الدور الاستراتيجي للصناديق السيادية الخليجية في إعادة الإعمار في المنطقة
مقال لـمجد زغير، اقتصادي فلسطيني
خلال العقدين الماضيين، تحولت الصناديق السيادية إلى واحدة من أهم القوى المؤثرة في حركة رأس المال عالميًا، مع تأثير واضح على الأسواق المالية ومسارات التنمية الاقتصادية طويلة الأجل. واليوم، تدير هذه الصناديق أصولًا تُقدّر بنحو 15.8 تريليون دولار حول العالم، ما يعكس تنامي دورها في توجيه الاستثمارات وتدفقات رأس المال عبر الحدود.
وفي الخليج ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عززت صناديق مثل صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وجهاز قطر للاستثمار، وجهاز أبوظبي للاستثمار، ومبادلة، مكانتها بين أبرز المستثمرين المؤسسيين في العالم. وتدير الصناديق السيادية الخليجية مجتمعة ما يقارب 5 تريليونات دولار من الأصول، أي ما يعادل نحو ثلث أصول الصناديق السيادية عالميًا.
لكن أهمية هذه الصناديق لا ترتبط فقط بحجم الأموال التي تديرها، بل أيضًا بطريقة توظيفها واستثمارها. فلم تعد مجرد جهات تحتفظ بالفوائض والاحتياطيات الوطنية، بل أصبحت مستثمرين استراتيجيين يتجهون نحو التكنولوجيا والبنية التحتية والتحول في قطاع الطاقة والذكاء الاصطناعي ومنظومات الابتكار.
وفي عام 2023 وحده، ضخت الصناديق السيادية الخليجية الكبرى أكثر من 82 مليار دولار في استثمارات عالمية، في مؤشر يعكس حجمها المتنامي وتزايد خبرتها وقدرتها على التحرك كلاعب استثماري عالمي.
ومع توسع حضور هذه الصناديق عالميًا، من وادي السيليكون إلى الأسواق الآسيوية، فإنها تمتلك أيضًا ما يكفي من رأس المال والخبرة المؤسسية والرؤية الاستثمارية طويلة الأجل للعب دور أكبر داخل المنطقة نفسها. دور لا يرتبط فقط بالعوائد المالية، بل أيضًا بدعم الاستقرار الاقتصادي وتعزيز قدرة المنطقة على الصمود.
وفي وقت تدفع فيه التوترات الجيوسياسية المستثمرين حول العالم إلى مزيد من الحذر، تبدو الصناديق السيادية الإقليمية في موقع يسمح لها بالمساهمة في رسم المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي في الشرق الأوسط. وبالنسبة للصناديق السيادية الخليجية، لم يعد الاستثمار في الاقتصادات الهشة داخل المنطقة مجرد اعتبار سياسي أو إنساني، بل يتحول تدريجيًا إلى ضرورة اقتصادية واستراتيجية.
من الاقتصادات الهشة إلى فرص طويلة الأجل
على عكس المستثمرين التقليديين الذين يركزون على النتائج السريعة، تتحرك الصناديق السيادية بمنطق مختلف. فهي تستثمر على المدى الطويل، وتمتلك القدرة على تحمّل التقلبات ومواصلة الاستثمار لسنوات بحثًا عن عوائد مستدامة. ولهذا تستطيع الدخول إلى أسواق يتردد المستثمرون الآخرون في الاقتراب منها.
وفي الدول التي تتعافى من الأزمات، يمكن للاستثمارات التي تعيد بناء المؤسسات والبنية التحتية وتوفر فرص العمل وتدفع عجلة الاقتصاد من جديد أن تتحول إلى عامل استقرار طويل الأجل، لا مجرد فرصة مالية. وبالنسبة للمستثمرين السياديين في الخليج، فإن ربط الاستثمارات الإقليمية بالمصالح الاقتصادية والوطنية الأوسع يبدو اليوم توجهًا عمليًا يجمع بين العائد المالي والاستقرار في المنطقة.
ويظهر ذلك بوضوح في اقتصادات مثل فلسطين ولبنان وسوريا، حيث أدت سنوات الحرب وضعف المؤسسات وتدمير البنية التحتية إلى إعادة تشكيل المشهد الاقتصادي، وخلقت احتياجات هائلة لإعادة الإعمار والتعافي.
وبحسب أحدث تقييم مشترك بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، قد تحتاج إعادة إعمار غزة إلى أكثر من 71 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة. كما يُتوقع أن تتطلب المرحلة الأولى من التعافي وحدها نحو 26.3 مليار دولار خلال أول 18 شهرًا لإعادة بناء المساكن والمنظومة الصحية والمرافق التعليمية والبنية التحتية الأساسية.
أما لبنان، فتُقدّر احتياجاته للتعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والأضرار الناتجة عن الصراعات. وفي سوريا، لا تزال البلاد تواجه واحدة من أكبر أزمات إعادة الإعمار في العالم بعد أكثر من عقد من الحرب التي دمرت البنية التحتية والقطاع الصناعي وقطاع الطاقة والمؤسسات العامة في أجزاء واسعة من البلاد.
ومجتمعة، لا تمثل هذه الاقتصادات تحديات إنسانية وسياسية فقط، بل اختبارًا اقتصاديًا طويل الأجل للمنطقة بأكملها. فطريقة تعافيها ستؤثر بشكل مباشر على التجارة الإقليمية وشبكات النقل والخدمات اللوجستية وأسواق العمل وربط الطاقة والبنية التحتية الرقمية وتدفقات الاستثمار في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
وتُعد فجوات التمويل الحالية من بين أكبر تحديات إعادة الإعمار التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة. لكن في المقابل، تضم المنطقة أيضًا بعضًا من أكبر الجهات القادرة على ضخ رؤوس أموال طويلة الأجل واستثمارات استراتيجية على مستوى العالم.
ومن هنا، يمكن لدخول الصناديق السيادية الخليجية إلى الاقتصادات الهشة أن يغيّر نظرة المستثمرين إلى هذه الأسواق بشكل كبير. ففي كثير من الأحيان، لا تكمن المشكلة فقط في ضعف الأسواق نفسها، بل في غياب التمويل والثقة. وهنا يمكن لمشاركة الصناديق السيادية أن تقلل المخاطر في نظر المستثمرين، وتعيد الثقة، وتفتح الباب أمام استثمارات مؤسسية وخاصة أوسع.
وعندما تصبح هذه الصناديق شريكًا رئيسيًا في جهود إعادة الإعمار، إلى جانب مؤسسات التمويل التنموي والمستثمرين الدوليين، يمكنها جذب تدفقات استثمارية ربما لم تكن لتدخل هذه الأسواق أصلًا. والأهم أن هذه الاستثمارات لا تقتصر على إعادة بناء ما دمرته الحرب، بل يمكن أن تدفع نحو تحديث الاقتصادات عبر بنية تحتية رقمية جديدة وممرات تجارية وشبكات لوجستية وأنظمة طاقة ومنظومات تكنولوجية حديثة.
وهنا تحديدًا يصبح الحديث مرتبطًا بشكل مباشر باقتصاد الشركات الناشئة والابتكار في المنطقة.
فإعادة الإعمار اليوم لم تعد تعني فقط إصلاح الطرق والموانئ والمرافق العامة، بل تشمل أيضًا بناء اقتصاد رقمي وبنية تحتية مالية حديثة وتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا الصحية وبيئات داعمة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تساعد على بناء اقتصاد أكثر إنتاجية على المدى الطويل. وحتى الاقتصادات الخارجة من الحروب قد تتحول، بحكم الضرورة، إلى مساحات تظهر فيها نماذج اقتصادية جديدة وشركات ناشئة وصناعات قائمة على الابتكار.
وبالنسبة للصناديق السيادية الخليجية التي تسعى إلى تنويع استثماراتها وتعزيز الترابط الاقتصادي داخل المنطقة على المدى الطويل، فإن ذلك يفتح فرصة للنظر إلى إعادة الإعمار باعتبارها استثمارًا في مستقبل المنطقة، لا مجرد تمويل لمرحلة التعافي.
كما تمتلك فلسطين ولبنان وسوريا مقومات تتجاوز صورة "الدول التي تحتاج إلى إعادة إعمار"، من بينها الموقع الجغرافي المهم ووجود كفاءات بشرية عالية التعليم وقدرات ريادية وشبكات اغتراب قوية يمكن أن تدعم الابتكار وتأسيس الأعمال في قطاعات جديدة.
ولهذا، قد يكون الوقت مناسبًا للانتقال من منطق المساعدات التقليدية إلى رؤية استثمارية أكثر تنظيمًا ونظرة أبعد للمستقبل، تقوم على فهم أن استقرار المنطقة وتكاملها الاقتصادي أصبحا مرتبطين بشكل متزايد بالعوائد الاقتصادية طويلة الأجل.
ومن خلال تخصيص حتى جزء صغير من أصولها الضخمة لدعم إعادة الإعمار والبنية التحتية للابتكار وتعافي القطاع الخاص في الاقتصادات الهشة، يمكن للصناديق السيادية الخليجية أن تساهم في بناء شرق أوسط أكثر ترابطًا وقدرة على الصمود اقتصاديًا، وفي الوقت نفسه تخلق فرصًا طويلة الأجل قد تغيّر مستقبل المنطقة.
