الاستدامة والاقتصاد الدائري في عالم الأزياء

Harvesting cotton. Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

ارتفعت أصوات الاستنكار والغضب في شتى أنحاء العالم حينما أقدمت دار "بربري" (Burberry) للأزياء الفاخرة على إتلاف ملابس ومستحضرات تجميل تتجاوز قيمتها 35 مليون دولار أمريكي في العام الماضي من أجل حماية علامتها التجارية من التقليد وانخفاض القيمة.

جاء الإستنكار بسبب الكمية الهائلة من النفايات التي خلّفتها الشركة، فصناعة الأزياء هي ثاني أكثر صناعة ملوثة للبيئة بعد النفط والغاز. واستناداً الى الصندوق العالمي للحياة البرّية (WWF) فإن إنتاج القطن اللازم لتصنيع قميص واحد يستهلك 2700 لتر من المياه، وإذا أضفنا إلى ذلك القميص سروالاً من الجينز فسنحتاج إلى ما مجموعه 20 ألف لتر من المياه. وعلاوة على ذلك، تتسبب المبيدات والأسمدة والأصباغ الكيميائية وطرق التصنيع في تلويث موارد المياه العذبة في مئات القرى ببلدان مثل إندونيسيا حيث يوجد على ضفاف نهر سيتاروم نحو 400 مصنع يطلق مواداً كيميائية سامة في مياه النهر كل يوم.

شرعت الآن صناعة الأزياء في التركيز على الاستدامة وتبني الاقتصاد التشاركي للتقليل من التأثير السلبي على البيئة. ويتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تبلغ قيمة الاقتصاد التشاركي 670 مليار دولار بحلول عام 2025 بسبب زيادة ميل الناس إلى استئجار السلع والخدمات لفترة زمنية قصيرة بدلاً من شرائها وبدأت شركات لتأجير الأزياء العمل في هذا الإتجاه بالفعل.

ومن المرجح أن يتطور هذا المفهوم ليتحول إلى نماذج تستند على الاشتراك والعلامات التجارية.  وتشير تقديرات "غلوبل داتا" (GlobalData) إلى أن سوق تأجير الملابس عبر الإنترنت سينمو ليبلغ 2.5 مليار دولار بحلول عام 2023.

وتخطط سلسلة الأزياء الأمريكية "أوربان آوتفيترز" (Urban Outfitters) –التي تضم تحت مظلتها ماركات "ليفيز" (Levi's) و"أنثروبولوجي" (Anthropologie) و"فيلا" (Fila)– لإطلاق خدمة إشتراك في الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر هذا العام تحت اسم "نولي" (Nuuly) حيث  تتيح للزبون أن يستأجر ست قطع كل شهر قبل أن يقرر شراءها أو تبديلها.

كما أن متجر "ذا لاكشري كلوزيت" (The Luxury Closet) الإلكتروني الرائد في مجال بيع وشراء المنتجات الفاخرة المستعملة في دبي– سيبدأ قريباً تجربة مشابهة مع إحدى ماركات الأزياء بدولة الإمارات. يقول كونال كابور، مؤسس المتجر ومديره التنفيذي، " ستسمح الماركات لعملائها إعادة القطع القديمة إليها والحصول على قطع جديدة. ونحن نعمل مع ماركة (سيُعلن عنها قريباً) للسماح لعملائهم بإعادة بيع أغراضهم مقابل رصيد لهم في متجرنا. وبذلك سوف يختفي المفهوم التقليدي للملكية والحقوق".

سيساعد إنشاء هذا النوع من الاقتصاد الدائري في قطاع الأزياء على الاستدامة. وقد لاحظ متجر "ذا لاكشري كلوزيت" إرتفاعاً في عدد الذين يبيعون ويشترون سلعاً مستعملة على منصته، ولذلك شرع في اتباع استراتيجية توسّع عالمي بعد إنجاز جولة إستثمار إضافية.

وترى مايا طالح خاتون وتيما حمادة أن تشجيع الناس على شراء سلع مستعملة كان الخيار الأسهل والأكثر امتثالاً للمعايير الأخلاقية. ويفيد تقرير موقع "ثريد أب" للاستدامة لعام 2018 أنه بإمكان المستهلك زيادة عمر القطعة المُعاد استعمالها لأكثر من عامين، مما يؤدي إلى خفض انبعاثات الكربون والمخلّفات وهدر المياه بنسبة 73% تقريباً.

لقد لاحظت مايا طالح وتيما حمادة القيمة المادية للملابس المعلّقة في خزانتيهما، فعملتا على إطلاق  متجر "رايوت" (RIOT) الإلكتروني. وهو وحركة تدعو إلى الموضة الدائرية. وتقول مايا طالح "في ظل الحالة التي يمرّ بها كوكب الأرض، لم يعد مقبولاً أن أقول إنّ لديّ خزانة مليئة بالملابس ولكن ليس لديّ ما أرتديه.

فقد أردنا أن نقدم مزيداً من المبررات لإقناع عملائنا بارتداء ملابس مستعملة، ولكن لا يزال المجتمع يعتبر ذلك أمراً معيباً، لا سيما في منطقتنا".

وللمساعدة في تغيير التصوّر العام تجاه اقتناء سلع مستعملة، يستخدم موقع "رايوت" مصطلح Pre-loved بدلاً من مستعمل. وتضيف مايا أنه "في صناعة الأزياء، ينبهر الناس بالجمال الذي يتجلّى أمامهم في عروض الازياء ولا يخطر ببالهم المياه والانبعاثات الغازية والأصباغ".

وأدى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والإنستغرام إلى زيادة الطلب على الأزياء السريعة، فاليوم ترتدي ثلث النساء قطعة الملابس خمس مرات في المتوسط ثم ترميها. ومضت مايا تقول إننا "نشتري ضعف ما كنّا نشتريه في السابق، ونرتدي الملابس نصف المدة التي كنّا نرتديها في السابق. وهذا لوحده جنون. ولا شك أن مستوى الوعي والتعليم في العالم وفي المنطقة أيضاً قد إرتفعت ولكن ليس بالسرعة الكافية".

ويعتقد كونال كابور أن شركات الأزياء ستبدأ قريباً في التفكير بعقلية شركات تصنيع السيارات التي تراعي عند تصميم السيارات وتصنيعها أنها سيمتلكها أكثر من مالك واحد خلال دورة حياة السيارة. ويرى أن ذلك سيدفع مصنّعي الملابس إلى تصنيع منتجات ذات جودة أعلى لتدوم لفترة أطول.

ويرى ماثيو بنيامين –الشريك المؤسس والعضو المنتدب في شركة "بنيامين سيجرز"، وهي شركة مقرها في دبي وتنتج بدلاً للرجال حسب الطلب– أنه لا بد من استخدام المواد المناسبة لصنع الملابس عالية الجودة وينبغي أن تكون تلك المواد مستدامة وعضوية وخالية من استخدام المبيدات الحشرية والأسمدة والمواد الكيميائية.

ويقول ماثيو " يكمن الحل الأمثل في رأينا في إختيار المواد الخام المناسبة والمواد التقليدية الأكثر استدامة، فهي توفّر المياه وتخدم جميع الأطراف. لابد أن نفكر  في المستقبل عندما ننشأ شركة فهي تعود بالنفع على الجميع على المدى الطويل".

لقد ظهرت في السنوات القليلة الماضية عدة شركات ناشئة تروّج لأهمية التأثير البيئي والاستدامة بالرغم من أن الطلب على مثل هذه المنتجات ما زال محدوداً في الشرق الأوسط. على سبيل المثال، تقوم شركة "غرين فاشون" (Green Fashion) المصرية بانتشال وجمع الملابس من مكبّات النفايات لإنتاج قطع ملابس فريدة. وفي لبنان، تعيد "إن كاي" لنور قيس (NK by Nour Kays) استخدام أكياس البلاستيك لتصنع منها مادة جديدة لصنع الحقائب والإكسسوارات، بينما تستخدم "أوهيو سويم" (Ohoy Swim) في دبي المواد البلاستيكية المعاد تدويرها لإنتاج ملابس السباحة.

ويعتبر البلاستيك من المواد السامة لكن ذات الإمكانات الكبيرة التي يمكن إعادة استعمالها في صناعة الملابس. ففي كل دقيقة، تُباع مليون زجاجة بلاستيكية في جميع أنحاء العالم، أي نحو مليار ونصف زجاجة في اليوم الواحد. ولأن 91% من جميع أنواع البلاستيك لا يُعاد تدويرها، ينتهي بها المطاف في مكبات النفايات أو المحيطات ويستغرق 400 عاماً لتتحلل.

ولكن سيستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يعتاد الناس على ارتداء أشياء مصنوعة من البلاستيك، وربما يكون النموذج الأكثر إقناعاً في الوقت الحالي هو الاقتصاد الدائري والتشاركي. وبينما يرى بعض الناس شراء البضائع المستعملة وارتدائها عيباً، لا يمانع كثيرون في المنطقة بيع ملابسهم كوسيلة لكسب بعض المال، وبالتالي يصبحون مساهمين مهمّين في استدامة المنتجات.

تقول مايا طالح " يزداد وعي المستهلكين يوماً بعد يوم، ويملكون القدرة على إحداث التغيير. فقد بدأوا يتحققون أكثر فأكثر من الملصق المرافق للمنتج ومن عملية التصنيع. فالموضة الدائرية هي الخيار الأسهل، ويمكن القول إنها الخيار الأكثر استدامة  وذات التأثير المباشر".

 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة