسا خليل)

اقرأ بهذه اللغة

هذا الجزء الثاني من مقالين حول مستقبل الاقتصادات الخضراء العالمية والإقليمية.

يُعتبر ديفيد دي روتشيلد شخصية غنية عن التعريف في أوساط الناشطين في مجال حماية البيئة، فهو مستشكف ومناصر لحماية البيئة. ولكن ما وضعه بالفعل تحت دائرة الضوء الدولية كان مجهوداته وأقرانه في رحلة البلاستيكي الاستكشافية The Plastiki Expedition، وهي رحلة بحرية امتدت على أربعة أشهر عبر رقعة القمامة الهائلة بالمحيط الهادئ في عام 2010. وقد ذكر ديفيد دي روتشيلد في كلمته الرئيسية التي ألقاها أمام القمة العالمية للاقتصاد الأخضر هذا العام: «كنا نهدف إلى رفع الوعي حول هذه الرقعة، لذلك قمنا بصناعة قارب بأكمله من الزجاجات البلاستيكية».

مع حلول عام 2010، كان ديفيد ورفاقه قد انتهوا من بناء القارب الذي استغرق أربع سنوات، وأطلق عليه اسماً مناسباً له - "البلاستيكي The Plastiki". بعدها، أمضى المستكشفون أربعة أشهر في عرض البحر على متن "البلاستيكي" لجمع الزجاجات البلاستيكية من المحيط الهادئ ونشر تغريدات على تويتر حول رحلتهم. وعندها انتبه العالم لرحلة المستكشفين. ولكن، كما قال ديفيد: «كنت أدرك في أعماقي أننا لم نقم بحل أي مشكلة؛ فكميات البلاستيك التي أُلقيت في المحيط أثناء رحلتنا تفوق الكمية التي انتشلناها. يجب أن نتوقف عن دعم العبوات الخضراء، إذ أنها ليست صديقة للبيئة في الحقيقة!». واستشهد بأمثلة مثل موس الحلاقة "الصديقة للبيئة"، وقبة المحيط اليابانية سيجايا «التي لا تبعد كثيراً عن موقع الطبيعة الحقيقية».

وفي مجال الطبيعة، يناصر ديفيد دي روتشيلد نهج "المحاكاة البيولوجية"، وهو نهج يتناول البحوث والتطوير التكنولوجي ليحاكي الابتكارات المتأصلة في الطبيعة ويتحدى الغرور البشري ويحث على التعاون بدلا من المنافسة الدامية في عالم الشركات الناشئة. وقال ديفيد معقباً: «أدرك تماماً أن الموقف أصبح كالسباق بين الشركات الناشئة. ولكن عندما نلتفت إلى المصادر التي تزودنا بالماء والهواء النظيف والطاقة، ينبغي لنا التعاون سوياً حتى نتمكن من تحقيق عملية الانتقال بسرعة».

الأرقام تتحدث

تكمن أحد المعوقات في تخفيف حدة المنافسة بين رواد الأعمال الشباب. إن تحفيز رواد الأعمال الشباب لتولي مسؤولية الجهود الرامية لحلّ مشاكل البيئة يُعتبر أولوية ملحة. يقول ريتشارد كينج، المستشار الأول في نسخة الشرق الأوسط من مسابقة الطاقة الشمسية العشرية Solar Decathlon برعاية وزارة الطاقة الأميركية: «الشباب هم أصحاب المصلحة الأولى في المستقبل، ليس من الناحية المالية فحسب بل لأنهم سيعيشون لفترة أطول». وذلك في حلقة نقاش حول مشاركة الشباب في ريادة الأعمال الخضراء والمنعقدة على هامش القمة العالمية للاقتصاد الأخضر.

يواجه ريتشارد كينج هذه الضرورة الملحة مسلحاً بالأرقام والحسابات، فيقول: «أمام الشباب 60 عاما للعيش على كوكب الأرض. وإذا كنت ستعيش في منزل وستمتلك سيارة، فستتكبد سنوياً حوالي 5,000 دولار مقابل تكلفة استهلاك الطاقة، وهو ما يعادل 300,000 دولار طيلة حياتك بالأسعار الحالية».

ينبغي أن تكون حسابات كينج الرياضية جديرة باستمالة الشباب في ظل المناخ الاقتصادي العالمي الراهن.

ومن جانبه، أكّد جينز وانديل، حالياً مستشار مستقل للشؤون العامة والتنمية المستدامة وأحد كبار الموظفين سابقاً بمنظمة الأمم المتحدة: «لتحفيز الشباب، ينبغي إتاحة الفرصة أمامهم من أجل التطبيق التجاري لأفكارهم كي تصب في مصلحة الاقتصاد الحقيقي». يستشهد جينز وانديل بنجاح النسخة الأولى من مختبر الابتكار الدانماركي أنليش إنوفيشن لاب Unleash Innovation Lab والذي ضمّ هذا العام 1,000 مشارك من 129 جنسية تتراوح أعمارهم بين 20 إلى 35 عاماً. يقول جينز إنه «تم اختيارهم بعناية بناءً على أفكارهم المبتكرة».

