English

سباق الذكاء الاصطناعي في الإمارات: من يقود ومن يدفع الثمن؟

English

سباق الذكاء الاصطناعي في الإمارات: من يقود ومن يدفع الثمن؟

بقلم مات سبريغيل، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Atiom

على مدار العقد الماضي، سعت دولة الإمارات العربية المتحدة إلى ترسيخ مكانتها كإحدى الدول المتقدمة عالميًا في تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي. ففي عام 2017، أطلقت أول وزارة للذكاء الاصطناعي المنطقة، ثم وضعت عبر «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031» رؤية طموحة لدمج هذه التقنيات في مختلف القطاعات الحيوية. وبالنسبة للإمارات، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتعزيز النمو الاقتصادي فحسب، بل باعتباره أحد الأعمدة التي يقوم عليها تصور الدولة لمستقبلها.

غير أن التقدّم نحو هذا الأفق الطموح يكشف واقعًا أكثر تعقيدًا بالنسبة للشركات. فالبيئة الاقتصادية، رغم ما توفره من عوامل داعمة للابتكار وتسريع النمو، تفرض في المقابل تحديات تشغيلية متزايدة. لم يعد الذكاء الاصطناعي ميزة تنافسية إضافية، بل شرطًا أساسيًا للحضور في السوق، في وقت تظهر فيه أنماط جديدة من العمل وتتبلور مخاطر لم تكن مطروحة من قبل. إنها لحظة فاصلة أمام الشركات العاملة في الإمارات: فرصة كبيرة للنمو والتقدّم، لكنها في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرتها على التكيّف واتخاذ قرارات محسوبة في مرحلة انتقالية دقيقة.

نمو سريع.. لكن ليس بلا ثمن 

قلّما تجد سوقًا يوفّر ما تتيحه دولة الإمارات العربية المتحدة من مقومات داعمة لمبتكري حلول الذكاء الاصطناعي. فالحوافز الحكومية ومناطق الأعمال الحرة والأطر التنظيمية المرنة التي تتيح مساحة التجربة، كلها عوامل تجعل اختبار التقنيات الجديدة وتوسيع نطاق استخدامها أكثر سلاسة. وفي الوقت نفسه، يواصل الاستثمار الأجنبي في التكنولوجيا المتقدمة نموه، بينما تتحول الدولة تدريجيًا إلى ساحة اختبار حقيقية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلات التنبؤية وأنظمة الأتمتة.

وقد بدأت ثمار هذه المنظومة في الظهور بالفعل. إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 76% من الشركات العاملة في الإمارات تستخدم اليوم أنظمة ذكاء اصطناعي مُصمَّمة بما يتلاءم مع طبيعة قطاعاتها، في حين يُتوقع أن ينمو سوق الذكاء الاصطناعي المحلي بمعدل سنوي يبلغ 26%، ليصل إلى نحو 4.74 مليارات دولار بحلول عام 2031. لم يعد الذكاء الاصطناعي إضافة اختيارية يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها، بل بات بالنسبة لكثير من المؤسسات جزءًا من البنية الأساسية التي يقوم عليها العمل اليومي.

لكن هذه الصورة الإيجابية لا تخلو من ضغوط حقيقية. فالأنظمة المعتمدة على البيانات الكثيفة تتطلب قدرات حوسبة عالية وبنية سحابية متقدمة وإجراءات صارمة للأمن السيبراني. كما أن تدريب النماذج والتعاقد مع مزودي الخدمات واستقطاب الكفاءات المتخصصة، كلها عوامل قد ترفع تكاليف التشغيل بشكل ملحوظ، خصوصًا لدى الشركات الصغيرة والمتوسطة. ومع مرور الوقت، تكتشف مؤسسات كثيرة أن تبنّي الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على اقتناء تقنية جديدة، بل يستدعي تحوّلًا أعمق على المستويات الاستراتيجية والمالية والتنظيمية.

حين تصبح السرعة مخاطرة

غالبًا ما يُنظر إلى تبنّي الذكاء الاصطناعي كخيار لا يمكن الهروب منه، وهو بالفعل أصبح واقعًا في قطاعات كثيرة. لكن كون الأمر حتميًا لا يعني أنه بلا مخاطر.

فالاعتماد المفرط على الأتمتة، مثلًا، قد ينعكس سلبًا على تجربة العملاء. فحين تتحرك الشركات بسرعة نحو الحلول الآلية على حساب التواصل الإنساني، قد تتراجع جودة الخدمة تدريجيًا. وفي اقتصاد يعتمد على الخدمات مثل اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث لا تزال قطاعات الضيافة والسياحة وتجارة التجزئة الراقية في قلب النشاط الاقتصادي، لا يمكن للكفاءة التشغيلية أن تحل محل العلاقة مع العميل.

كما تظهر مخاطر قانونية وأخرى ترتبط بالسمعة حين تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات متحيّزة أو غير دقيقة. في هذه الحالات، لا تتوقف المشكلة عند الجانب التقني، بل تمتد إلى ثقة العملاء وصورة الشركة في السوق. ومن دون أطر واضحة للحوكمة والشفافية، قد تجد الشركات نفسها عرضة للمساءلة التنظيمية أو لانتقادات العملاء.

كذلك، قد يتحول الاعتماد على مزوّدي الحلول الخارجية إلى تحدٍ إضافي. فالشركات التي تطبّق أدوات ذكاء اصطناعي من دون فهم كافٍ لبنيتها التقنية وآلية عملها بالكامل، قد تقع في اعتماد طويل الأمد على المستشارين ومزوّدي الخدمات الخارجيين، ما يحدّ من بناء القدرات الداخلية ويزيد من هشاشتها على المدى البعيد.

أما على صعيد الأمن السيبراني، فالصورة أكثر تعقيدًا. صحيح أن الذكاء الاصطناعي يعزّز قدرات الحماية، لكنه في الوقت نفسه يفتح المجال أمام هجمات أكثر تطورًا. ومع اتساع استخدامه، تتسع معه خريطة التهديدات المُحتملة.

وفي سوق شديد التنافس، قد يكون الدخول المبكر إلى عالم الذكاء الاصطناعي مغريًا. لكن التسرّع في التنفيذ قد يحمل كلفة لا تقلّ عن كلفة التأخر.

كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي شكل العمل

لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على تغيير شكل الصناعات فحسب، بل يمتد ليُعيد رسم ملامح سوق العمل نفسه. ومع اتساع حضوره في مختلف قطاعات اقتصاد الإمارات العربية المتحدة، بدأت تظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل، من مسؤولي تشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي ومهندسي صياغة الأوامر ومصممي التفاعل بين الإنسان والآلة ومسؤولي المخاطر والأخلاقيات، وصولًا إلى مختصي في إدارة وتنقية البيانات واستراتيجيي تحوّل القوى العاملة.

لكن هذا لا يعني أن الإنسان يخرج من المعادلة. ما يحدث هو إعادة توزيع للأدوار، لا إلغاؤها. فالوظائف المرتبطة التي تتطلب التعاطف واتخاذ القرار وفهم السياق الثقافي وتقديم تجربة خدمة متقنة قد تصبح أكثر أهمية لا أقل. وفي اقتصاد متنوع يعتمد بدرجة كبيرة على الخدمات مثل الإمارات، سيكون الحفاظ على هذا التوازن بين الأتمتة والخبرة البشرية عنصرًا حاسمًا في القدرة على المنافسة على المدى الطويل.

حين تبدأ الأرقام في الظهور 

رغم الوعود التي يقدّمها الذكاء الاصطناعي من حيث رفع الكفاءة وخفض التكاليف على المدى الطويل، فإن كلفته الأولية والمستمرة لا تزال مرتفعة. فتدريب النماذج المتقدمة وبرامج التطوير يتطلب استثمارات كبيرة في قدرات الحوسبة والبنية التحتية السحابية. كما أن دمج الأنظمة القديمة ضمن مسارات عمل قائمة على الذكاء الاصطناعي غالبًا ما يضيف طبقات من التعقيد والتكلفة. يضاف إلى ذلك أن مهندسي الذكاء الاصطناعي وعلماء البيانات يتقاضون أجورًا مرتفعة، في حين لا يُتوقع أن تنخفض تكاليف الأمن السيبراني والامتثال والحوكمة في المستقبل القريب.

وأمام هذه التحديات، تميل كثير من المؤسسات إلى حلول وسط، أو إلى الاعتماد على أدوات جاهزة للذكاء الاصطناعي التوليدي. هذه الخيارات أقل تكلفة وأسهل في التطبيق ولا تتطلب قدرًا كبيرًا من الخبرة التقنية داخل الشركة. غير أن هذا الخيار، رغم عمليته في تخفيف الضغوط على المدى القصير، قد يحدّ من قدرة الشركات على التميّز وبناء خبراتها وقدراتها الداخلية على المدى البعيد.

ما الذي يعنيه هذا كله؟ 

اليوم، أصبح الذكاء الاصطناعي واحدًا من أبرز محرّكات النمو في اقتصاد دولة الإمارات العربية المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يفرض أسئلة عملية لا يمكن تجاهلها. فالشركات التي ستنجح في هذه المرحلة لن تتعامل معه باعتباره مجرد أدوات تقنية سريعة، كتحوّل أوسع في طريقة العمل نفسها. وهذا يعني الاستثمار مبكرًا في تطوير مهارات الموظفين وبناء نماذج خدمة تضع تجربة العميل في المركز ووضع أطر واضحة ومسؤولة للحوكمة منذ البداية.

تمتلك الإمارات كل المقومات التي تؤهلها للعب دور متقدم في هذا المجال. لكن ما سيصنع الفارق الحقيقي هو قدرة الشركات على الموازنة بين الطموح والحذر، وبين السرعة والتفكير طويل الأمد، وعلى الطريقة التي تدمج بها هذه التقنيات في عملياتها بشكل مدروس ومسؤول.

فالذكاء الاصطناعي ليس خطوة تُنجز مرة واحدة، بل مسار يتشكّل مع الوقت، وفي اقتصاد سريع التغيّر، من يحسن التعامل معه اليوم، بانضباط ووضوح ورؤية طويلة الأمد، هو من سيحصد نتائجه غدًا.

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.