أنظمة الذكاء الاصطناعي جاهزة للتعلّم، فهل نحن مستعدون لتدريبها؟

Image courtesy of Shutterstock

بقلم نوربيرتو سيبين، مدير تشغيل المنتجات في أكسنتشر الشرق الأوسط وتركيا

من المتوقع أن تغير تقنيات الذكاء الاصطناعي قطاع التجزئة بشكل يفوق كل التوقعات في غضون السنوات القليلة القادمة، وهذا يتحقق فقط في حال كان التعليم والتدريب لنظم الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية تطبيق هذه التقنيات.

وفيما يصبح المستهلكون متطلبين في العصر الرقمي الحالي، فهم يتوقعون من قطاعات التجزئة أن يكونوا على مقربة منهم وأن يقدموا لهم تشكيلة واسعة من المنتجات وخدمات العملاء بنقرة زر واحدة. وفي ظل توجهات السوق الحالية، فالسؤال الذي يطرح نفسه حالياً يتمحور حول مدى قدرة نموذج متاجر التجزئة التقليدية على تحمل هذه الموجة الرقمية الغامرة.

إن وصول عمالقة التجارة الإلكترونية مثل "أمازون"، وإطلاق أسواق إلكترونية محلية مثل "نون" و"سوق" قبل انضمامها إلى أمازون، أسهم في تغيير قطاع التجزئة إلى غير رجعة. كما لقي قطاع التجارة الإلكترونية دفعة غير مسبوقة بفضل التوجه الطموح لدبي لتصبح المدينة الأذكى في العالم، فضلاً عن الدعم الإضافي من استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي. وأضحت الشركات تتنافس فيما بينها لتسخير التكنولوجيا بهدف تعزيز تجربة العملاء. ووفقاً لتقرير أصدرته مؤسسة "أكسنتشر" مؤخراً، يُتوقع أن تسهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز النمو الاقتصادي لدولة الإمارات بنحو 1.6%، أي أنها ستضيف نحو 182 مليار دولار إلى الاقتصاد الإماراتي بحلول العام 2035.

وفي حين ندرك جميعاً الإمكانات والمنافع التي تقدمها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، علينا أن نفهم كيفية تحقيق الاستفادة المثلى من هذه التكنولوجيا.

تمييز الغث من السمين

لا شك بأن الارتفاع الهائل في عدد الأجهزة المترابطة ومستويات تفاعل العملاء يخلق حجماً كبيراً من الضغط الرقمي الناجم عن توليد كميات لا حصر لها من البيانات. بالمقابل أصبح تجار التجزئة اليوم قادرين على تحليل توجهات الشراء ورغبات المستهلكين وأنماط السلوك التي تساعدهم على اتخاذ قرارات أعمال واعية تعزز من تجربة العميل. لكن إذا أراد باعة التجزئة الاستفادة من تلك البيانات بفعالية، فهم يحتاجون إلى منظومات ذكاء اصطناعي جديدة قادرة على تحديد واستخلاص المؤشرات المفيدة واستبعاد المؤشرات غير المهمة.

ولأن نظم الذكاء الاصطناعي لا توفر لوحدها حلاً متكاملاً للحصول على تحليلات ناجعة، فإن على المؤسسات أن "تعلّم" أنظمتها وأن تُدخل بيانات عالية الجودة كمطلب أساسي لضمان دقة التحليلات، وذلك قبل أن تقوم هذه المؤسسات باستخراج المعلومات واستخلاص النتائج واستخدامها. فإدخال بيانات منخفضة الجودة يؤدي بأنظمة الذكاء الاصطناعي إلى الخروج بنتائج خاطئة غير دقيقة من شأنها أن ترفع من مخاطر الإضرار بالأعمال عوضاً عن تعزيزها. لذا يمكن لتجار التجزئة تحقيق الاستفادة الملموسة إذا ما وضعوا بياناتهم الأولية التي يتم إدخالها موضع التحقق والاختبار الأولي قبل استخدامها وتحليلها. 

التدرج وتحديد الأولويات

إن تحديد المجالات التي تطبق فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي هام جداً لعملية التعليم، خاصة وأن الطلب من هذه الأنظمة أن تدير عدة أشياء في الوقت نفسه سيؤدي إلى فقدان التركيز، لذلك تكمن الممارسة الأكثر نجاحاً في تحديد مجال معين في الأعمال، سواء أكان مركزاً على العملاء أو الموظفين، ومن ثم تدريب منظومة الذكاء الاصطناعي للتعامل معها.

يمكننا في هذا السياق دراسة التجربة التي قامت بها سلسلة عملاقة معروفة لمتاجر متعددة الأقسام في المنطقة كانت قد أطلقت مؤخراً خدمة التسوق عبر الإنترنت. فقد لاحظت هذه السلسلة ارتفاعاً في الطلب على التوصيل إلى المنزل، وقامت بتأسيس منصة رقمية واحدة تعرض آلاف المنتجات. لكن ذلك لم يكن كافياً، إذ أراد العملاء استخدام قنوات وخدمات متكاملة أثناء تنقلهم. وعندها أطلقت السلسلة لتعزيز التسوق الرقمي أجنحة مخصصة لذلك داخل متاجرها وتطبيقاً للهواتف المتحركة، مما أدى إلى تكامل جميع القنوات لتعزيز تجربة العملاء في المتاجر وعبر الإنترنت وتقديم صورة موحدة عن المنتجات، وهذا بدوره أسهم في تحسين تجربة العملاء وسلسلة التوريد ككل.

التعلم أثناء العمل

لن يقوم عمالقة قطاع التجزئة باستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي حصرياً عبر الإنترنت في المستقبل القريب، بل سيتم أيضاً تجربة روبوتات متنقلة وقادرة على التعلم أثناء مزاولة عملها في متاجر التجزئة التقليدية. وهذه الروبوتات المستقلة ستتنقل في المتاجر لقراءة رموز المنتجات (الباركود) وتحديد المنتجات التي نفدت أو تم وضعها في غير مكانها.

وستكون تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التي تدير هذه الروبوتات قادرة على التعلم لتصبح أكثر كفاءة مع مرور الوقت، وهذا يؤدي بدوره إلى تحسن مستويات الإدارة والإنتاجية.   

متعلمون متميزون

وستكون الأفضلية في المنافسة مستقبلاً حليف تجار التجزئة الذين يدرّبون أنظمة الذكاء الاصطناعي على أداء مهام محددة. ونظراَ إلى أن قطاع التجزئة يستخدم عدة أنظمة متنوعة باستمرار، فهو مناسب جداً لعمليات التحسين المستمر القائم على استخدام أدوات ذكاء اصطناعي مدربة بشكل كامل.

ولا شك بأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث تحولات جذرية في قطاع التجزئة نظراً إلى قدرتها على أتمتة عمليات الدعم والمخزون وسلسلة التوريد وغيرها من العمليات.

لكن كما هي حال الطلاب مع معلميهم، لا يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي أن تعمل بكفاءة دون توجيه مبدئي وتعليم أساسي، وإذا استخدم قطاع التجزئة تلك الأنظمة في حالتها الخام، فلن يحقق الفائدة المنشودة من إمكانات الذكاء الاصطناعي. لكن بإمكان القطاع جني منافع جمّة إذا استثمر الوقت الكافي في بداية مسيرة هذه التكنولوجيا لمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي الأدوات التعليمية المناسبة وتدريبها بدقة على رصد الفرص الثمينة التي ستعود بالمقابل على القطاع بأرباح مجزية.

شارك

مقالات ذات صِلة