حالة الكفاءات التقنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

اقرأ بهذه اللغة

حالة الكفاءات التقنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

تتولى لين الأشقر قيادة عملية خلق القيمة في شركة بروبلر، وهي إحدى شركات رأس مال المجازفة في مدينة عمَّان الأردنية

كثيراً ما نصادف أحد مؤسسي الشركات الناشئة يشكو من نقص الكفاءات التقنية المؤهلة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وتشير استقصاءات الرأي إلى أن العثور على أصحاب الكفاءة العالية من أكبر التحديات التي يواجهها مؤسسو الشركات. ولأننا من شركات رؤوس أموال المجازفة التي تمول الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، ولأن شركاءنا المؤسسين من الشخصيات البارزة في صناعة البرمجيات، فإن لدينا خبرة مباشرة بهذه التحديات.

إننا في شركة بروبلر (Propeller) نقضي وقتاً طويلاً في تقديم الدعم والتوجيه إلى مؤسسي الشركات خلال المراحل الأولى لتطوير المنتجات. كما أن توفير أصحاب الكفاءة القادرين على شغل المناصب التقنية والوظائف المتعلقة بالمنتجات أحد الأنشطة الرئيسية التي نقوم بها من أجل الشركات الناشئة التي نتعاون معها. وبعد إجراء مقابلات شخصية مع مئات من المبرمجين على مدار العام الماضي أو العامين الماضيين، أدركنا أن مشكلة الكفاءات التقنية تكمن في الكَيْف وليس الكَمّ. 

الكَيْف قبل الكَمّ

إذا أمعنت النظر في دائرة أصحاب الكفاءة في الأردن على وجه التحديد، ستجد كثيراً من خريجي الجامعات الحاصلين على شهادات جامعية في مجال تطوير البرمجيات، وستجد أن نسبة لا يُستهان بها منهم ينتهي بهم الأمر إلى دخول سوق العمل كمهندسي برمجيات مبتدئين. ولكنهم ما إن يلتحقوا بالقوى العاملة، فإن معدل تنمية مهارات الموظفين، البطيء نسبياً في الشرق الأوسط مقارنةً بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، يجعل مستوى أداء أصحاب الكفاءات التقنية الأقدم في المنطقة أدنى من مستوى أداء نظرائهم في الخارج. وحينما نتحدث عن تنمية الموظفين فإننا لا نعني ارتقاءهم في السلم الوظيفي للحصول على ألقاب وظيفية أعلى، بل نعني الاستثمار الفعلي في تنمية مهارات الموظفين ومعارفهم وقدراتهم.

ويمكن تعميم هذه الملاحظة على مجالات عمل أخرى، ولكنها تنطبق تمام الانطباق على مجال تطوير البرمجيات بسبب ما يتسم به من التغيير المستمر والتطور السريع، وهو ما يتطلب من المهنيين العاملين في هذا المجال أن يتقدموا بوتيرة أسرع من أجل مواكبة التطورات المستمرة. وتواجه شركات التكنولوجيا العالمية التي توظف مهندسي برمجيات في عمَّان تحديات مماثلة. 

تقول ميساء تاني، المتخصصة في الموارد البشرية واستقدام أصحاب الكفاءة في الأردن: "كان من التحديات الأخرى التي واجهتنا هو العثور على أصحاب الكفاءة الأقدم الذين تتوفر فيهم المعايير العالمية. وثبت بعد التقييم أن مستوى عدد كبير منهم يقل بمقدار درجة أو درجتين عمّا يشير إليه لقبهم الوظيفي." 

وتزداد هذه المشكلة وضوحاً في الشركات الناشئة التي تصنع منتجات تكنولوجية عالمية، أيْ تلك التي تسير على درب التطور الهائل. وكل موظف ينضم إلى الشركة الناشئة يكون له دور حاسم في نجاح الشركة، ولذلك لا يمكن أن يقبل مؤسسو الشركة بأن يكون أي عضو من أعضاء الفريق دون المستوى المطلوب. ومن ثمَّ لا يكون أمامهم في الغالب خيار آخر سوى السعي إلى استقدام شخص أكفأ من الخارج. 

أسباب النزوح التقني

لقد ألقينا نظرة أعمق على هذا الوضع من أجل فهم أفضل للسبب الجذري لهذا الخلل الذي يعتري توزيع أصحاب الكفاءة العالية، ومن أجل البحث عن حلول محتملة. وإليكم بعض ملاحظاتنا:

أولاً: قام عدد قليل جداً من الشركات في المنطقة ببناء ثقافة تتمحور حول التطور المهني وتنمية مهارات الموظفين. وفي ظل الافتقار إلى مناخ يساعد على التعلم المستمر ومسار واضح للتقدم، غالباً ما يُترك الموظفون بلا حافز أو دعوة إلى خوض غمار المنافسة والتحدي، فيصيبهم الركود والجمود. وأما غير الراضين عن هذه الثقافة فإنهم يبحثون بالطبع عن بيئات عمل أكثر تحدياً في أماكن أخرى. وقد رأينا بأنفسنا ما لا يقل عن عشرات المبرمجين المؤهلين الذين انتقلوا إلى ألمانيا أو غيرها للحصول على فرص تطوُّر أفضل. ولا يسع منطقتنا أن تتحمل فقدان كفاءاتها المحدودة للغاية. وتقع على عاتق جميع المؤسسات والشركات الناشئة مسؤولية تحفيز موظفيها وتمكينهم وإثرائهم والحفاظ عليهم. 