يُعتبر ريتشارد كينج صاحب مدرسة فكرية مختلفة؛ فهو يؤمن بأن الروح التنافسية بين الشباب وأولوياتهم المالية عوامل رئيسية تحفّزهم للاشتراك في الجهود الخضراء بفاعلية.  وفي سياق "مسابقة الطاقة الشمسية العشرية" التي أطلقها تحت مظلة وزارة الطاقة الأميركية في عام 2002، يقول ريتشارد كينج: «تستحق هذه المنافسة الشهرة التي تتمتع بها والفخر الملازم لها والمال المنفق عليها، ويمكن اعتبار المسابقة أهم وأثمن من المال. ومنذ انطلاق البرنامج الذي يستمر لمدة عامين، تنافس في إطاره 2,000 من طلاب العمارة والهندسة من 20 جامعة مختلفة لبناء منازل مستدامة بالكامل تعمل بالطاقة الشمسية.

انطلقت مبادرات مماثلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتسير على النهج نفسه، مثل مسابقة جامعة SingularityU MENA Global Impact Challenge، وعلى الصعيد المجتمعي والتبادل المعرفي، توجد لقاءات رواد الأعمال الخضر Green Entrepreneurs Meetups، في الإمارات العربية المتحدة، والتي ضمت أكثر من 1,000 عضو. ومن بين المسابقات الأخرى، مسابقة "أكيومن" لخطط مشاريع الأعمال التجارية Acumen For Social Enteprise Business Plan Competition التي انطلقت في عام 2013 وساهمت في تحفيز ريادة الأعمال الاجتماعية بشكل عام.  

الانتشار التنازلي

ولكن بعيداً عن هذه الجهود واسعة النطاق، ينبغي استمالة الشباب إلى التكنولوجيا الخضراء بشكل ملائم لهم. يسوق إيفان باسيشنيك، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لجهاز مراقبة الطاقة المنزلي إيكو إذ مي EcoisMe، شركة "فيتبيت Fitbit" كنموذج على ذلك. فيقول: «بالعودة إلى عام 2008، لم يكن الناس يهتمون كثيراً بصحتهم وممارسة التمارين الرياضية واكتفوا بالخطوات التي يمشونها في اليوم. ولكن ظهرت "فيت بيت" وطرحت عليهم فكرة التلعيب والتحديات».

إن الحاجة إلى إشراك رواد الأعمال الشباب في الاقتصاد الأخضر ترجع إلى اعتماده الكبير على الاقتصاد الرقمي - الذي ينصب اهتمام معظم رواد الأعمال الشباب عليه اليوم. وفي هذا الصدد يقول رامز دندن، مسؤول التكنولوجيا الأول في مايكروسوفت الخليج، أثناء إحدى حلقات النقاش حول التحول الرقمي والأخضر: «يجب أن يتحول الاقتصاد الرقمي إلى اقتصاد أخضر! إن الغرض من التكنولوجيا هو حلّ مشاكل البشر، فإذا قمت بتحويل إحدى المدن إلى مدينة رقمية أو ذكية، ولكن على حساب كفاءة استهلاك الطاقة، فإنك حينها لن تقدم شيئاً مهماً».

من وجهة نظر تقنية، يصنّف رامز دندن الاقتصادات الرقمية بناء على أربعة أسس: «سهولة التنقل، أي التطبيقات التي يستخدمها الأفراد؛ والبيانات وعلومها؛ والتحليلات المتطورة، بشكل أساسي استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد أنماط البيانات؛ وأخيرا وليس بآخر، التكنولوجيا السحابية التي تتيح نشر التقنيات الأخرى على نطاق واسع».

ثمة الكثير من الأمثلة على إسهام التكنولوجيا في الاستدامة البيئية. ويوضّح أحدَ هذه الأمثلة بيورن إيويرز، الشريك والمدير الإداري في "بوسطون كونسلتنج جروب Boston Consulting Group" : «النماذج الديناميكية لتحصيل الرسوم تمكنك من تقليل الوقت الذي تمضيه السيارات على الطريق، وبذلك يقل الاكتظاظ المروري والتلوث». ثمة مشروع آخر تديره شركة برمجيات العملاقة ساب SAP في ريودي جانيرو، المدينة التي تعاني من مواسم الفيضانات الهائلة والأمطار الغزيرة. يقتضي المشروع بتركيب أجهزة استشعار على أنظمة التصريف في المدينة لقياس مستويات منسوب المياه، كما وضح نيفزات سيمسيك، مدير قطاع الطاقة والموارد الطبيعية في شركة ساب بالإمارات وعمان. تقدم أجهزة الاستشعار المعلومات لاتخاذ قرارات استباقية بشأن كيفية ومكان نشر وتكثيف مساعدات الطوارئ - ناهيك عن تحديد المناطق التي يجب إخلائها بالكامل من السكان.

من الواضح أن المسألة تستدعي إشراك السكان في المحادثات مع صناع القرار والشركات ورواد الأعمال الشباب. يقول بيورن إيويرز إن أحد هذه المساعي كان Amsmartdam city في مدينة أمستردام، حيث أطلق الشباب "30 مبادرة تصاعدية" واشترك فيها سكان ثلاثة أحياء بجهود مستدامة وذكية.

وقد صرّح رامز دندن: «من وجهة نظر صانعي القرارات، فإن زيادة المعلومات والشفافية حول طرق معيشة الناس وسلوكياتهم تعتبر فرصة كبيرة لصانع القرارات»؛ وينبغي للحكومات المشاركة أن تكون على استعداد لإتاحة الوصول إلى البيانات الهائلة التي بحوزتها.

أما بالنسبة للناس، شباباً وكباراً، فيقول ديفيد دي روتشيلد: «ما ينبغي علينا نشره هو الذكاء العاطفي الداخلي وليس الذكاء التكنولوجي؛ علينا زرع المزيد من التعاطف والحس بالآخرين».

 

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة