ماذا تعني مرونة الاقتصاد الفلسطيني للمستثمرين؟
مقال لـمجد زغير، محلل اقتصادي مقيم في فلسطين
في العادة، لا ينظر المستثمرون إلى اقتصادات تعيش تحت وطأة الصراع كمساحات آمنة للاستثمار، لكن الحالة الفلسطينية تفرض قراءة مختلفة. ففي قلب القيود السياسية والاقتصادية المستمرة، طوّر القطاع الخاص قدرة لافتة على العمل والتكيّف داخل واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية تعقيدًا في العالم.
لطالما جرى اختزال الاقتصاد الفلسطيني في كونه اقتصاد أزمة—بين عدم اليقين السياسي والضغوط المالية وقيود الحركة ودورات الصراع المتكررة. وقد جاءت صدمة ما بعد 2023 لتعمّق هذا الواقع، مع تراجع حاد في الناتج المحلي وانكماش في نشاط القطاع الخاص وفقدان مئات الآلاف من الوظائف.
ومع ذلك، لم يعد السؤال اليوم ما إذا كان الاقتصاد الفلسطيني قادرًا على الصمود، بل ماذا يعني هذا الصمود أصلًا—وهل يمكن قراءته كقدرة تحمل في داخلها منطقًا اقتصاديًا مختلفًا، وربما فرصًا استثمارية غير تقليدية؟
بالنسبة للمستثمرين وصناع القرار، يُنظر إلى الصمود باعتباره قيمة اجتماعية. لكن في السياق الفلسطيني، يبدو أنه يلعب دورًا أعمق كقدرة اقتصادية تؤثر في طريقة عمل الشركات وتشكّل تطور الأسواق وتعيد رسم خريطة الفرص. فهم هذا البعد ضروري لمن ينظر إلى فلسطين ليس فقط من منظور إنساني، بل أيضًا من منظور اقتصادي واستراتيجي.
اقتصاد تحت ضغط استثنائي
تكشف البيانات الاقتصادية الحديثة حجم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني اليوم. فبعد أحداث 2023، تراجع الناتج المحلي الحقيقي بشكل حاد إلى مستويات لم تُسجل منذ أكثر من عقد، وذلك بالتزامن مع انكماش واسع في نشاط القطاع الخاص في عدة قطاعات.
وكان التأثير الأشد في قطاع غزة، حيث انهار النشاط الاقتصادي إلى حد كبير، وتعرضت البنية التحتية إلى دمار واسع، كما عمّقت الحرب من الهشاشة القائمة، ورفع معدلات الفقر بشكل ملحوظ.
في المقابل، يواجه اقتصاد الضفة الغربية اضطرابات مستمرة، مع قيود الحركة وتراجع النشاط وتزايد الضغوط المالية، ما حدّ من نمو القطاع الخاص وقلّص فرص العمل.
في الظروف العادية، وفي أي سياق آخر، كانت مثل هذه الأوضاع كفيلة بانهيار اقتصادي واسع. ومع ذلك، يواصل القطاع الخاص الفلسطيني العمل، مُظهرًا قدرة استثنائية على التكيّف تحت ضغط مستمر.
الصمود كميزة اقتصادية
لطالما عملت الشركات الفلسطينية في بيئة يسودها عدم اليقين. وهو ما انعكس مع الوقت في إفراز نمط مختلف من رواد الأعمال—أكثر قدرة على إدارة المخاطر وأكثر مرونة في تعديل نماذج الأعمال وأكثر قدرة على العمل داخل أسواق مجزأة.
كما طوّرت العديد من الشركات هياكل تشغيل مرنة وسلاسل إمداد متنوعة وشراكات خارجية تساعدها على تجاوز القيود المحلية. وفي الوقت نفسه، فتحت الرقمنة الباب أمام الوصول إلى أسواق إقليمية وعالمية، خاصة في قطاعات التكنولوجيا والخدمات، رغم القيود الجغرافية والسياسية.
في هذا الإطار، لم يعد الصمود مجرد رد فعل على الأزمات، بل تحول إلى قدرة اقتصادية قائمة بذاتها، تظهر بوضوح في استمرار نمو القطاعات المعتمدة على رأس المال البشري، مثل تكنولوجيا المعلومات والخدمات الرقمية والحلول المالية.
الفرص تولد داخل القيود
بالنسبة للمستثمرين، يشير هذا الصمود إلى وجود طاقات ريادية قادرة على العمل في بيئات عالية التعقيد والمخاطر. فالقيود الهيكلية—من محدودية الوصول إلى الموارد إلى تفتت الأسواق—دفعت الشركات الفلسطينية إلى تبني نماذج تشغيل أكثر كفاءة ومرونة، تعتمد على الأدوات الرقمية والشراكات العابرة للحدود وشبكات الشتات للوصول إلى التمويل والأسواق.
هذا الواقع انعكس في توجه واضح نحو التصدير، سواء لدى الشركات الناشئة أو الأكثر استقرارًا، مع تطوير منتجات وخدمات تستهدف أسواقًا إقليمية ودولية، وهو ما يظهر بوضوح في عدد من القطاعات الناشئة، أبرزها قطاع التكنولوجيا الذي يواصل نموه، مدعومًا بقاعدة من الكفاءات البشرية المؤهلة واهتمام متزايد من المستثمرين وشركاء التنمية. كما يظل قطاع الزراعة عنصرًا أساسيًا في سلاسل الإمداد المحلية والأمن الغذائي. وفي المقابل، يكتسب قطاع الطاقة المتجددة زخمًا مع سعي الشركات إلى بدائل للبنية التحتية غير المستقرة، بينما تبرز التكنولوجيا المالية والمدفوعات الرقمية كفرص واعدة في سوق لا يزال يشهد تفاوتًا في مستويات الشمول المالي.
تاريخيًا، كان الاستثمار في فلسطين مدفوعًا بمزيج من رأس المال المحلي وشبكات الشتات ومؤسسات التمويل التنموي، والمستثمرين المهتمين بالأثر الاجتماعي. وقد لعبت هذه الجهات دورًا محوريًا في دعم الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة والحفاظ على استمرارية الأعمال خلال فترات عدم الاستقرار الاقتصادي. كما أسهمت صناديق استثمارية مؤسسية، مثل صندوق الاستثمار الفلسطيني (PIF) وصناديق ابتكار وسراج وازدهار، في تقليل المخاطر المرتبطة بالاستثمارات التي قد يتجاهلها رأس المال التقليدي.
ومع ذلك، فإن نضج بيئة الاستثمار وتطورها يتطلب تحولًا تدريجيًا نحو رأس مال تحركه اعتبارات تجارية، بما يعيد تموضع السوق ليس فقط كحالة تنموية، بل كمصدر قابل لتحقيق عوائد مالية.
من البقاء إلى الإمكان
الصمود في الحالة الفلسطينية ليس مجرد قدرة على الاستمرار والعمل تحت الضغط، بل أيضًا انعكاس لقيود هيكلية لا تزال تحد من فرص وإمكانات النمو. وعلى أهميته، لا يكفي الصمود وحده لضمان توسع اقتصادي مستدام—كما لا ينبغي المبالغة في تقديره، حيث يظل فتح آفاق الاستثمار مرهونًا بتحسين حرية الحركة الاقتصادية وتعميق وتطوير الأسواق المالية، وتحسين بيئة الأعمال بشكل عام.
ومع ذلك، يظل الصمود مؤشرًا لا يمكن تجاهله. فالاقتصادات التي تتشكل وتعمل تحت القيود غالبًا ما تفرز شركات أكثر مرونة وقدرة على التكيف ورأس مال بشري أكثر قدرة على المنافسة—وفلسطين تقدم مثالًا واضحًا على ذلك.
ومع توفر ظروف سوق أكثر استقرارًا وأطر سياسات أوضح وتدفقات استثمارية أكثر انتظامًا، قد يتحول هذا الصمود تدريجيًا من مجرد آلية للبقاء إلى أساس للتعافٍ اقتصادي وإعادة البناء والنمو طويل الأمد.
