English

لمَ التكنولوجيا ليست دائمًا الحل لتعليم أفضل

English

لمَ التكنولوجيا ليست دائمًا الحل لتعليم أفضل

حتى فترة قريبة، كنت مناصراً قوياً لتحويل التعليم عن طريق التكنولوجيا. فخلال السنوات الأخيرة ألهمتني أفكار وأعمال رواد أعمال مثل جاين ماكغونيغال وكايتي سالن وسلمان خان (مؤسس أكاديمية خان) وستيفن جونسون (مؤلف "كل ما هو سيئ جيد لك" Everything Bad is Good for You) ودوغلاس توماس وجون سيلي براون (مؤلفي كتاب "ثقافة جديدة في التعليم" A New Culture of Learning) وغيرهم. 

وبصفتي شخص محبّ للتكنولوجيا وطالب هندسة، أعتقد أنه بإمكان التكنولوجيا أن تسمح لنا بالتفاعل مع بعضنا البعض ومع محيطنا بطرق لا تغني تجربتنا فحسب، بل تحسّن ظروف الجنس البشري. فكل أداة جديدة ستسمح لنا بأن نفهم بشكل أفضل ونعالج بشكل فعال بعضاً من أكثر مشاكل العالم صعوبة. ومع كل تقدُّم، أرى إمكانيات جديدة ومع كل إنجاز، أملاً بغد أفضل. 

ولكن كما كتب نيكولاس كار في كتابه "The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains،أن "التقدير الصادق لأي تقنية جديدة أو للتقدّم عموماً، يتطلب الانتباه للأرباح والمكاسب. ولا يجب أن نسمح لأمجاد التكنولوجيا بأن تعمي رقابتنا الداخلية على احتمال أن نكون تجاهلنا جزءاً من أنفسنا".  فعلى سبيل المثال، قد تقوّي ألعاب الفيديو ذكاءنا البصري عبر إغراقنا في فضاءات افتراضية حين نحتاج أن نتعلم كيف نحرّك الأشياء في رأسنا وننتقل عبر مختلف الهندسيات والأوساط. غير أن كار يحذر من أن هذه القدرة المكتسبة "تسير جنباً إلى جنب مع إضعاف قدراتنا لهذا النوع من "المعالجة العميقة" التي تدعم "اكتساب المعرفة والتحليل الحثّي والتفكير النقدي والخيال، والتفكير". 

في الواقع، إن خفايا وتعقيدات العالم الحقيقي لا يمكن جمعها بجهاز كومبيوتر، مهما أصبحت التكنولوجيا متقدمة أو متطورة. وفي بيانه الرسمي، You Are Not a Gadget، يلاحظ أبو التكنولوجيا الافتراضية وخبير الإعلام الرقمي، جارون لانييه، بأن التكنولوجيا غالباً ما "تلتقط نسبة محدودة من الواقع ضمن نظام محدد المعايير يزيل أياً من الصفات الفريدة للمصدر الأصلي". يعود ذلك إلى أن الخوارزميات والأدوات التي نطورها هي انعكاس لفهمنا الذاتي للعالم ولا يمكن لعقولنا أن تفهم شيئاً أو تمثله بالكامل. 

وصل الفنان وعالم أنثروبولوجيا الإنترنت جوناثان هاريس إلى خلاصة مشابهة بعد سنوات من العمل على سلسلات من المشاريع المبتكرة للغاية، يسعى كل منها إلى استكشاف طرق مبتكرة لفهم الشخصية والاحتفال بها. ومع كل واحد من مشاريعه، رأى هاريس حدود أدواته الخاصة وصعوبة محاولة التقاط عمق ومعنى استخدام معلومات رقمية فقط وهذا أعاد رسم فلسفته للتكنولوجيا بشكل جذري. 

ثمة نظرة ثاقبة أتت بها دراسة أعدها البروفيسور جيمس إيفانز من جامعة شيكاغو. فإيفانز اطلع على 34 مليون مقالة وقارن مقالات أكاديمية مكتوبة قبل الإنترنت وبعده لها علاقة بالبحوث الدراسية. ولم يُظهر فقط أن الأوراق التي كتبت بعد العصر الرقمي تفتقد إلى الغنى والتنوّع في الاقتباسات، بل أيضاً أن البحث المكتبي القديم الطراز عمل على توسيع آفاق الطلاب بشكل خاص لأن العملية شملت الاطلاع على مقالات أكثر أو أقل علاقة بالموضوع قبل الوصول إلى الدراسة المطلوبة. 

وكما يلاحظ كار، "غالباً ما يوجه محرك البحث نظرنا إلى جزء صغير من نص أو بعض الكلمات أو العبارات التي لها علاقة قوية بما نبحث عنه في الوقت الراهن، وفي الوقت نفسه يعطينا حافزاً بسيطاً لنطّلع على العمل بكامله. فنحن لا نرى الغابة حين نبحث على الإنترنت. ولا نرى حتى الأشجار. بل نرى الأغصان والأوراق". 

أمور تضيع في المعادلة   

أي شخص مطّلع على تاريخ العلم وفلسفته يعرف أن تغييرات النموذج تحصل ليس عبر تعزيز العلم التوافقي والعادي، بل عبر السماح بالتفكير المعارِض والمختلف. فـ الثورات العلمية تحصل لأن العقول الشجاعة تبحث عن شروحات ممكنة خارج السائد في أماكن لم يتم استكشافها. ولكن كيف يمكن لخوارزميات تحتجزنا في عقلية معيّنة ـ عادة ما تكون عقلية المطوّر ـ أن تسمح لنا حتى بأن نطرح تساؤلات بشأن الفرضيات الأساسية حول الطبيعة؟

وكما أثبت إيفانز، فإن المهام المملة والعشوائية التي نحاول أن نلغيها مع كل تقنية جديدة يتبيّن أنها الأكثر فعالية في تجربتنا التعليمية. فهي تساهم في ارتقائنا لأنها تتعبنا. فتقليص الخطأ البشري من خلال الاعتماد على فعالية الكومبيوتر يجعل عملنا أقل ابتكاراً ودراسة وننتهي بالتعلّم أقل مما حين نقوم بالعمل الصعب.  

يقدم المصوّر فولفيو بونافيا نظرة عميقة للعلاقة بين التكنولوجيا والفن. "التحدي الكبير للمصوّر اليوم هو أن الطابع الرقمي يجعل من السهل أن يصبح المرء مصوّراً ولكن من الأصعب أن يصبح مصوراً جيداً جداً. وحين عملت رساماً تصويرياً ومصمماً غرافيكياً يدوياً، كنت أمضي يوماً كاملاً وأنا أصنع شيئاً بشكل يدوي وهو أمر لا يستغرق اليوم معي أكثر من دقيقتين على الكومبيوتر. ولكن كل الوقت الذي كنت أستغرقه لم يكن يذهب سدى لأني أعتقد أنه جعلني أنمو بشكل أفضل وعلّمني التركيز والصبر والدقة والانتباه إلى عدم ارتكاب أخطاء". 

أظهرت دراسات جرت مؤخراً في المرونة العصبية كيف أن كل أداة نستخدمها تغيّر البنية المادية لعقولنا بطرق مختلفة. ووضّح كار فكرته مستخدماً نموذجا مألوفاً "صفحة من نص على شاشة كومبيوتر قد تكون مشابهة لصفحة من نص مطبوع. ولكن الانتقال إلى الأعلى أو الأسفل والضغط داخل مستند على الإنترنت يتطلب منك محفزات حسية مختلفة جداً عن تلك المستعملة عند إمساك كتاب أو مجلة وقلب صفحاته. وتظهر الأبحاث بأن قراءة مجلة أو كتاب غير إلكتروني لا يحفز حاسة البصر فقط بل حاسة اللمس أيضًا. 

تشير عشرات الدراسات التي أجراها أطباء وعلماء نفس وأطباء أعصاب ومدرّسون ومصممون إلى الخلاصة ذاتها: حين نستعين بالإنترنت أو نسهّل تعليمنا من خلال التقنية الرقمية، ندخل أجواء تشجع على القراءة السريعة والتفكير الخاطف والتعلّم السطحي. ونعتقد أننا نستفيد لأننا وصلنا إلى حد تعريف الذكاء استناداً إلى المعايير الخاصة. ويعبّر كار عن ذلك بطريقة أفضل حيث يقول إننا "حين نعتمد على الكومبيوتر كوسيط لفهمنا للعالم، فإن ذكاءنا هو الذي يتسطّح ليصبح ذكاء اصطناعياً". 

يقلقني أن أرى هذا العدد من رواد الأعمال والقادة التعليميين يستعملون التكنولوجيا في الصفوف الدراسية ومخيمات اللاجئين وأماكن أخرى على أمل جعل التعليم ديمقراطيًّا. ومن الرائع أن أرى أن هؤلاء الناس لديهم نوايا حسنة ويهتمون بالتعليم ولكن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي. وبحسب تعبير الياس أبو جودة فإن "هذه التأثيرات تستحق أن تُفهم وتدرس وتناقش". 

من المهم بشكل أساسي أن يطّلع المتحمسون للتكنولوجيا على الدراسات المذكورة هنا ويطرحوا أسئلة حول خطاب العصر الحديث كي يتسنّى لنا تعميق فهمنا لما ينطوي عليه وما هو على المحك. وسأختم بالكلمات العظيمة لجارون لاننيه: 

"حين يتعلق الأمر بالناس، يجب علينا نحن التكنولوجيون استخدام منهجية مختلفة تماماً. فنحن لا نفهم الدماغ جيداً بما يكفي لفهم ظواهر مثل التعلّم أو الصداقة على أساس علمي. لذلك عندما ننشر نموذج كومبيوتر لشيء مثل التعلم أو الصداقة بطريقة لها تأثير على الحياة الحقيقية، نكون نعتمد على الإيمان. وعندما نطلب من الناس أن يعيشوا حياتهم من خلال نماذجنا، فنحن نقلل من الحياة نفسها. كيف يمكننا أن نعرف ما الذي قد تخسره؟". 

هل تعتقد أن بإمكان التكنولوجيا أن تحد من التعلم والاستكشاف الفردي؟ شاركنا أفكارك في خانة التعليقات أدناه.   

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.