English

افتح يا سمسم: 'الطبّي' تجيب عن أسئلة الرعاية الصحيّة في المنطقة

English

افتح يا سمسم: 'الطبّي' تجيب عن أسئلة الرعاية الصحيّة في المنطقة

من عيادة الطبيب إلى حاسوبك أو هاتفك، هذا هو شكل الطبّ الحديث (الصور لجاكلين صوفيا).

تستيقظ أمّ شابة في السعوديّة في الثانية بعد منتصف الليل لتكتشف أنّ ولدها مصاب بالحمى. ليس لديها ما يكفي من المال لتحمّل كلفة زيارة إلى قسم الطوارئ ولا يجيب طبيب العائلة على الهاتف سوى في وقت النهار. هذا هو طفلها البكر، وهي تشعر بالخوف والاضطراب فيما تحاول إيجاد الطريقة الأمثل والأنسب للتصرّف.

في وقت موازٍ، يريد رجل عربيّ يبلغ من العمر 28 عاماً طرح بعض الأسئلة المرتبطة بنشاطاته الجنسيّة التي قام بها مؤخّراً لكّنه يشعر بعدم الراحة لمناقشة علاقته الجنسية مع طبيبه ويفضّل طرح الأسئلة من دون الإدلاء باسمه للحفاظ على خصوصيته.

يشكّل هذان المثلان حالتين بسيطتين لاثنين من بين آلاف النساء والرجال العرب الذين لجأوا إلى "الطبّي" Altibbi للتحدّث مع متخصصين طبيين معتمدين بغية طلب المساعدة في الرعاية الصحيّة أو الاستفسار عن مواضيع حساسة.    

تبديد الأساطير وإنقاذ الأرواح 

The Altibbi platform

بالرغم من أنّ "الطبّي" يفتخر بتلقّي 20 ألف زائر مختلف في اليوم و40 ألف سؤال من المستخدمين شهريّاً، إلا أنّ العمل التحضيري لمنصّة الرعاية الصحيّة ذات السمعة الحسنة هذه (في الصورة أعلاه) سبق إطلاق جليل اللبادي هذه الشركة عام 2008 بوقت طويل.  

كان والد اللبادي، الطبيب الجرّاح عبد العزيز اللبادي قد كتب عام 2004 قاموساً طبّياً شاملاً باللغة العربيّة شكّل نتاج حياته العمليّة بأكملها وذروتها.

وفي محاولة لجعل هذا العمل متوفّر لكافة المتكلّمين باللغة العربية، أخذ ابنه على عاتقه مهمّة تحويل هذه النسخة الصلبة من الكتاب إلى محتوى مرجعي على الإنترنت فيما كان يدرس للحصول على شهادة ماجستير في ريادة الأعمال MBA.   

جليل اللبادي برفقة مدير الإنتاج خالد عبده. (الصورة لجاكلين صوفيا)

بعد 8 سنوات وبمساعدة قريب اللبادي الذي يدعى أيمن اللبادي، تحوّل هذا المشروع الدراسي إلى مرجعٍ للمستخدمين العرب الذين يبحثون عن مصادر موثوقة لمعلومات عن الرعاية الصحيّة وعن متخصصين طبيين معتمدين موثوقين.

في حين لا يبلغ المحتوى الإلكتروني باللغة العربيّة سوى 3% من المحتوى العالمي، يأتي أغلب المحتوى الطبّي باللغة العربية من المدوّنات والمواقع التي تنشر الأساطير والمصادر الخاطئة وغير الدقيقة. ويؤدّي هذا النقص في المعلومات إلى زيارة عشرات آلاف المستخدمين منصّة "الطبيّ" الرقميّة كلّ شهر.    

من جهتها، لحظت مديرة العمليّات في "الطبّي"، منال العمري، فيما كانت تساعد على صفحة الموقع على "فايسبوك" Facebook، بأنّ غياب المصادر التي تعالج المواضيع الصحيّة والجنسيّة ليس بجديدٍ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما تشير هذه الأخيرة إلى أنّ "مستخدمين فعليين" يشكرون الفريق "لمساعدتهم في مسائل بسيطة جدّاً، أقلّه بالنسبة إليّ. شعرت حينها مدى حاجتهم لمقدّمي خدمات رعاية صحيّة موثوقة ومدى صعوبة حصولهم عليها."         

الرعاية الصحيّة للجميع

وفّرت "الطبّي" الرعاية الصحيّة لمجموعة كبيرة من الناس ومنهم من لم يكن بإمكانه تحمّل التكلفة العالية للخدمات الصحيّة من دون إنترنت. أحدث خدمة تقدّمها المنصّة هي ميزة الاشتراك الشهري مقابل خدمة على مدار الساعة: يتلقّى المشتركون نفاذاً إلى شبكة الأطبّاء على موقع "الطبيّ" 24 ساعة في اليوم مقابل 5 دولارات في الشهر.

منذ أن انطلقت عام 2015، أظهرت هذه الخدمة عن نجاحها بضمّها 1000 مستخدم في الأشهر الأولى فقط. ولحظ اللبادي وفريقه أنّ 50% من المشتركين في هذه الخدمة الجديدة هم من السعوديين، وأنّ أغلب المشتركين من السعودية هم نساء تتراوح أعمارهم بين 22 و40 عاماً.

تلي هذه النسبة العالية من المشتركات السعوديّات نسبة اشتراك الرجال المصريين. ورغم أنّه لا يوجد تفسير أكيد لهذه النسبة المرتفعة، غير أنّها قد تعود إلى نقص المصادر التعليميّة والعار الذي يرافق العلاقة الجنسيّة والأمراض المنقولة جنسيّاً في مصر.  

الوصول إلى أبعد من شاشة الحاسوب

بذلت "الطبّي" جهوداً متضافرة لفهم حاجات المستخدمين الحاليين والمستقبليين.

تشكّل "الطبّي" أداةً أساسيّة في أماكن مثل الأردن حيث لا يحظى اللاجئون من البلدان المجاورة بالرعاية الصحيّة التي تتلقى دعم الحكومة. وقد تعاون اللبادي مع ملاك طيفور الذي يشغل منصب مدير المجتمع الطبّي للشركة، وعملا سنةً كاملة مع لاجئة فلسطينية من غزّة في "مخيّم جرش للاجئين" لفهم وتقييم المشاكل الصحيّة التي يعاني منها مجتمعهم.

وقد وجدا أنّ الأمراض المزمنة التي يعاني منها هذا المجتمع مثل مرض السكري وارتفاع ضغط الدمّ والبدانة تعود إلى سوء التغذية ونقص التعليم عن المكوّنات الغذائيّة. 

At the Jerash refugee camp

في الميدان في مخيّم جرش للاجئين خلال ورش العمل لتعليم النساء عن الممارسات الصحيّة لمرضى السكري وتنظيم "فحوصات طبيّة" تقليديّة للنساء في المخيّم. (الصورة من "الطبّي")

نظّم الفريق ورشة عمل عن التغذية للنساء تضمّنت دروساً عن تحضير الطعام الصحّي للعائلة باستخدام المواد الغذائية الضئيلة التي يمكن للمنازل القليلة الدخل في المخيّم الحصول عليها.  في هذا الإطار، يقول اللبادي إنّ "رؤيتنا تقوم على تزويد عامة الشعب في العالم العربي بالمعلومات الصحيّة وإذا تعذّر علينا الوصول إليهم عبر الإنترنت، سوف نبذل جهداً في الوصول إليهم من دون إنترنت، وبأيّة طريقة ممكنة."    

إرث عائلي

تعود جذور "الطبّي" إلى والد اللبادي وهو جّراح تخرّج من "جامعة جرايفسفالد" University of Greifswald في ألمانيا عام 1974. لم يأخذ هذا الطبيب وقتاً طويلاً لملاحظة الفرق الشاسع في النفاذ إلى الرعاية الصحيّة والوعي الصحّي بين أوروبا وبلده الأمّ، فلسطين. ويذكر اللبادي أنّ "حينها بدأ بكتابة قاموسه الطبّي إذ أنّه رآه يشكّل حلاً كبيراً لهذه المشكلة."

عام 1975، اندلعت الحرب الأهليّة في لبنان. حينها، بدأ الدكتور اللبادي بالتطوّع في الخطوط الأماميّة وعمل عن قرب مع اللاجئين الفلسطينيين. ويخبر اللبادي أنّ والده "شهد بعض أسوء أجزاء الحرب الأهلية" شارحاً كيف أدّت شجاعته دوراً أساسيّاً في تطوير وإدارة مرافق الرعاية الصحيّة للفلسطينيّين في لبنان.  

اقتربت الحرب كثيراً عام 1976 عندما كان الدكتور اللبادي يعمل في "مخيّم تلّ الزعتر" في بيروت. وقد شهد هذا المخيّم حصاراً دام لمدّة ستّة أشهر ولم يكن هناك سوى الدكتور اللبادي وطبيبين آخرين للاهتمام بأكثر من 30 آلف لاجئ.

من بعدها، شغل هذا الأخير في الهلال الأحمر منصب مدير الخدمات الطبيّة للنازحين الفلسطينيين في كافة أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.  

لم يكن والد اللبادي الوحيد في تنمية وتأسيس روح ريادة الأعمال المستوحاة من النشاط لدى هذا الأخير، بل شارك في ذلك عمّه شقيق والده، محمود لبادي الذي أمضي فترات الصيف مع اللبادي منذ صغر سنّه. 

Father and son, Altibbi

شغف أب يحوّله ابنه إلى منصّة "الطبّي" (الصورة من "الطبّي"/مروان السقا)

عمل لبادي كمتحدّث رسمي لـ"منظّمة التحرير الفلسطينيّة" PLO حتّى عام 1983، ومن ثمّ شغل منصب المدير العام للمجلس التشريعي الفلسطيني حتّى عام 2005. بحسب اللبادي، كان عمّه "ناشطاً إلى أقصى الحدود، وكان من المؤمنين بحقوق الإنسان والنشاط الاجتماعي، وقد تعلّمت الكثير من هذه الأفكار فضلاً له."

توفّى لبادي عام 2014 لكنّ شغفه وأثره يعيشان في عمل اللبادي.

في هذا السياق، يقول اللبادي إنّ "المقاربة كانت عائليّة منذ البداية، قبل أنّ نقرر أنّها شركة." كذلك، إنّ قريبه وشريكه أيمن هو أيضاً رائد أعمال متسلسل له خبرة واسعة في تطوير المشاريع الرقميّة وله الفضل في تأسيس أوّل نسخة من هذه البوابة الرقميّة الطبيّة حسبما يلفت اللبادي مضيفاً "فريبي كان من يبرمج، ويضع المحتوى [على المنصّة] ويختبر. كان مدير الإنتاج لفترة طويلة وقد آمن بهذه الفكرة."   

صعوبات التأسيس وآلامه

كبر فريق "الطبّي" حتّى صار يتضمّن اليوم 22 عضواً متوزّعين على الأردن والإمارات وغزّة وأدّى عدد كبير من أعضاء الفريق دوراً أساسيّاً في نجاح الشركة ومنهم مدير الإنتاج خالد عبده.

منذ عام 2010 وعبده يدعم "الطبّي"، فهو يذكر أنّ في اليوم الذي يلي شهر العسل بعد زفافه أمضى "28 ساعة في المكتب" لكنّ زوجته لا تحمل ضغينة ويشرح قائلاً: "إنّها تعرف شغفي."

بالرغم من الفريق المجموع خلفك، إلا أنّ مسيرة تأسيس شركة ناشئة قد تكون وحيدة للغاية. لكنّ زوجة اللبادي، فدى طاهر، رائدة أعمال أيضاً ["أطباقي" Atbaki] وتفهم الصعوبات التي ترافق تأسيس شركتك الخاصة.

وعنها، يقول اللبادي "لو لم تكن في المجال عينه، لا أعلم ما إذا كنّا لنتزوّج... لأنّها لم تكن لتفهم الصعوبات."

في المقابل، رغم تمتّع شركته الناشئة بأكثر من 4 ملايين مستخدم عربي في الشهر، واختيار "إنديفور" Endeavor لها كشركة ذات أثر كبير، وحصولها مؤخّراً على تمويل وقدره 2.7 مليون دولار؛ لم يتجنّب اللبادي صعوبات التأسيس.    

جليل اللبادي في وقت الراحة (الصورة لجاكلين صوفيا)

يتذكّر اللبادي وقتاً أراد فيه إغلاق أبواب الشركة نهائيّاً عام 2014 موضحاً: "لم يكن لدينا شيئاً. استنفذنا أموالنا ولم نحقق الأرباح كما أملنا... كنّا قد خسرنا تركيزنا قبل سنوات، غامرنا بأمور عدّة وبشكل مفاجئ، في مطلع عام 2014، تلقينا المصائب على كافة الأصعدة. لم نكن متنبّهين وتلاشت الأمور من حوالينا."

"كنت على استعداد لترك الأمور إذ أنني وصلت إلى الحضيض. كنت مستعدّاً لإغلاق ‘الطبّي‘ لكنّ [مدير الإنتاج خالد] دفعني لأتحلّى بالإيمان."

العودة إلى الحلبة

في الوقت الحالي، تشقّ "الطبّي" الطريق إلى ثورة في الرعاية الصحيّة في المنطقة بعد أن أنقذها استثمار جاء في حينه في وقت لاحق من عام 2014.

تبحث "الطبّي" اليوم عن وسائل جديدة لتقديم أدوات ومراجع إضافيّة للمنطقة المتحدّثة باللغة العربيّة. "نريد أن تحظى كلّ عائلة عربيّة، ولربّما كلّ عائلة في الأسواق الناشئة بالنفاذ إلى أطبّاء أو على الأقّل بأولى مستويات للوصول إليهم" بحسب اللبادي الذي يضيف أنّ "عملنا لم ينته كما لم ينته عمل الحكومات والفعاليّات الأخرى، لكنني أعتقد أنّ هذا ما نريد تأمينه جميعاً."

تعتبر "الطبّى" مرجعاً كثير الكفاءة والفعاليّة من حيث التكلفة ليس فقط للمشتركين فيه ولقرّائه بل للحكومات أيضاً إذ أنّ الأسئلة التي يجيب عنها الأطبّاء شهرياً والتي يبلغ عددها 40 ألف سؤالٍ تقدّم لمحة عن حاجات سكّان المنطقة على اختلافاتهم في الرعاية الصحيّة.

"أتمنّى، فيما نمضي إلى الأمام، أن تقدّر الحكومات فضلاً عن صانعي السياسات أن لدينا كميّة كبيرة من البيانات عن الرعاية الصحيّة في المنطقة فعدد كبير من القرّاء يزور موقعنا. لذلك، يمكننا المساهمة في تغيير الطريقة التي تقدّم بها الرعاية الصحيّة في المنطقة" حسبما يشير المؤسس.

في المقابل، يحرص المؤسس على عدم الاستعجال، فـ"الطبّي" حاليّاً تؤمّن مستوى رعاية لم يكن في الحسبان منذ خمسة أعوام. "نريد أن نؤّمّن أولى مستويات الرعاية الصحيّة للجميع، وهذا هو دافعنا الأساسي اليوم."

شكرا

يرجى التحقق من بريدك الالكتروني لتأكيد اشتراكك.