هل يحدّ تعليمك من خياراتك المهنية؟

هشام العربي

هشام العربي

المدير الإقليمي في Udacity الشرق الأوسط

لا يخفى على أحدٍ أن هناك فجوة هائلة بين حجم الفرص وعدد الناس المؤهّلين لاغتنامها إلا أن زيادة الطلب هذه تُرجع إلى أسباب مشجعة وإيجابية تكمن في التوسع، والازدهار، والنمو. فمن المتوقع أن تنمو الاقتصادات العالمية بالتوازي مع تجديد وتحديث دول العالم لنفسها، وهو ما يؤدّي إلى زيادةٍ في الاستهلاك.

لا يشكّك أحدٌ بأن جميع طلاب العلم، بمختلف مراحلهم العمرية والتعليمية، يحتاجون، بل ويستحقون، إلى برامج تُيسَّر لهم ليستطيعون الاستفادة منها في اكتساب المهارات القيمة والمطلوبة للنجاح في اقتصادنا الحديث. فتقدّر الشركة الإدارية العالمية ماكنزي بأن العالم سيشهد نقصاً في مخزون العمال المتعلّمين والمهرة يصل إلى 40 مليون في عام 2020، ويرتفع هذا الرقم إلى 45 مليون إذا ما نظرنا إلى العمال المتمّرسين في أوساطهم في نفس العام. 

ويُتوّقع أن تتعاظم هذه الفجوة أكثر بحلول 2030، فما تبلغ نسبته من 8% من الطلب العالمي للقوى العالمية سيكون لوظائف جديدة لم تُوجّد بعد.

لقد غيّرت الأتمتة عالمنا إلى عالمٍ أفضلٍ على أصعدةٍ عديدة، ولكن لا يمكن التغافل عن العواقب السلبية المرتبطة بها، إذ لا يمكننا أن نتجاهل أننا سائرون نحو انتقالٍ عسيرٍ يرافقه خسائر وتغيراتٍ كبيرة في الوظائف. تقول شركة ماكنزي أيضاً بأن 15% من الوظائف التي يعرفها العالم اليوم، أي 400 مليون عامل، ستضمحل بحلول 2030. وتشمل هذه الأرقام الناس الذين يعملون في المصانع، إضافةً إلى العديد من الناس من ذوي التخصص الذين يعملون في المكاتب. بل حتى السيارات من دون سائق، التي يمكن أن تنقذ حياة 10 ملايين إنسان في كل عقد، ستعني على الأرجح بأن هناك ملايين الناس الذين سيفقدون وظائفهم.

يمثّل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحدياً فريداً من نوعه، فلا يزال الاقتصاد الرقمي صغيراً بنسبةٍ لا تتجاوز 4% من الناتج القومي الإجمالي، مقارنةً بالولايات المتحدة الأمريكية (8%) والاتحاد الأوروبي (6%). كما أن نسبة مخزون المواهب الرقمية من المجموع الكلي للقوى العاملة في الشرق الأوسط لا يتجاوز 1.7%، أي نصف ذات النسبة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. ولكن نرى أن قادة العالم العربي بدأوا بالترحيب بالمستقبل باتخاذ خطواتٍ جريئةٍ ومتقدّمة لكسر قيود الماضي.

يراهن إقليمنا اليوم بصورةٍ واضحةٍ على التعليم، فتصل نسبة الاستثمار في هذا القطاع من النفقات الحكومية إلى 18% مقارنةً بمعدّلٍ عالميٍّ يبلغ 14%، ولم يكن هذا سوى بداعي الضرورة، فتنمو شريحة الشباب بصورةٍ مضطردةٍ في الإقليم، وربما يُخيّل للبعض بأن هذه النسبة الكبيرة من الشباب ستكون أثمن ما يملكه أيّ اقتصادٍ منتجٍ إذا ما عدنا إلى التاريخ، إلا أن نسبة البطالة بين الشباب هي الأعلى في إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مستوى العالم، فهي تُقدّر بـ 30% وهي وحدها مسؤولةً عن مضاعفة نسبة البطالة العالمية. بل إن نسبةً كبيرةً من الوظائف الموجودة لا تساهم في الاقتصاد المحلي، وإنما تستهلك المصادر الحكومية.

تصل نسبة ما توّظفه الحكومة من القوى العاملة إلى 30% في بعض دول الإقليم، أي ثلاثة أضعاف ما تراه في البلاد النامية، ويواجه النظام التعليمي تحدياتٍ لإعداد كثيرٍ من هؤلاء الناس للعمل في وظائف القطاع الخاص.

أهمية التعليم الذي يدوم طوال الحياة البيانات التي بين أيدينا واضحةٌ:

تعطش العالم للمواهب التكنولوجية يتنامى بصورةٍ شرهة. فسيرتكز سوق الوظائف بصورةٍ متزايدةٍ على المعرفة والتدريب المستمر للموظّف، وهو ما يعني بدوره أن حاجتنا جميعاً لكي نُبقي عجلة التعلم تدور باستمرار في حياتنا ستزداد أكثر وأكثر.

قالت مجلة الإيكونوميست العام الفائت بأن التعلم الذي يدوم طوال الحياة هي أحد أبرز ظواهر عصرنا، ولكن لا بد لنا أولاً أن نفهم ما هي الأسباب التي تزعزع نموذج التعليم الحالي قبل أن نفهم كيف يمكن لهذا المبدأ، التعليم الذي يدوم طوال الحياة، أن يُحدث ثورةً حقيقيةً في حياتنا.

وُلِد مفهوم التعليم العالمي، أي وجوب أن يكون بمقدور الجميع أن يقرأ ويكتب، بنهاية القرن 18 في بروسيا. وسرعان ما أصبحت هذه الفكرة، التي كانت تُعدّ أحد صور التفكير المتقدّم جداً وقتها، فكرةً عالميةً في منتصف القرن التاسع عشر.

ولكن لم تحدث أي تغيراتٍ تُذكر خلال الـ150 عاماً الماضية حتى عام 2011 عندما باتت مسارات التعليم على الإنترنت متاحةً، وتكيّفت الجامعات سريعاً مع هذا التغير، فبدأت بتوفير بعضٍ من مناهجها على شبكة الإنترنت.

كيف يمكن لنا أن نضمن أن قوانا العاملة مُسلّحةً بما يلزم من مهاراتٍ لتواجه المستقبل؟ لم يعد بإمكاننا الاكتفاء بالاعتماد على الأنظمة التعليمية القائمة التي تركّز على شهادات العامين أو الأربع أعوام، وطبيعتها النافرة من للتغيير إذا ما أردنا أن نكون مستعدين كما ينبغي. فلا بد إذاً من الاستجابة لطلب المُوظِّفين لمهاراتٍ محدّدة عن طريق تطوير طرقٍ جديدة تركّز على أوراق الاعتماد، والكفاءات، والتقييمات، والشهادات، ويُدعّم كل ذلك بتوجيهٍ وإرشادٍ وتعليمٍ أفضل. يوجد الكثير من المهارات التي باتت اليوم بحكم المنقرضة، وقد حلّت مكانها مهاراتٌ جديدة يتزايد عليها الطلب. وقد قلّل الإنترنت تكلفة نقل المعلومات إلى الصفر تقريباً. فبإمكان الناس التواصل مع بعضهم البعض بصورةٍ غير مسبوقةٍ تاريخياً، وهناك حدٌّ للقوى الحاسوبية وقوى المعالجة المتوّفر بين أيدينا.

لا يجب أيضاً إهمال ضرورة فهم النقلة التي يشهدها العالم بعيداً عن متطلّبات الشهادة الجامعية على أن يرافقها فهمٍ أكبر وأشمل لأهمية التعلم الذي يدوم طوال الحياة. فيشترط النجاح المهني طويل الأمد في اقتصادنا الحديث التزاماً لا ينتهي لتطوير المرء لمهاراته، وستجري هذه العملية، قطعاً، خارج السياق الجامعي التقليدي في ظلّ التقدم التكنولوجي المضطرد. نعم لا شكّ بأن الشهادة الجامعية يمكن أن تكون مكوّناً هاماً لمسيرةٍ مهنيةٍ طويلة، ولكنها، وبحكم طبيعتها، ستكون في بداية هذه القصة، وسيتبعها تطورٌ أكبر عبر مبادرات تدريب مكان العمل والتعليم المستقل الذاتي.

فتح الباب نحو آفاق واعدة ورحبة

إذا علّمت إنساناً وسلحّته ليحظى بمسيرةٍ مهنية واعدة، فإنك لم تقم فقط ببناءٍ حياةٍ أفضل له ولعائلته، بل وللمجتمع كله. لا بد لنا من أن نزيل حواجر الرهبة من أمام نوافذ التكنولوجيا وتيسير فرص التعليم المميزة في سبيل تحقيق هذا الهدف. نحتاج إلى أن نجعل الناس يذوقون حلاوة ابتكار حلولٍ لبعضٍ من أكبر المشاكل التي يواجهها العالم. نحتاج إلى أن نساعدهم على رسم حلمٍ مهني في عالم التكنولوجيا، ومن ثم نحتاج أن نسلحّهم بما يحتاجون لخوض غمار هذا الدرب. وكل هذا جزءٌ من تمتّع الإنسان بالجرأة على التغيير.

نحن على أبواب مستقبلٍ أفضل يزخر باحتمالاتٍ جريئةٍ ومشرقة، وتتلاقى خطوط هذا المستقبل على مرتكزاتٍ تتمثّل في نموٍ اقتصاديٍّ مستدام، وإبداعٍ إنساني، وشبابٍ ضليعٍ في عالم التكنولوجيا. لا يزال إقليمنا يملك الكثير من الإمكانات الهائلة غير المستغلة، ونحن نقف على باب نموٍ اقتصاديٍّ واجتماعيّ شاسع، في نهضةٍ للاقتصاد الإبداعي تحمل معها ازدهار البشرية.

 
 

شارك

مقالات ذات صِلة