تكلفة تصحيح الأخطاء.. مؤشر لا ينبغي للشركات الناشئة تجاهله عند استخدام الذكاء الاصطناعي
بقلم صادق الأسعد، مستشار وخبير في إدارة الشركات، ومتخصص في العمل مع المؤسسين والشركات العائلية
استخدمت إحدى الشركات الناشئة التي عملت معها الذكاء الاصطناعي لأتمتة جزء من عمليات خدمة العملاء لديها. وفي البداية، بدت النتائج ممتازة.
أصبح الرد على العملاء أسرع، وتراجع عدد الطلبات المتراكمة، وتمكن الفريق من التعامل مع عدد أكبر من الحالات بجهد أقل. وبالمقاييس المعتادة، كل المؤشرات كانت تقول إن التجربة ناجحة.
لكن مع الوقت، ظهرت مشكلة لم تكن في الحسبان. فالحالات المعقدة أصبحت تصل إلى الأشخاص الخطأ أسرع من ذي قبل. ولم يكن الخلل في التكنولوجيا، بل في طريقة تنظيم العمل وتوزيع المسؤوليات داخل الشركة. فعندما تخرج مشكلة العميل عن الحالات المعتادة، لم يكن واضحًا من المسؤول عنها. بعضها يذهب إلى فريق العمليات، وبعضها إلى المبيعات، أما الحالات الأصعب فكانت تتنقل بين الفريقين، إلى أن يفقد العميل الأمل أو يتدخل أحد المؤسسين بنفسه.
في الحقيقة، الذكاء الاصطناعي لم يخلق هذه المشكلة، لكنه ضاعف أثرها.
فالشركة لم تحسم أولًا من المسؤول عن ماذا، وإنما استخدمت الأتمتة في نظام يعاني أصلًا من هذا الغموض. والنتيجة أن عددًا أكبر من الحالات الاستثنائية أصبح ينتقل بين الفرق بالطريقة غير الواضحة نفسها، ولكن بسرعة أكبر. ولم يعد الموظفون يعرفون دائمًا ما إذا كان النظام قد رد بالفعل، أو من يفترض أن يتدخل بعد ذلك، أو على من تقع المسؤولية عندما لا تكفي الاستجابة الآلية ويصبح تدخل أحد الموظفين ضروريًا.
وهكذا، نجحت الشركة في خفض تكلفة معالجة الحالات، لكنها رفعت تكلفة تصحيح الأخطاء.
وأقصد بتكلفة تصحيح الأخطاء هنا ما تتحمله الشركة من وقت ومال وجهد لإصلاح ما تخطئ فيه الأتمتة، سواء نفذت مهمة بشكل خاطئ، أو وجهتها إلى المكان الخطأ، أو تركتها من دون حل. وهذا جانب تحتاج الشركات الناشئة إلى الانتباه إليه وقياسه.
فمع توسع الشركة في استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة العملاء والمبيعات والتمويل والعمليات، يتركز الاهتمام عادة على المكاسب المباشرة، مثل تقليل العمل اليدوي وتسريع الاستجابة وخفض تكاليف التشغيل وزيادة ما يمكن للموظفين إنجازه. وكلها مكاسب حقيقية، لكنها لا تحكي القصة كاملة.
فقد تنخفض تكلفة تنفيذ العمل، بينما ترتفع تكلفة إصلاح الأخطاء الناتجة عنه. وقد يتمكن النظام من إنجاز عدد أكبر من المهام، لكن هذا قد يصاحبه أيضًا مزيد من الأخطاء والعمل المكرر والحالات التي تظل من دون حل، فضلًا عن استياء العملاء. وقد يضطر كبار المسؤولين إلى التدخل في مشكلات كان من المفترض أن تقل حاجتها إلى تدخلهم، أو يجد المؤسس نفسه في النهاية يحل مشكلات ظن أن الأتمتة ستعفيه منها.
والمشكلة أن هذه التكلفة لا تظهر بالوضوح نفسه الذي تظهر به مكاسب الأتمتة. فالسرعة وانخفاض تكلفة المعالجة يمكن رصدهما بسهولة في الأرقام، أما تكلفة تصحيح الأخطاء فغالبًا ما تظهر في مكان آخر، وبعد فترة. ولهذا، فالسؤال قبل استخدام الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يكون فقط "هل يمكن أتمتة هذه العملية؟"، الأهم أن نسأل "هل العملية نفسها واضحة ومنظمة بما يكفي لأتمتتها؟"
وفي النهاية، لا تتحدد طريقة عمل الشركة بهيكل تنظيمي أو توصيفات وظيفية، بل بما يحدث فعليًا كل يوم. من يتخذ القرار؟ ومن يتحمل مسؤولية النتيجة؟ وأين ينتهي دور فريق ويبدأ دور آخر؟ ومن يتعامل مع الحالات الاستثنائية؟ ومن يملك القرار عندما تخرج الأمور عن المسار المعتاد؟
وفي الشركات الناشئة، كثير من هذه الأمور لا يكون محددًا بشكل رسمي. وقد ينجح ذلك لفترة. فالمؤسس يعرف بمن يتصل عند حدوث مشكلة، والموظف صاحب الخبرة يعرف أن عميلًا بعينه يحتاج إلى معاملة مختلفة، وقد يحل فريقان خلافًا بينهما اعتمادًا على العلاقات الشخصية بدلًا من وجود قاعدة واضحة تحسم الأمر. وهكذا تظل الأمور تسير، لأن الأشخاص الأكثر خبرة يتدخلون لسد هذه الثغرات كلما ظهرت.
لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي، يصبح الاعتماد على هذه الطريقة أصعب. فالأتمتة تعني أن عددًا أكبر من الحالات يمر عبر النظام وبسرعة أكبر، وبالتالي فإن نقاط الغموض التي كان يمكن التعامل معها من وقت إلى آخر تبدأ في الظهور على نطاق أوسع. وما كان يمكن حله بمحادثة سريعة بين شخصين، قد يتحول إلى مشكلة حقيقية عندما يتكرر مئات المرات.
فالذكاء الاصطناعي يمكنه أن يوجّه المهمة إلى شخص أو فريق بعينه، لكنه لا يستطيع أن يحسم من يتحمل مسؤولية النتيجة. وعندما تخرج الحالة عن المعتاد، تظل الإدارة هي المسؤولة عن تحديد من يتولى الأمر ومن يملك القرار. وهنا تحديدًا قد يميل المؤسسون إلى تأجيل المشكلة، لأن إعادة تنظيم طريقة العمل وتوزيع المسؤوليات ليست بالمهمة السهلة أو الجذابة.
لكن حلها يبدأ بطرح بعض الأسئلة الصعبة.
لماذا لا يزال هذا القرار يعود إلى المؤسس في كل مرة؟
لماذا يعتقد كل فريق أن مسؤولية العميل تقع على الفريق الآخر؟
لماذا تحتاج حالة استثنائية واحدة إلى ثلاث موافقات؟
ولماذا يستمر الجميع في التعامل مع مشكلة يعرفون أنها موجودة، بدلًا من إصلاحها من الأساس؟
فالإعلان عن استخدام جديد للذكاء الاصطناعي أسهل بكثير من اتخاذ قرار صعب وواضح بشأن من يتحمل مسؤولية ماذا داخل الشركة. لكن إذا ظلت هذه المسألة من دون حل، فلن تعالجها التكنولوجيا، بل قد تجعل المشكلة أكبر وأكثر تكلفة.
لكن هذا لا يعني أن على الشركات أن ترتب كل شيء بشكل مثالي قبل استخدام الذكاء الاصطناعي. فالشركات الناشئة نادرًا ما تملك هذه الرفاهية، والتجربة نفسها ضرورية لمعرفة أين يمكن للتكنولوجيا أن تحقق فائدة حقيقية. المهم هو أن تعرف الشركة ما الذي ينبغي حسمه أولًا، وأين تحتاج إلى قدر أكبر من الوضوح.
فقبل التوسع في أتمتة أي عملية، يجب أن يكون واضحًا من المسؤول عن ماذا، وأين تظهر الحالات الاستثنائية، وماذا يحدث عندما يصل النظام إلى حالة لا يستطيع التعامل معها. وهنا أرى أن هناك خمسة أسئلة تستحق أن تُطرح:
من يتحمل مسؤولية النتيجة، وليس مجرد تنفيذ المهمة؟
قد يستطيع النظام إنجاز المهمة، لكن في النهاية لا بد أن يكون هناك شخص مسؤول عما إذا كانت تجربة العميل أو المعاملة أو القرار قد انتهى بالشكل المطلوب.
فأتمتة المهمة لا تعني أن مسؤولية نتيجتها أصبحت آلية أيضًا.
ماذا يحدث في الحالات غير المعتادة؟
الحالات الروتينية هي الأسهل في الأتمتة، لكن المهم هو ما يحدث عندما تسير الأمور بشكل مختلف. ماذا لو اعترض العميل على الرد؟ أو ظهرت مشكلة في عملية الدفع؟ أو انتقلت فرصة بيع بين فريقين من دون أن يتولى أي منهما مسؤوليتها؟ أو ظهرت حالة لا تكفي معها القواعد المعتادة وتحتاج إلى تدخل شخص؟
فهذه الحالات لا تقل أهمية عن الحالات التي تسير فيها الأمور كما هو مخطط لها، وربما تكشف أكثر عن طريقة عمل الشركة فعلًا.
من يقرر عندما تخرج الأمور عن المسار المعتاد؟
إذا كانت الإجابة لا تزال "المؤسس" أو "أي شخص متاح وقتها"، فقد تساعد الأتمتة على إنجاز عدد أكبر من المهام، لكنها لن تقلل اعتماد الشركة على هؤلاء الأشخاص.
ولكي تنجح الأتمتة مع زيادة حجم العمل، لا يكفي أن تسرّع الخطوات الأولى، بل يجب أن يكون واضحًا ما الذي يحدث عندما تظهر مشكلة، ومن يتولى التعامل معها.
ما الذي نقيسه إلى جانب سرعة الإنجاز؟
لا تكفي سرعة الإنجاز أو زيادة عدد الحالات التي يتعامل معها النظام للحكم على نجاح الأتمتة، إذا كانت الشكاوى تتزايد، أو يتكرر العمل، أو تحتاج حالات أكثر إلى تدخل الموظفين. كما لا يحتاج قياس "تكلفة تصحيح الأخطاء" إلى مؤشر جديد ومعقد. يكفي في البداية متابعة بعض العلامات، مثل عودة العميل بالمشكلة نفسها، أو إعادة فتح الحالات، أو تدخل الموظفين لتصحيح ما فعله النظام، أو تكرار العمل، أو وصول المشكلة إلى الإدارة.
فإذا كانت هذه الأمور تتزايد بينما ينخفض وقت المعالجة، فقد تكون الأتمتة لم تقلل حجم العمل فعلًا بقدر ما نقلته إلى مكان آخر.
إذا ضاعف الذكاء الاصطناعي حجم العمل غدًا، فأين ستظهر أول مشكلة؟
هذا السؤال يكشف نقاط الضعف بسرعة. وقد تكون المشكلة في التكنولوجيا نفسها، لكن في كثير من الأحيان تكون في طريقة العمل، كقرار لم يُحسم بعد، أو مسؤولية غير واضحة عند انتقال العمل من فريق إلى آخر، أو تداخل بين مسؤوليات أكثر من فريق، أو حتى معلومة مهمة لا يعرفها إلا شخص واحد داخل الشركة.
والإجابة عن هذه الأسئلة تكشف ما إذا كانت الشركة مستعدة فعلًا لتوسيع استخدام الأتمتة، وأين قد تظهر المشكلات عندما يزيد حجم العمل.
فالذكاء الاصطناعي يفتح أمام الشركات الناشئة فرصًا هائلة لإنجاز المزيد بموارد أقل، لكن كلما زادت قدرته على تسريع العمل وتوسيع نطاقه، أصبحت طريقة تنظيم العمل وتوزيع المسؤوليات أكثر أهمية.
ومع انخفاض تكلفة إنجاز المهام الروتينية، تصبح الأخطاء في اتخاذ القرار وغموض المسؤوليات وسوء التعامل مع الحالات غير المعتادة أكثر كلفة. ولهذا، لا ينبغي للمؤسسين أن ينظروا فقط إلى ما توفره الأتمتة من وقت ومال، بل أيضًا إلى ما يحدث عندما تواجه حالة لا تسير كما هو متوقع.
فالسؤال لم يعد فقط كم تستطيع الشركة أن تنجز بسرعة وبتكلفة أقل، بل كم ستدفع عندما تحتاج إلى تصحيح ما أنجزته الأتمتة. وقبل التوسع في أتمتة أي عملية، يجب أن يكون واضحًا من سيتحمل المسؤولية عندما تخرج الأمور عن المسار المعتاد.
