English

في أوقات تباطؤ التمويل... يصبح الصمت رفاهية لا تملكها الشركات الناشئة

English

في أوقات تباطؤ التمويل... يصبح الصمت رفاهية لا تملكها الشركات الناشئة

بقلم يورغن تسالنباخر، مستشار قيادي ومتخصص في بناء العلامات الشخصية

في أوقات تباطؤ التمويل، ليس أسوأ ما قد يحدث أن تتأخر جولة استثمارية، بل أن تغيب الشركة عن المشهد.

شهدت بيئة الشركات الناشئة في الشرق الأوسط خلال مايو 2026 تحولًا واضحًا. فمع موجة تصحيح التمويلات عالميًا واستمرار التوترات الجيوسياسية، أصبح المستثمرون أكثر حذرًا في قراراتهم. ولا يزال التمويل متاحًا، لكنه يتحرك بوتيرة أبطأ، وأصبح أكثر انتقائية وارتباطًا بالأداء الفعلي للشركات. كما لم تعد جولات التمويل اللاحقة أمرًا مفروغًا منه، وأصبح بناء قناعة المستثمر يستغرق وقتًا أطول.

وفي مثل هذه الظروف، تميل كثير من الشركات الناشئة إلى أحد مسارين: إما أن تنكفئ على نفسها وتنشغل بإدارة الأزمة بصمت، أو أن تبالغ في إظهار التفاؤل وكأن شيئًا لم يتغير. وفي الحالتين، نادرًا ما تكون النتيجة إيجابية.

فالصمت يفتح الباب للتساؤلات ويضعف الثقة. فالسوق لا يتوقف، والمنافسون يواصلون التواصل والحضور، وغياب الشركة عن المشهد يثير تساؤلات حول مسارها واستقرارها. وفي المقابل، لم يعد المستثمرون يتجاوبون بسهولة مع الرسائل المبالغ في تفاؤلها، إذ أصبحوا أكثر خبرة وتركيزًا على الأساسيات.

ولهذا، فإن المطلوب اليوم ليس مزيدًا من الحضور، بل حضورًا أكثر قيمة. فالقيمة لم تعد في كثرة الرسائل، بل في وضوحها ومصداقيتها.

من الحضور إلى التأثير

ما يحتاج إلى التكرار اليوم ليس اسم الشركة، بل قصتها. من أسسها؟ ولماذا وُجدت؟ وكيف تتعامل مع الظروف الحالية؟ فالتواصل الفعّال لا يقوم على كثرة الرسائل، بل على وجود ما يستحق قوله، والإيمان به، والقدرة على التعبير عنه بوضوح، وتقديمه بالقدر المناسب من التوازن.

ولبناء هذا النوع من الحضور والتأثير، هناك أربعة عناصر أساسية:

  • القيمة:  ما القيمة الحقيقية التي تقدمها شركتك؟ وما الذي يميزها فعلًا؟
  • الأسلوب:  كيف تعبّر عن هذه القيمة بطريقة يفهمها الناس ويتفاعلون معها؟
  • القناعة:  هل تؤمن بما تقوله بما يكفي للدفاع عنه والتمسك به حتى في أوقات الضغط؟
  • التواصل:  كيف تنصت للآخرين وتبني معهم جسورًا وعلاقات ذات معنى؟

فكل شيء يبدأ من وجود قيمة ومضمون حقيقي. وبدونه يصبح الحضور فارغًا من المعنى. وبدون القناعة تصبح الرسالة هشة وسهلة التبدل. وبدون القدرة على التواصل وبناء العلاقات يفقد التأثير عمقه ويتحول إلى مجرد تبادل للمصالح. والأهم من ذلك كله أن المستثمرين لا يستثمرون في الاستراتيجيات وحدها، بل في الأشخاص الذين يقفون وراءها.

ولهذا لم يعد الحضور المستمر هو الهدف بحد ذاته، بل أن يكون لديك ما يستحق أن يُقال.

لغة جديدة لكسب ثقة المستثمرين

الشركات التي تنجح في هذه المرحلة ليست تلك الأكثر إعلانًا عن أخبارها وإنجازاتها، بل الأكثر قدرة على شرح نفسها بصورة أفضل للمستثمرين. فهي تتحدث بوضوح عما يدفع نموها وما الذي يعرقله، وما القرارات التي تتخذها في ضوء ذلك. وهذا النوع من الصراحة يبني المصداقية، والمصداقية أصبحت اليوم من أهم ما يبحث عنه المستثمر.

ولنأخذ مثالًا على ذلك شركة ناشئة في قطاع التكنولوجيا المالية تسعى إلى جمع تمويل جديد. قبل عامين، ربما كان المستثمرون ينشغلون أكثر بحجم الفرصة السوقية المتاحة أمام الشركة أو بقدرتها على التوسع وإيصال الخدمات المالية إلى شرائح أوسع من المستخدمين. أما اليوم، فهم يريدون الاطمئنان إلى قدرة الشركة على إدارة أعمالها بكفاءة. يريدون معرفة تكلفة جذب العملاء، ومدى قدرة الشركة على الاحتفاظ بهم، وأين تتعرض الربحية لضغوط أكبر. وإذا كان الإقراض جزءًا من نموذج العمل، فإن وضوح الصورة فيما يتعلق بمعدلات التعثر وحجم المخاطر أصبح أكثر أهمية من معدلات النمو وحدها. وفي بيئة يسودها الحذر، تمنح التفاصيل الدقيقة انطباعًا بأن الأمور تحت السيطرة.

وقد تبدو بعض القطاعات أقل تأثرًا بتباطؤ التمويل. فالرعاية الصحية، على سبيل المثال، لا تزال تستفيد من طلب متزايد في المنطقة، سواء في مجالات الرعاية الوقائية أو الخدمات المرتبطة بتحسين جودة الحياة وإطالة العمر الصحي. وقد يدفع ذلك بعض الشركات إلى الاعتقاد بأن عليها زيادة حضورها لمواكبة هذا الزخم، لكن الواقع أن ما تغير ليس حجم الاهتمام بهذه القطاعات، بل طبيعة توقعات المستثمرين منها.

فالميزة اليوم لا تأتي من كثرة التواصل، بل من جودته. ولم تعد العبارات العامة عن الابتكار أو الأثر كافية لإقناع المستثمرين. ما يهمهم هو النتائج الملموسة: هل تحقق الخدمة المقدمة أثرًا فعليًا؟ هل يحتفظ العملاء بها؟ هل توفر كفاءة أكبر أو تكلفة أقل لمقدمي الخدمات؟ وهل يمكن دمجها بسهولة في المنظومات الصحية القائمة؟ هذه هي الأسئلة التي تصنع الفارق اليوم.

الحضور الذي يصنع الثقة

ويعزز واقع السوق في المنطقة هذا التحول. فقد شهدت منظومتا الشركات الناشئة في الإمارات والسعودية نضجًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدعومًا بتزايد دور المؤسسات الاستثمارية وارتفاع مستوى التدقيق والمتابعة من المستثمرين المحليين والعالميين. ولم يعد الاهتمام منصبًا على الإمكانات المستقبلية وحدها، بل على القدرة الفعلية على تحقيق النتائج.

وفي الوقت نفسه، لا تزال هذه الأسواق قائمة بدرجة كبيرة على العلاقات والثقة، وهو ما يجعل الحضور المستمر والمصداقية عاملين لا غنى عنهما.

وفي فترات تباطؤ التمويل، لا يقتصر التواصل على المستثمرين وحدهم. فالعملاء يبحثون عن الموثوقية، والموظفون المحتملون يبحثون عن الاستقرار، والشركاء يبحثون عن مؤشرات تدل على قدرة الشركة على الاستمرار على المدى الطويل. وهنا يصبح الحضور أداة لبناء الثقة، لا مجرد وسيلة لجذب التمويل.

وأكثر الأساليب فاعلية هو ما يمكن وصفه بالشفافية المنضبطة: تحديثات أقل عددًا لكنها أكثر أهمية، وبيانات واضحة بدلًا من الادعاءات العامة، وقرارات تُشرح في ضوء نتائجها. وفي النهاية، تبقى الاستراتيجية الناجحة قائمة على القيمة والأسلوب والقناعة والتواصل.

وستظل ظروف السوق عرضة للتقلب، خصوصًا في منطقة تجمع بين فرص النمو والتحديات الجيوسياسية. لكن ما لا يتغير هو اهتمام الناس ومتابعتهم. فعندما تغيب الشركة عن المشهد، تفقد قدرتها على توجيه الرواية التي تُحكى عنها، وفي سوق كهذا قد يكون لذلك ثمن حقيقي. فالتمويل يعود عاجلًا أم آجلًا، أما الثقة فاستعادتها أصعب بكثير. وغالبًا ما يكون المؤسسون الذين يواصلون التواصل بوضوح ومصداقية خلال الفترات الصعبة هم الأكثر جاهزية للاستفادة عندما تعود الاستثمارات إلى التدفق من جديد.

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.