التمويل الجماعي: وسيلة لسد الفجوة الإئتمانية

Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

للوهلة الأولى، تبدو منطقة الشرق الأوسط، لاسيما دول مجلس التعاون الخليجي، سوقاً مثاليةً تتيح فرصاً قوية لنمو اقتصاد تمويل الند للند (peer to peer). بيد ان النمو يسير بوتيرة بطيئة ويُلقى اللوم في جزء من ذلك على البطء في وضع اللوائح المنظِّمة له.

إن التوصل إلى فكرة مذهلة ليس سوى خطوة أولى لأي رائد أعمال، وقد يكون من الصعب جذب مستثمرين مناسبين وإقناعهم بدعم الفكرة. إذ يحتاج الأمر الى شبكة من العلاقات، وترويج الفكرة، وانتقاء مستثمر خبير. وقد تكون نماذج التمويل البديل حلاً مناسباً للشركات الناشئة. إذ تُقدَّر قيمة سوق التمويل البديل بالمليارات على مستوى العالم، وعلى رأسها التمويل الجماعي الذي يُمكِّن الشركات من الحصول على تمويل لها أو لمشاريعها من خلال طلب مبالغ مالية صغيرة من مجموعة كبيرة من الأشخاص بدلاً من مصدر واحد.

ومن الناحية النظرية، لا تُعدّ هذه الطريقة لجمع الاستثمارات جديدةً، لأن معظم المشاريع التجارية تلجأ مبدئياً إلى "التمويل الجماعي" من الأصدقاء أو أفراد العائلة في مراحلها الأولى. إلا أن ما أتاحه الإنترنت من القدرة على مخاطبة ملايين المستثمرين المحتملين في آن واحد جعل التمويل الجماعي يحتل صدارة أنماط التمويل البديل، وأصبح من الجوانب الواعدة للتكنولوجيا المالية. وتشير الإحصاءات إلى أن قيمة المعاملات العالمية في قطاع التمويل الجماعي تصل حالياً إلى 6.9 مليار دولار. 

وفي ظل توفر منصات إلكترونيات مفتوحة، أصبحت فرص الحصول على تمويل جماعي لتوفير رأس المال وجذب الاستثمارات أكثر سهولة من غيره من المصادر التقليدية لرأس المال، كما أنه يتسم بمزيد من الفاعلية والشفافية. وليس الغرض من هذا النموذج هو أن يحل محل المستثمرين الملاك أو أصحاب رؤوس الأموال المغامرة، ولكن الهدف من التمويل الجماعي هو أن يكون أداة يُعتمد عليها للاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة، جنباً إلى جنب مع مستثمرين آخرين أو ربما مستثمرين أصغر.

فمن وجهة نظر المستثمر، يسمح التمويل الجماعي بالمشاركة في أحد المشاريع بدون المخاطرة بمبالغ كبيرة. كما أنه يتيح إمكانية الاستثمار لشريحة سكانية أكبر. وطبقاً لمنصة "يوريكا" (Eureeca) الكائنة في دبي والمتخصصة في التمويل الجماعي مقابل أسهم، فإن ما يصل إلى 50% من الاستثمارات يأتي من معارف رائد الأعمال.

يقول صديق فريد، الرئيس التنفيذي لمنصة "سمارت كراود" للاستثمار الجماعي العقاري الكائنة في دولة الإمارات: " يمنح التمويل الجماعي صغار المستثمرين فرصة الحصول على شيء ربما كان صعب المنال سابقاً نظراً لتطلبه رأس مال كبير. فهو يمكنهم من تنويع استثماراتهم على نحو أفضل وتفادي تزايد مخاطر التركز التي تنشأ عن تخصيص قدر كبير من رأس المال لاستثمار واحد بعينه". 

الفجوة التمويلية

في أعقاب الأزمة المالية العالمية سنة 2008، شددت البنوك سياسات الإقراض وأصبح المستثمرون التقليديون أكثر عزوفاً عن المخاطرة. ونشأ عن ذلك فجوة تمويلية قدرها 260 مليار دولار بقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وأصبح بإمكان واحد فقط من بين كل خمسة مشاريع الحصول على قروض مصرفية أو أي أشكال أخرى من الائتمان. وطبقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، تمثل المشاريع الصغيرة والمتوسطة 96% من الشركات المسجلة في المنطقة ويعمل بها نحو نصف العمالة، إلا أنها لا تحصل إلا على 7% فقط من إجمالي قروض البنوك، وهو أدنى مستوى في العالم.

وأتاح هذا العجز فرصةً لشركات مثل "ليوا" (Liwa) في الأردن و"يوريكا" (Eureeca) و"سمارت كراود" (Smart Crowd) في دبي لتوفير خيار بديل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تبحث عن رأس المال، ولكن يبدو أن انتشار التمويل الجماعي في المنطقة يسير ببطء، ويرجع ذلك جزئياً إلى اللوائح المصرفية والمالية المحلية. ولأنها أيضاً من الشركات الناشئة، نجحت منصة "سمارت كراود" في استيفاء قواعد وإجراءات تنظيمية معقدة لدى كل من الجهات التنظيمية العقارية والكيانات المالية التي تنظم التمويل الجماعي. وفيما يتعلق بما تشهده المنطقة بأسرها من تأخر في تبني منصات التمويل الجماعي، أشار فريد إلى أن ذلك يرجع إلى العزوف عن المخاطرة وغياب الوعي.

وقال فريد: "إن التمويل الجماعي منتجٌ يركز على الأفراد، وهو ما يعلل تباطؤ الجهات التنظيمية في التكيف معه. ثانياً، أدى غياب الوعي إلى التأخر والتخلف عن ركب النظراء العالميين، حيث تبدو الجهات التنظيمية هنا أكثر تفادياً للمخاطرة نوعاً ما".

كما أن انخفاض معدل انتشار البطاقات الائتمانية والخدمات المصرفية يمثل أيضاً أحد العوائق. فتشير بيانات البنك الدولي إلى أن 69% من سكان المنطقة ليست لديهم حسابات مصرفية؛ ولذلك فإن تحويل الأموال عبر الإنترنت إلى شخص لا يمتلك حساباً مصرفياً يمثل تحدياً. وتطرح منصة "موني فيلوز" (MoneyFellows) المصرية، وهي عبارة عن جمعية للإقراض والتوفير الدوار، نمطاً آخر من التمويل بين النظراء من أفراد المجتمع، والذي يقوم من خلاله مجموعة صغيرة من الأشخاص بالمساهمة بمبلغ ثابت من المال، ويتلقى كل منهم بالتناوب مجمل المبلغ بالكامل كل شهر عن طريق التحصيل النقدي شخصياً من بعض عملائه للتغلب على هذه المسألة. إلا أن ذلك يعد مُكلفاً ويكاد يكون مستحيلاً بالنسبة لحملات التمويل الجماعي التي تجذب مستثمرين من أكثر من مدينة.

تقول ليلا مروه، القائمة بأعمال الرئيس التنفيذي لمنصة "ذومال" (Zoomaal)، وهي منصة للتمويل الجماعي تركز على الاقتصاد الإبداعي: "إن الافتقار إلى الابتكار التنظيمي والوعي والبنية التحتية له دور في ذلك، على الرغم من أن سوق التمويل البديل تتجاوز قيمتها 300 مليار دولار على مستوى العالم. ويبدو أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وغيرها من الأسواق الناشئة ليست مستعدة تماماً لاغتنام هذه الفرصة". 

العقبات التنظيمية

مع استمرار نمو اقتصاد الشركات الناشئة في الشرق الأوسط، ولجوء المزيد من أصحاب المشاريع إلى الاستثمار البديل، أصبحت السلطات المالية على مستوى المنطقة مُكَلَّفة بوضع لوائح ملائمة لحماية كلٍّ من المستثمرين والمستفيدين على حد سواء. وتأخذ منصات التمويل الجماعي القائمة على عاتقها مهمة التعاون مع السلطات، وتقديم التوجيهات اللازمة لوضع اللوائح المنظمة للتمويل الجماعي.

يقول سام القواسمي، الرئيس التنفيذي المشارك والمؤسس المشارك لمنصة "يوريكا": "لا بد أن ينمو هذا القطاع بطريقة آمنة وسليمة، ويجب أن تقوم الدول بمواءمة الإطارات المعنية بالإجراءات التنظيمية والرقابية والتدابير الهادفة لحماية المستهلك للتصدي للمخاطر الفريدة للتمويل الجماعي مقابل أسهم ".

وليست فقط التحديات التنظيمية هي ما يعرقل التمويل الجماعي، فثمة شركات ناشئة تجنبت ذلك بسبب مواعيد السداد البطيئة إلى جانب مخاوف إزاء جهود جمع الأموال في المستقبل. وحتى إذا رغب أحد أصحاب رؤوس الأموال المغامرة في الاستثمار في إحدى المشاريع، قد لا يرضيه وجود عدد كبير من المستثمرين يساهمون بالفعل بهيكل رأس المال، ويرى القواسمي أن هذه الأفكار ربما تكون في طريقها إلى التلاشي. 

وأضاف القواسمي: " كانت تساور بعض أصحاب رؤوس الأموال المغامرة مخاوف بشأن هيكل رأس المال غير المنظم، إلا أنها أصبحت أقل في الوقت الحالي نظراً إلى أن التمويل الجماعي أصبح أكثر شيوعاً. ويعتبر وجود عدد كبير من المستثمرين أمراً إيجابياً للغاية، حيث من المحتمل أن يكون هؤلاء ضمن أفضل عملائك والداعمين لك في المستقبل. وهذا ينطبق خصيصاً على المشاريع التي تقوم على استراتيجية الأعمال الموجهة للمستهلكين (B2C)".

وشهدت منصة "يوريكا" في الآونة الأخيرة زيادة في الإقبال على نموذج التمويل البديل، حيث أصبح لديها 24413 مستثمراً نشطاً على منصتها ويصل متوسط حجم الاستثمارات إلى 5800 دولار. وتأتي غالبية أعمالها من دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما شهدت نمواً في عدد الحملات من الأردن ومصر وتركيا. ومن بين الاستثمارات الثمانية عشر المدرجة بمنصة "يوريكا" العام الماضي، تكلل 13 استثماراً منها بالنجاح. وفي عام 2017، أدرجت الشركة 12 استثماراً.

يقول القاسمي: "يمر قطاع التمويل الجماعي في منطقة الشرق الأوسط حالياً بمنعطف حاسم. فالصفقات الأولى الممولة عبر المنصات قد وصلت الآن إلى نقطة في دورة العمل (تتراوح من ثلاثة إلى خمسة أعوام) يمكننا خلالها أن نتوقع العوائد والمخرجات المقدمة للجمهور. وأضاف: "يمكننا أن نترقب ورود إحصائيات تتسم بالشفافية وقابلة للقياس بشأن هذا القطاع".

وكذلك نجحت شركة جوبدو (Jobedu)، وهي شركة ناشئة أردنية متخصصة في الملابس العصرية غير الرسمية وتدعم المصممين العرب، في جمع 220 ألف دولار عن طريق التمويل الجماعي خلال ستة أشهر فقط. وبالإضافة إلى جمع الأموال اللازمة للشركة، تمكنت كذلك هذه الشركة الناشئة من التفاعل مع قاعدة عملائها بطريقة جديدة تماماً.

يقول تامر المصري، الشريك المؤسس لشركة جوبدو: "لأننا علامة تجارية موجهة للجمهور في المقام الأول، نريد دائماً أن يمتلك مجتمعنا جزءاً من جوبدو، وقد ساعدنا التمويل الجماعي على تسهيل ذلك. وبعض مستثمرينا عبر التمويل الجماعي أصبح الآن لهم دور توجيهي لفريقنا في مجال خبرتهم، وانضم آخرون إلى مجلس الإدارة. وهناك مستثمرون يؤدون دوراً أكثر تفاعلاً، حيث يعملون معنا عن كثب لترويج علامتنا التجارية على الصعيدين الإقليمي والدولي، وهو شيء عظيم.".

وفي الوقت الراهن، قد يكون التمويل الجماعي هو الحل المناسب للشركات الناشئة التي تخدم المستهلكين (B2C) والتي لديها قاعدة قوية من المستهلكين، في حين أن الجمعيات المعنية بالإقراض والتوفير الدوار يمكن أن تقدم حلاً للمؤسسيين الذين يحتاجون إلى تدفقات نقدية صغيرة من حين لآخر، ولكن الطريقة الوحيدة لنمو الاستثمارات البديلة تتمثل في وضع لوائح تنظيمية أفضل.

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة