English

حين يتحول المؤسس إلى عائق أمام نمو شركته

English

حين يتحول المؤسس إلى عائق أمام نمو شركته

مقال بقلم شهناز حمادة، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لشركة Harmonie Consulting

هناك نوع خاص من الإرهاق يعرفه كثير من المؤسسين جيدًا. إرهاق ناتج عن أن تكون صاحب الإجابة عن كل سؤال، وصاحب الكلمة الأخيرة في كل قرار، والشخص الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين.

ومن الخارج، قد يبدو ذلك دليلًا على الالتزام والتفاني. لكن داخل الشركة، قد يكون مؤشرًا إلى مشكلة أكثر عمقًا، وهي أن طريقة إدارة الشركة لم تعد تواكب وتيرة نموها.

في المراحل الأولى من تأسيس الشركة، يكون تركيز الصلاحيات بيد المؤسس أمرًا ضروريًا في كثير من الأحيان. فهو صاحب الرؤية والأقرب إلى فهم العملاء والأسرع في اتخاذ القرار. لكن مع نمو وتوسع الشركة وزيادة عدد الموظفين ودخولها أسواق جديدة واتساع محفظة منتجاتها، قد يتحول هذا التركيز في الصلاحيات إلى عائق يحد من نمو الشركة.

وبحسب بحث استشهدت به شركة McKinsey، فإن نحو 80% من الشركات الناشئة، ضمن عينة شملت أكثر من 3000 شركة حصلت على تمويل من الفئة Series A ونجحت في إطلاق منتجاتها وتطويرها، لم تتمكن من الوصول إلى مرحلة التوسع الكامل. كما أرجع المستثمرون 65% من حالات إخفاق الشركات ضمن محافظهم الاستثمارية إلى مشكلات تتعلق بالأفراد والهيكل التنظيمي.

ولا تعني هذه النتائج أن على المؤسسين تقليل انخراطهم في إدارة شركاتهم، بل أن طبيعة هذا الدور يجب أن تتغير مع نمو الشركة. فالشركات الناشئة لا تتوقف عن الحاجة إلى مؤسسيها، وإنما تتجاوز أساليب الإدارة التي تجعل كل قرار مهم يعتمد على المؤسس وحده.

حين تصبح سرعة العمل معتمدة على شخص واحد 

ينجح اتخاذ القرارات بقيادة المؤسس عندما يكون الفريق صغيرًا والثقة بين أفراده لا تزال تتشكل وتتغير الأولويات يومًا بعد يوم. ففي هذه المرحلة، يكون المؤسس غالبًا مسؤول المبيعات الأول وصاحب رؤية المنتج والمسؤول عن التوظيف والمرجع الذي يعود إليه الجميع.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الممارسات المؤقتة إلى أسلوب عمل دائم، فتبدأ القرارات في التراكم، وينتظر مديرو الإدارات موافقة المؤسس على أمور يفترض أن تكون من اختصاصهم، وتنتهي الاجتماعات من دون حسم، لأن صاحب الكلمة الأخيرة لم يكن حاضرًا. كما يتحمل الموظفون مسؤولية تحقيق النتائج، من دون أن يمتلكوا الصلاحيات التي تمكنهم من اتخاذ القرارات اللازمة لتحقيقها.

وهكذا، تصبح الشركة كلها تسير وفق ما يسمح به وقت شخص واحد وقدرته على المتابعة.

وغالبًا ما يُنظر إلى هذه المشكلة على أنها نقص في الوقت أو ضغط في العمل، فيحاول المؤسس معالجتها بالعمل لساعات أطول أو حضور اجتماعات أكثر أو تعيين مساعد جديد. لكن بذل مزيد من الجهد لا يحل مشكلة غموض الصلاحيات أو ضعف المساءلة.

وتشير أبحاث McKinsey حول توسع الشركات إلى أن نجاح هذه المرحلة يعتمد على وجود انسجام بين المؤسس وفريق القيادة ووضوح الأدوار وهيكل تنظيمي صُمم ليدعم النمو. كما تؤكد أهمية التمييز بين من يقدمون المشورة ومن يملكون سلطة اتخاذ القرار، إذ يمكن لعدة أشخاص المشاركة في مناقشة القرار، من دون أن يمتلك كل منهم صلاحية تعطيل القرار أو الاعتراض عليه.

لذلك، فالمشكلة لا تكمن في أن المؤسس لا يدير وقته بكفاءة، بل في طريقة تنظيم الشركة وتوزيع الصلاحيات فيها.

لماذا يصعب على المؤسس التخلي عن الصلاحيات؟

غالبًا ما يُنظر إلى التفويض على أنه مهارة إدارية بسيطة: كلف شخصًا بالمهمة، وحدد له موعدًا لإنجازها، ثم راجع النتيجة. لكن في الواقع، نقل صلاحية اتخاذ القرار أصعب من ذلك بكثير، لأنه يغيّر طبيعة علاقة المؤسس بشركته.

ومن خلال عملي مع كثير من المؤسسين وقادة الأعمال في العالم العربي، أجد أن الثقة تُبنى على العلاقات الشخصية وتترسخ مع مرور الوقت. وعندما تقوم الشركة على علاقات وثيقة وتفاهمات غير رسمية وإشراف مباشر من المؤسس، قد يبدو توزيع الصلاحيات بصورة أكثر تنظيمًا أمرًا غير مألوف. بل إن تفويض بعض القرارات قد يُفهم على أنه تخلي عن السيطرة أو ابتعاد عن إدارة الشركة.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على المنطقة العربية، لكنها قد تكون أوضح في بيئات الأعمال التي تقوم على العلاقات الشخصية، خاصة عندما تتوسع الشركة في أكثر من سوق، بينما يظل المؤسس حلقة الوصل بين الموظفين والعملاء والمستثمرين والشركاء.

وهناك جانب آخر لا يقل أهمية يتعلق بدور المؤسس. ففي البدايات، يكون تدخله في كل التفاصيل جزءًا من أسباب نجاحه ونجاح شركته، كما أن سرعة استجابته تمنح العملاء والموظفين والمستثمرين ثقة أكبر فيها. لكن مع مرور الوقت ونمو الشركة، قد يتحول السلوك نفسه إلى عائق أمام بروز قادة آخرين داخلها. فقد يعيّن المؤسس مديرًا لإحدى الإدارات، ثم يواصل الموافقة على كل قراراته. وقد يطلب من المديرين تحمل المسؤولية، ثم يتراجع عن قراراتهم من دون أن يوضح السبب. ومع الوقت، يفهم الجميع أن القرار الأخير لا يزال بيد المؤسس، مهما قال الهيكل التنظيمي.

والنتيجة هي تفويض المهام، من دون تفويض الصلاحيات.

التنظيم لا يعني التعقيد والبيروقراطية

كثير من المؤسسين ينفرون من وضع هيكل تنظيمي واضح، لأنهم يربطونه بالبيروقراطية وكثرة الإجراءات. لكن الهدف من التنظيم ليس زيادة عدد الموافقات، بل تقليل عدد القرارات التي تحتاج إلى الرجوع للمؤسس.

وغالبًا ما يكون التنظيم الجيد غير ملحوظ. فالجميع يعرف ما تقع على عاتقه مسؤوليته وما يحتاج إلى التشاور بشأنه وما يجب تصعيده إلى مستوى أعلى. وهكذا، تُتخذ القرارات في المستوى المناسب، بينما يظل المؤسس منخرطًا في القرارات التي تؤثر فعليًا في مسار الشركة.

ولتحقيق ذلك، لا بد من وضوح أربعة أمور أساسية:

1. حدد من يملك صلاحية اتخاذ القرارات المتكررة

ابدأ بالقرارات التي تتكرر باستمرار داخل الشركة، مثل الاستثناءات المتعلقة بالأسعار، والموافقة على التوظيف، ورد المبالغ للعملاء، وتحديد أولويات تطوير المنتجات، واعتماد الإنفاق التسويقي، واختيار الموردين. وبالنسبة إلى كل قرار، حدد شخصًا واحدًا يكون مسؤولًا عن اتخاذه. كما ينبغي توضيح من يشارك في إبداء الرأي، وما الحدود المالية أو الاستراتيجية التي تحكم القرار، ومتى يجب رفعه إلى مستوى إداري أعلى.

وتضعف المساءلة عندما يستطيع عدة أشخاص التأثير في القرار، من دون أن يكون أحد مسؤولًا عنه بوضوح. ومن المبادئ المفيدة هنا أن تتيح لعدد أكبر من الأشخاص المشاركة في النقاش، لكن أن تحصر حق اتخاذ القرار في عدد أقل منهم.

2. فرّق بين القرارات الاستراتيجية والتشغيلية

ليست كل القرارات على الدرجة نفسها من الأهمية أو التأثير. فمن الطبيعي أن يحتفظ المؤسس باتخاذ القرارات التي قد تؤثر في مستقبل الشركة، مثل دخول سوق جديدة أو تغيير نموذج العمل أو جمع تمويل أو تنفيذ عملية استحواذ كبيرة أو تعيين كبار التنفيذيين. أما القرارات التشغيلية المتكررة، فمن الأفضل أن يتولاها مديرو الإدارات المعنية. فإذا كان مدير المبيعات يحتاج إلى موافقة المؤسس على كل استثناء أو خصم يمنحه للعملاء، أو كان مدير المنتجات لا يستطيع تحديد أولويات التحديثات الروتينية، فإن منصبه يصبح شكليًا أكثر منه صاحب صلاحيات حقيقية.

والهدف هنا ليس إبعاد المؤسس عن اتخاذ القرار، بل توجيه وقته واهتمامه إلى القرارات التي تضيف خبرته فيها أكبر قيمة للشركة.

3. ابنِ فريق قيادة، لا تكتفي ببناء الإدارات 

تعيين مديرين ذوي خبرة لا يعني بالضرورة أن لديك فريق قيادة حقيقي. فالقادة يحتاجون إلى صلاحيات واضحة وأهداف محددة يمكن قياسها وحرية اتخاذ القرارات ضمن حدود متفق عليها، كما يحتاجون إلى آلية عمل تنسق بين مختلف إدارات الشركة وتربطها ببعضها. 

فمع نمو الشركات الناشئة، تصبح إدارات المنتجات والمبيعات والعمليات والمالية أكثر اعتمادًا على بعضها، وقد يفرض قرار يتخذه فريق المبيعات أعباءً على فريق المنتجات أو يغير احتياجات التوظيف أو يؤثر في التدفقات النقدية. ولهذا، ينبغي أن تركز اجتماعات فريق القيادة على القضايا التي تتداخل فيها مسؤوليات الإدارات المختلفة وعلى القرارات اللازمة لحسمها، لا أن تتحول إلى مجرد استعراض لما أنجزته كل إدارة أمام المؤسس. كذلك، ينبغي أن يعتاد مديرو الإدارات مناقشة بعضهم بعضًا والموازنة بين الأولويات المختلفة والالتزام بالقرارات التي يتوصلون إليها معًا، وإلا سيظل المؤسس الشخص الوحيد الذي يربط بين مختلف أجزاء الشركة.

4. أعد تعريف دور المؤسس

ينبغي أن يتطور دور المؤسس مع تطور الشركة. ففي المراحل الأولى ينشغل بالتنفيذ اليومي ومتابعة التفاصيل بنفسه، لكن مع توسع الشركة يصبح دوره أكبر من ذلك، فيركز على تحديد الاتجاه وتوزيع الموارد وتطوير قادة الفريق والحفاظ على ثقافة الشركة وبناء علاقات قوية مع أصحاب المصلحة الرئيسيين.

ولا يعني هذا أن يبتعد المؤسس عن الشركة أو يكتفي بدور رمزي. فبقاؤه قريبًا من العملاء وقدرته على التشكيك في المسلمات قد يظلان من أهم نقاط قوة الشركة وعوامل تميزها. لكن ما يتغير هو الطريقة التي يمارس بها هذا التأثير. فبدلًا من أن يتولى حل كل مشكلة بنفسه، يصبح دوره بناء منظومة تساعد الفريق على حل المشكلات واتخاذ القرارات بكفاءة.

اختبار عملي: هل تعتمد الشركة أكثر مما ينبغي على المؤسس؟

يمكن للمؤسس أن يبدأ بمراجعة خمسة قرارات تصل إليه كل أسبوع، ثم يسأل نفسه في كل مرة:

  • لماذا لا يزال هذا القرار يصل إليّ؟
  • هل السبب نقص في المهارة أم الصلاحيات أم الثقة؟
  • من الشخص الذي ينبغي أن يتولى هذا القرار؟
  • ما المعلومات أو الصلاحيات التي يحتاج إليها؟
  • ومتى يجب أن يعود هذا القرار إليّ؟

بعد ذلك، ينقل مسؤولية اتخاذ قرارين من هذه القرارات إلى الشخص المناسب لمدة شهر، مع توضيح ذلك لجميع المعنيين، والاتفاق مسبقًا على حدود صلاحياته.

وبعد انتهاء الشهر، يقيّم النتيجة. هل أصبح القرار يُتخذ بسرعة أكبر؟ وهل كانت النتيجة أسوأ فعلًا، أم أنها كانت مختلفة فقط عما كان المؤسس سيختاره؟ وهل ازدادت ثقة الشخص الذي تولى المسؤولية؟ وهل تدخل المؤسس قبل الموعد المتفق عليه لمراجعة القرار؟

وهذا السؤال الأخير مهم تحديدًا. فغالبًا ما يفشل التفويض عندما يستعيد المؤسس صلاحياته بمجرد أن يشعر بعدم الارتياح. وفي كثير من الأحيان، يكون قرار جيد يُتخذ باستقلالية أكثر فائدة للشركة من قرار أفضل قليلًا، لكنه يعزز اعتماد الجميع على المؤسس. فالهدف ليس منع الأخطاء، بل بناء شركة قادرة على التعلم واتخاذ القرار من دون انتظار شخص واحد.

وفي النهاية، لا يقتصر التوسع على زيادة الإيرادات أو الحصول على جولات تمويل أكبر أو توسيع الفريق، بل يتطلب أيضًا إعادة توزيع الصلاحيات داخل الشركة.

وتبدأ الشركة الناشئة في تحقيق توسع تشغيلي حقيقي عندما يصبح قادتها قادرين على اتخاذ قرارات سليمة، وحل المشكلات المشتركة بين الإدارات، وتنفيذ الأولويات، من دون الحاجة إلى الرجوع إلى المؤسس في القرارات اليومية. عندها، لن يعود المؤسس هو من يدير الشركة بنفسه، بل سيكون قد بنى منظومة قادرة على إدارتها.

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.