ثانياً: يمكننا القول بأن قلة قليلة فقط من المهنيين في منطقة الشرق الأوسط هم الذين يواصلون التعلم خارج مكان العمل. وبإلقاء نظرة على مساهمات كل بلد في المشاريع المفتوحة المصدر على موقع "غيتهب"، يمكن استنباط علاقة واضحة بين البلدان الأكثر مساهمة وعدد الكفاءات التقنية، كما هو موضح في الصورة الآتية.

 

 

أكثر البلدان مساهمةً حسب عدد مرات نشر الأكواد/عدد السكان في موقع غيتهب (المصدر: Felipe Hoffa, Github Top Countries, 2016)

ويدل ذلك على أن المتخصصين في البرمجيات في هذه البلدان التي تتصدر القائمة يقضون أوقات فراغهم في كتابة الأكواد البرمجية وشحذ مهاراتهم. فالمساهمة بالأكواد البرمجية في المشاريع المفتوحة المصدر أو حضور لقاءات محلية أو الاستماع إلى مناقشات تقنية أو قراءة كتاب عن الريادة التقنية – كل ذلك من المُكمِّلات الضرورية للمعارف والمهارات المكتسبة في الوظيفة، ولا غنى عنها لتحقيق التطور السريع. والاعتماد فقط على التعلم أثناء العمل سوف يُسفِر تلقائياً عن انخفاض مستوى الكفاءة.

وأما الأمر الثالث الذي نود أن نوضحه فهو التأثير الذي أحدثه أرباب العمل من الشركات التكنولوجية العالمية على دائرة الكفاءات المحلية. فلا شك أن الشركات التكنولوجية العالمية التي فتحت فروعاً لها في الأردن تعيد إلى سوق العمل كفاءات رفيعة المستوى.

ما الذي يلزم فعله؟

من الواضح لنا في شركة بروبلر أن دائرة الكفاءات التقنية في المنطقة تشهد بطئاً في التطور المهني، وهو ما يعيق النمو المحتمل لهذا القطاع. ونعتقد أنه لا بد من حدوث أمرين لتحسين هذا الوضع:

1- يجب رفع مستوى التميز بالنسبة لجميع المهنيين من أجل الارتقاء خطوة إلى أعلى في "سلم الجودة". على سبيل المثال، ينبغي لشركات البرمجيات الموجودة في المنطقة أن تنظر في توظيف قيادات تقنية من الخارج لإدخال معايير عمل أعلى في ثقافتهم ولرفع مستوى فرقهم المحلية. وعلى نفس المنوال، نحتاج إلى مزيد من الشركات التكنولوجية العالمية لتفتح فروعاً لها في المنطقة من أجل رفع معايير العمل ككل.

2- سرعة ارتقاء أصحاب الكفاءة لسلم الجودة هي العنصر الحاسم الثاني في النهوض بالوضع التقني لدينا. ومن واجب جميع المعنيين بالبيئة التقنية الحاضنة نشر ثقافة التعلم المستمر وغرس مبادئ تنمية القدرات الشخصية. فينبغي أن يحصل أصحاب الكفاءة على مزيد من فرص التدريب وشحذ المهارات، وأن يتلقوا إرشادات بشأن التطور المهني، سواء في المؤسسات أو الشركات الناشئة.

وقد ضربت بعض الشركات التكنولوجية العالمية أروع الأمثلة على ذلك حينما التزمت جديّاً بتنمية المهارات (التقنية وغير التقنية) للمبرمجين الواعدين الجدد وترقيتهم إلى مناصب أكبر خلال فترة تتراوح من 12 إلى 18 شهراً. فتقدم لهم بعض هذه الشركات توجيهاً وتدريباً مستمراً وتعرفهم بأفضل الممارسات. بل إنها تذهب إلى أبعد من ذلك فتعمل على تنمية مهارات ذوي الكفاءة الذين لم يجتازوا مرحلة المقابلات الشخصية. تقول تاني: "في حالة الرفض، يقوم أحد أعضاء الفريق التقني بإطلاع الشخص المتقدم على تعقيبات وملاحظات تقنية مفصلة، وسوف يقترح عليه أيضاً روابط وأدوات ومطالعات تنبغي قراءتها للحصول على فرصة لإعادة إجراء المقابلة بعد ستة أشهر".

ولكوننا من الداعمين للبيئة الحاضنة، فقد أخذنا الأمر على عاتقنا، وها نحن نقدم حلاً معقولاً وعملياً. وللسنة الثانية على التوالي، ننظم حالياً مؤتمر "إكسباند" بمعايير عالمية من أجل المبرمجين في الشرق الأوسط. وهو مؤتمر دولي لتطوير البرمجيات يجمع أفضل الكفاءات التقنية في المنطقة تحت سقف واحد من أجل توفير تجربة تنموية متسارعة. وسوف يُعقد هذا المؤتمر في عمَّان على مدار يومي 28 و29 آذار/مارس 2020 بهدف تسريع وتيرة تقدم الكفاءات التقنية في المنطقة.

 

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة