استعراض عِقد من الزمن من ريادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

اقرأ بهذه اللغة

يوافق هذا العام عقداً من الزمن منذ ان استحوذت شركة ياهو على موقع مكتوب مقابل 164 مليون دولار وهي المرة الأولى التي تستقطب فيها إحدى شركات التكنولوجيا القائمة في منطقة الشرق الأوسط اهتمام واحدة من الشركات العملاقة. 

وآنذاك، لم تكن تلك سوى صفقة متواضعة مقارنة بعمليات الاستحواذ والدمج المعتادة في المنطقة بين مشغلي شركات الاتصالات والصناعة والعقارات، ولكنها كانت صفقة رابحة للبيئة الحاضنة لريادة الأعمال لترسخ مكانة المنطقة بوصفها البيئة المثلى للتكنولوجيا والشركات الناشئة. 

حينها لم تكن لصناديق رؤوس الأموال المخاطرة وجوداً وكان معدل استخدام الهواتف النقالة والإنترنت منخفضاً وكان هاتف الآيفون بعيد المنال لمعظم الناس، أما اليونيكورن كان ذلك الكائن الخرافي الذي لديه القدرة على الطيران (يطلق تسمية "يونيكورن" unicorn على الشركات التي تخطّت قيمتها المليار دولار).

وبعد مضي عشر سنوات، كشفت المنطقة عن شركة اليونيكورن بها: شركة كريم التي استحوذت عليها شركة أوبر في مطلع هذا العام مقابل 3.1 مليار دولار وأصبح ضخ المستثمرين العالميين لاستثماراتهم في الشركات الناشئة وريادة الأعمال بمنطقة الشرق الأوسط أمراً أكثر جدوى على الصعيد المهني. 

تأسس موقع مكتوب في الأردن على يد سميح طوقان وحسام خوري ليكون موقعاً للبريد الإلكتروني باللغة العربية ثم تطور الأمر ليصبح مقصداً رئيسياً للناطقين بالعربية في عالم الإنترنت وبلغ عدد مستخدميه أكثر من 16 مليون مستخدم. وإلى جانب البوابة الرئيسية، قدم مكتوب خدمة السداد عبر الإنترنت "سوق" وهي منصة للتجارة الإلكترونية تشبه المنصة الأمريكية "إيباي" ولكن من خلال حساب "كاش يو" إضافة إلى شركة الألعاب "تحدي" لألعاب الفيديو الجماعية. 

لم تكن ياهو مهتمة سوى بالبوابة الرئيسية، لذا أسس طوقان وخوري مجموعة جبار للإنترنت للاستفادة من الأصول الأخرى لمكتوب غير المشمولة في الصفقة. وأدركت ياهو متأخراً فشلها في توقع اتجاهات المستهلكين المستقبلية في المنطقة والازدهار الحتمي لخدمات السداد والتسوق عبر الإنترنت. 

أصبحت سوق إحدى أكبر الأصول في مجموعة جبار، فقدمت مجموعة إعمار مولز عرضاً للاستحواذ عليها في 2017 مقابل800 مليون دولار، ولكن نجحت أمازون في الاستحواذ عليها مقابل 680 مليون دولار سددت منها 580 مليون دولار نقداً. فقرر محمد العبار رئيس مجلس إدارة إعمار مولز ضخ مليار دولار لإطلاق منصته الخاصة للتجارة الإلكترونية موقع "نون". 

وخلال الفترة ما بين هذين الاستحواذين، شهدت المنطقة تغييراً جوهرياً على الصعيد التكنولوجي فزادت معدلات استخدام الإنترنت وأوشكت معدلات استخدام الهواتف النقالة على الوصول إلى 100% أو أكثر في جميع بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وانتشرت الهواتف الذكية وانخفضت سيطرة "نوكيا" على سوق الهواتف النقالة لتحل محلها هواتف "آيفون" بتطبيقاتها وهواتف "سامسونج" و"هواوي" بنظام الأندرويد. ومع ظهور تكنولوجيا الجيل الرابع "4G"، انخفضت تكلفة النطاق العريض للهواتف المتحركة من متوسط 9.50 دولار نظير 0.5 جيجا بايت عام 2016 لتصل إلى 5.27 دولار نظير ضعف حجم البيانات المنقولة. 


تمكين الشباب

وفي خضم المظاهرات والثورات التي شهدتها اقتصادات المنطقة تحت مسمى "الربيع العربي"، القى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب بالضوء على أهمية القطاع الخاص في خلق فرص للعمل، وظهرت ريادة الأعمال بوصفها الحل السحري للقضاء على البطاقة وتمكين الشباب الذين يشكلون نحو ثلثي الكثافة السكانية بالمنطقة. 

ورويداً ما اتجهت السياسات واللوائح الحكومية على صعيد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو محاباة رواد الأعمال والمستثمرين مع الاستمرار في بذل الجهود لخفض تكاليف إنشاء الشركات الناشئة وذلك في ظل تنافس المنطقة لتكون مركزاً لريادة الأعمال. ولم يقتصر دور الشركات الناشئة على توفير فرص العمل بل امتد لتكون حلاً للمشاكل التي تواجه مجتمعات واقتصادات منطقة الشرق الأوسط. 

وأسهم التحول العام الذي شهدته السياسات والاتجاهات الحكومية في خلق بيئة مواتية لشركات مثل "دوبيزل"، "طلبات" و"بابل" لتحاكي أنجح النماذج والأفكار التي ثبتت فاعليتها في الجانب الآخر من العالم. حيث ظهرت شركة "روكيت إنترنت" الألمانية عام 2011 وبدأت رحلتها في تمويل الشركات الناشئة بقوة لتنجح في إطلاق بعض نماذج الشركات الناجحة مثل منصة "نمشي" التي استحوذت عليها مؤخراً إعمار مولز، وادي.كوم وكارمودي. وبدأ المستثمرون الجادون في الظهور وتكوين المؤسسات لتحتضن المنطقة رؤوس المال المخاطر والمستثمرين الملائكة الطامحين في جني إيرادات طائلة. واليوم، نجد العديد من الصناديق المخصصة لريادة الأعمال كما أنشأت بعض الحكومات صناديقاً لربط رؤوس الأموال المخاطرة والمساعدة في تطوير نظام بيئي محلي يحقق نمواً اقتصادياً. 

ويأتي فادي غندور مؤسس شركة أرامكس ورئيس مجلس إدارة شركة ومضة على رأس قائمة هؤلاء المستثمرين الملائكة الأوائل. فهو من أوائل المستثمرين في موقع مكتوب ثم في مجموعة جبار للإنترنت قبل تأسيسه شركة ومضة كابيتال. 

وعلق فادي غندور قائلاً: "شهد العالم تغييرات مستمرة ولعب الإنترنت دوراً في ذلك ولمست ذلك الأثر على أرامكس بالفعل. وحين طلب مني سميح وحسام الاستثمار، لم أتردد ولو لوهلة". 

مازلنا في آخر الركب

وبعد مرور هذه الأعوام، لا نجد سوى بعض الاستثمارات المؤثرة بقيمة تتجاوز 100 مليون دولار على صعيد منطقة الشرق الأوسط. فما زال النفط يتصدر قائمة إجمالي الناتج المحلي في دول منطقة التعاون الخليجي، وبحسب تقرير البنك الدولي تأتي نسبة البطالة بين الشباب الأعلى على مستوى العالم بواقع 26.05%، كما تأتي تكاليف إقامة الشركات في دبي، التي تمثل المحور الحالي بالمنطقة، ضمن أعلى التكاليف على مستوى العالم. وما زالت اللوائح بالنسبة لغالبية الدول في حاجة إلى تحسين بخلاف التحسينات الطارئة على إجراءات تسجيل الأعمال، ونفتقر إلى روح الابتكار حيث تحتل الإمارات المركز الـسادس والثلاثين في مؤشر الابتكار العالمي- وهي أعلى الدول ترتيباً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا- لتأتي بذلك متأخرة عن الاقتصاديات الأصغر مثل قبرص ومالطا.

ولكن ثمة بارقة أمل.

فيذكر عبدالحميد شرارة مؤسس مؤتمر "رايز أب" قائلاً "أصبح هناك العديد من الشركات الناضجة ورؤوس الأموال المخاطرة، فإذاً ثمة فرص لإبرام صفقات أفضل. وتُعدُ كريم وفوري من كبرى الشركات ذات الأثر الفعلي التي تُشكل معياراً أساسياً لنجاح النظام البيئي المحتمل" وأضاف قائلاً "مازلنا على أول الطريق مقارنة بالولايات المتحدة والصين ولكننا نسير بخطوات واعدة مقارنة بالماضي". 

وتشهد المنطقة تزايد ظهور النساء في قطاع الشركات الناشئة حيث تخضع 23% من الشركات الناشئة في غزة والضفة الغربية و19% في بيروت للقيادة النسائية لتتفوق بذلك على المعدل في نيويورك البالغ 12%. وعلى صعيد مؤتمر "رايز أب" في العام الماضي شكل إجمالي حضور النساء 40%.

وتعلق أمينة غريمن المؤسس المشارك لموقع التجارة الإلكتروني لمواد التجميل "بودره" قائلة "أصبحت المنطقة مركزاً لازدهار رواد الأعمال وتوفير البيئات الداعمة للشركات الناشئة" وأضافت "في مجال التجميل يُعد ما أنجزنه الرائدات مثل هدى قطان والدكتورة لميس حمدان مصدراً للإلهام". 

 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة