English

الشركات الناشئة في مرحلة التوسع بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه تحديًا في اختيار مصادر التمويل

English

الشركات الناشئة في مرحلة التوسع بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه تحديًا في اختيار مصادر التمويل

مقال بقلم سيد عدنان، الرئيس التنفيذي لقطاع الأعمال في شركة «جرايستون كابيتال» (Graystone Capital)

لم تعد أكبر التمويلات التي تحصل عليها الشركات الناشئة في مرحلة التوسع بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأتي بالضرورة مقابل بيع حصص من ملكيتها، بل بات جزء كبير منها تأتي في صورة قروض وتسهيلات ائتمانية. ومع ذلك، لا يزال كثير من المؤسسين ينظرون إلى جمع التمويل باعتباره سلسلة من الجولات الاستثمارية، يتنازلون في كل واحدة منها عن حصة جديدة من شركاتهم مقابل الحصول على الأموال اللازمة لمواصلة النمو. وهذه النظرة أصبحت تكلفهم الكثير.

ولعل أبرز مثال على هذا التحول هو أكبر تمويل أُعلن عنه خلال مؤتمر «موني 20/20» في الرياض، في سبتمبر 2025، والذي لم يكن جولة استثمارية مقابل حصة في الملكية، وإنما تسهيلات تمويلية تصل قيمتها إلى 2.4 مليار دولار، حصلت عليها شركة «تمارا» (Tamara) بضمان الأصول، وفقًا لأحكام الشريعة الإسلامية، بدعم من «جولدمان ساكس» (Goldman Sachs) و«سيتي» (Citi) و«أبولو» (Apollo). وجاءت الصفقة لإعادة تمويل حزمة سابقة بقيمة 500 مليون دولار، أُبرمت قبل نحو عام واحد، مع مضاعفة حجمها أربع مرات تقريبًا. وقبل ذلك بعامين، كانت «تابي» (Tabby) قد سبقت إلى هذا النوع من التمويل، بحصولها على 700 مليون دولار من «جيه بي مورجان» (J.P. Morgan) من خلال توريق مستحقاتها المالية، في أول صفقة من نوعها بالمنطقة.

ولتوضيح تكلفة التنازل عن حصص الملكية، وهي مسألة كثيرًا ما يناقشها المؤسسون من دون أن يحسبوا تكلفتها الفعلية، لنفترض أن شركة جمعت 10 ملايين دولار بتقييم يبلغ 40 مليون دولار بعد الاستثمار. في هذه الحالة، تكون قد باعت ربع ملكيتها. وإذا بيعت الشركة لاحقًا مقابل 500 مليون دولار، فإن قيمة الحصة التي تنازلت عنها في تلك الجولة ستصل إلى 125 مليون دولار. وهي تكلفة باهظة للحصول على رأس مال عامل، كان من الممكن تمويله بالاقتراض بضمان المستحقات المالية، بتكلفة إجمالية تدور حول 15%.

ويُعد التمويل مقابل حصص في الملكية أغلى مصادر التمويل بالنسبة للشركات في مرحلة النمو، خاصة أن قيمته تتحدد في وقت لا يزال فيه مستقبل الشركة غير واضح. ولهذا، فمن الأفضل استخدامه في المشروعات التي تنطوي على قدر أكبر من المخاطرة، مثل تجربة منتجات جديدة أو دخول أسواق جديدة أو الاستثمار في فرق عمل لم يُختبر أداؤها بعد، بدلًا من إنفاقه على تمويل المخزون أو المستحقات والفواتير، التي يمكن توقع قيمتها ومواعيد تحصيلها بدرجة أكبر من الدقة.

وتعكس أرقام التمويل في المنطقة هذا التوجه بالفعل، وإن كانت العناوين الإخبارية لا تُظهر الصورة كاملة. فبحسب تقرير «ماجنيت» (MAGNiTT)، جمعت الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 3.8 مليار دولار خلال عام 2025، عبر 688 صفقة، لكن هذا الرقم يشمل التمويل مقابل حصص الملكية فقط. أما عند احتساب القروض والتسهيلات الائتمانية، فيرتفع إجمالي التمويلات إلى نحو 7.5 مليار دولار، أي ما يقارب ضعف الرقم المعلن، وكانت تسهيلات «تمارا» (Tamara) أكبر مساهمة منفردة في هذا الإجمالي.

وكان من أبرز التحولات التي شهدها تمويل الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال عام 2025، وإن لم يحظَ باهتمام واسع، أن حجم التمويل الذي حصلت عليه الشركات من دون التنازل عن حصص من ملكيتها أصبح يقارب حجم التمويل الذي تحصل عليه مقابل تلك الحصص. وجاءت تطورات النصف الأول من عام 2026 لتؤكد أهمية هذا التحول، بعدما تراجع التمويل مقابل حصص الملكية بنسبة 22% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، إلى 1.35 مليار دولار. كما خفّض المستثمرون الدوليون استثماراتهم بنحو الثلثين، بينما استحوذ المستثمرون المحليون على 81% من إجمالي استثمارات رأس المال الجريء، وهي أعلى نسبة لهم خلال خمس سنوات.

وكلما قلّ التمويل المتاح مقابل حصص في الملكية، ارتفعت تكلفته. وفي ظل هذه الظروف، فإن التنازل عن جزء من ملكية الشركة لتمويل احتياجات كان يمكن تغطيتها بالاقتراض ليس دليلًا على تقدمها، بل قد يكون مؤشرًا على سوء إدارة مواردها المالية. والسؤال هنا هو كيف تختار الشركة نوع التمويل الأنسب لاحتياجاتها؟ والقاعدة بسيطة، فالجهات المقرضة تفضّل تمويل الأصول التي تستطيع تحديد قيمتها وتقييم مخاطرها، ويمكنها الاستحواذ عليها عند الضرورة إذا تعثر السداد.

فالشركات التي تتراكم لديها مستحقات مالية كبيرة لدى عملائها، سواء كانت منصات للشراء الآن والدفع لاحقًا، أو شركات تقدم قروضًا للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، أو منصات تربط الشركات ببعضها وتتيح لها الشراء والسداد في وقت لاحق، تمتلك أصولًا يمكنها الحصول على تمويل بضمانها. ولهذا، وقّعت شركة «ليندو» (Lendo) السعودية اتفاقية مرابحة بقيمة 53 مليون دولار مع «جدوى» (Jadwa Investment) لتمويل قروض المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بينما حصلت شركة «كريديبل إكس» (CredibleX)، التي تتخذ من الإمارات مقرًا لها، على تسهيلات ائتمانية بقيمة 100 مليون دولار من «بولين ستريت كابيتال» (Pollen Street Capital).

أما الشركات التي تحقق إيرادات منتظمة بموجب عقود مع عملائها، فيمكنها الحصول على تمويل بضمان هذه الإيرادات، من دون الحاجة إلى التنازل عن حصص من ملكيتها. وبالنسبة للشركات التي تعتمد أعمالها بدرجة كبيرة على التجارة والمخزون، فتناسبها حلول تمويلية مثل الحصول على سيولة نقدية مقابل الفواتير المستحقة قبل موعد تحصيلها، أو تمويل عمليات الشراء والتوريد. ويشهد هذا المجال دخول المزيد من البنوك الإقليمية والصناديق المتخصصة، سعيًا للاستفادة من فجوة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة في دول الخليج، التي تُقدّر بنحو 250 مليار دولار.

أما المعدات وأساطيل المركبات والبنية التحتية، فيمكن تمويلها من خلال التأجير أو القروض مُحددة الأجل. وحتى شركة «فلوس» (FLOOSS) البحرينية، المتخصصة في تمويل الأفراد، والتي تُعد أصغر بكثير من «تمارا» (Tamara)، تعتمد في تمويل توسعها على تسهيلات ائتمانية بقيمة 22 مليون دولار بدعم من «شروق» (Shorooq Partners)، بدلًا من جمع التمويل عبر جولات استثمارية متكررة مقابل حصص من ملكيتها.

والقاسم المشترك بين هذه الأمثلة هو أن الشركات استطاعت الحصول على تمويل بضمان إيراداتها وتدفقاتها النقدية المتوقعة، بدلًا من الاعتماد على توقعات نموها المستقبلي وحدها.

لكن الحصول على هذا النوع من التمويل يتطلب أن تكون الشركة مستعدة للاقتراض، وفقًا للمعايير التي تضعها الجهات المُقرضة. وهنا يحتاج المؤسسون إلى تقييم أوضاع شركاتهم بواقعية، لأن الجهات التي تقدم التمويل بالدين لا تبني قراراتها على رؤية المؤسسين وطموحاتهم، وإنما على البيانات والأرقام التي تثبت قدرة الشركة على السداد.

ولكي تتمكن الشركة من الحصول على هذا التمويل، يجب أن تكون لديها بيانات واضحة ومنتظمة عن أداء عملائها على مدار 12 إلى 18 شهرًا، وسجلات توضح مستحقاتها المالية ومواعيد تحصيلها، ويمكن تقديمها عند الطلب، إلى جانب قوائم مالية خضعت للمراجعة، ونظام فعّال لتحصيل المستحقات، وأرقام تثبت أن إيراداتها من كل عملية أو عميل تكفي لتغطية التكاليف المرتبطة بها، بما فيها تكلفة التمويل، بهامش مريح.

ولا يقل توقيت الحصول على التمويل أهمية عن هذه المتطلبات. فكلما زادت حاجة الشركة الملحّة إلى الاقتراض، أصبح الحصول عليه أصعب. ولهذا، من الأفضل أن تسعى الشركة إلى تأمين التسهيلات الائتمانية وهي في وضع مالي قوي، ولديها سيولة تكفي لمواصلة أعمالها لمدة عام على الأقل، بدلًا من اللجوء إلى الاقتراض كحل مؤقت عندما تتعثر مفاوضاتها مع المستثمرين.

وعلى المؤسسين أيضًا قراءة شروط التمويل بعناية، لأن الالتزامات التي تفرضها الجهات المقرضة قد تقيّد قرارات الشركة، كما أن مواعيد سداد الأقساط لا تتغير لمجرد تأخر خطط تطوير منتجاتها. وإذا كان موعد سداد القرض يحل قبل أن تتمكن الشركة من استرداد الأموال التي استثمرتها في الأصول المموّلة به، فقد تجد نفسها أمام أزمة سيولة يصعب تجنبها.

فالاقتراض ليس بديلًا أقل تكلفة للتمويل مقابل حصص الملكية في جميع الأحوال. وإذا استخدمته الشركة لتغطية خسائرها بدلًا من تمويل أصول تدرّ عليها إيرادات، فقد يعجّل بفشلها بدلًا من أن يمنحها وقتًا إضافيًا لتجاوز أزماتها.

ويتمتع مؤسسو الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بميزة لا تتوافر بالقدر نفسه لنظرائهم في مناطق أخرى، وهي أن المؤسسات التي تمتلك أكبر الموارد المالية في المنطقة أصبحت تتجه بصورة متزايدة إلى تقديم أنواع التمويل التي تناسب احتياجات هذه الشركات.

وتتيح أدوات التمويل المتوافقة مع الشريعة الإسلامية، مثل المرابحة والتسهيلات المضمونة بالأصول، على غرار التمويل الذي حصلت عليه «تمارا» (Tamara)، الاستفادة من أموال المؤسسات الاستثمارية الخليجية التي لم تكن متاحة للشركات الناشئة من خلال قروض رأس المال الجريء التقليدية.

ورغم أن سوق الائتمان الخاص في السعودية لا تزال حديثة نسبيًا، فقد نما حجمها عشرة أضعاف ليصل إلى 3.7 مليار دولار في عام 2024. كما يجري تأسيس صناديق استثمارية في المنطقة تستهدف تحديدًا تقديم قروض بضمان أصول المشروعات الصغيرة والمتوسطة وشركات التكنولوجيا المالية.

وبذلك، لم تعد المشكلة في توافر مصادر التمويل بقدر ما أصبحت في قلة الشركات المؤهلة للاستفادة منها.

ولا يعني ذلك التقليل من أهمية رأس المال الجريء، الذي يظل الخيار الأنسب لتمويل المشروعات التي تنطوي على قدر كبير من المخاطرة وعدم اليقين، خاصة في المراحل الأولى من بناء أعمال مبتكرة. وإنما المطلوب هو الجمع بين مصادر التمويل المختلفة، بحيث يُستخدم التمويل مقابل حصص الملكية في الأنشطة التي لا تزال نتائجها غير مضمونة، بينما يُخصص الاقتراض لتمويل العمليات والأصول التي تحقق إيرادات يمكن توقعها، مع وجود إدارة مالية قادرة على اختيار المصدر المناسب لكل احتياج.

فالشركات الناشئة التي ستقود النمو في المنطقة خلال العقد المقبل لن تكون بالضرورة تلك التي جمعت أكبر عدد من الجولات الاستثمارية، بل تلك التي استطاع مؤسسوها الاحتفاظ بحصص كافية من ملكيتها حتى لحظة بيعها، ليكون العائد الذي يحصلون عليه مستحقًا لكل ما بذلوه في رحلتهم لبنائها.

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.