ما الذي يحدد نجاح أو فشل الشركات في دخول السوق الإماراتي؟
بقلم حسناء طالب، الشريكة الإدارية في Mintiply Capital
لم يعد السؤال اليوم ما إذا كانت الشركات العالمية يجب أن تدخل أسواق الخليج؟ بل كيف تفعل ذلك.
أصبحت الإمارات خلال السنوات الأخيرة نقطة جذب رئيسية للخدمات المالية والأصول الرقمية والتقنيات الناشئة، مع وجود مئات المليارات من الأصول المُدارة داخل المنطقة، ودور واضح للصناديق السيادية في تحريك الأسواق عالميًا. ومع ذلك، ورغم هذا الزخم، لا تزال شركات كثيرة—حتى تلك التي تملك الموارد والتمويل—تجد صعوبة في تثبيت وجودها.
وغالبًا، لا تكون المشكلة في نقص المال أو الطموح، بل في الاستراتيجية.
تتعامل شركات كثيرة مع دخول السوق كأنه قرار بسيط له خيار واحد من بين ثلاثة، إما الاستحواذ على شركة محلية، أو استخراج ترخيص، أو البدء من الصفر. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك، وهنا تحديدًا تبدأ أولى الأخطاء.
هذه الخيارات ليست بدائل متشابهة ومتكافئة، والتعامل معها على هذا الأساس يؤدي غالبًا إلى تعطّل التنفيذ وتعقيدات تنظيمية وإهدار للموارد.
الأهم من ذلك هو فهم كيف تتوافق هذه الخيارات مع طبيعة البيئة التنظيمية في الإمارات، ومع متطلبات وواقع العمل على الأرض.
طرق دخول السوق ليست واحدة
الدخول إلى السوق ليس قرارًا بسيطًا له قائمة خطوات جاهزة، فكل طريق وكل خيار له مميزاته وتحدياته.
الاستحواذ على شركة محلية قد يبدو الخيار الأسرع، لأنه يوفّر وصولًا مباشرًا إلى التراخيص والفريق والعملاء. لكن في المقابل، الدمج ليس سهلًا دائمًا. فاختلاف الأنظمة وتباين ثقافة العمل والقيود التنظيمية قد تبطئ التنفيذ وتقلل من الفائدة المتوقعة.
أما الحصول على ترخيص بشكل مستقل، فيمنح الشركات قدرًا أكبر من التحكم في طريقة العمل، من حيث العلامة التجارية ونموذج التشغيل. لكن هذا المسار يتطلب وقتًا وموارد كبيرة، خاصة عند التعامل مع الجهات التنظيمية والتوظيف محليًا وبناء علاقات مصرفية—وكلها أمور قد تستغرق وقتًا أطول من المتوقع، خاصة من دون معرفة كافية بالسوق.
أما البناء من الصفر، فيعطي مرونة كاملة، ويتيح تصميم نموج العمل بما يناسب السوق. لكنه أيضًا الخيار الأبطأ، ويتطلب التزامًا ماليًا طويل الأجل أطول قبل تحقيق عوائد واضحة.
وفي الواقع، لا تعتمد الشركات الناجحة على خيار واحد فقط. فبعض الشركات تجمع بين أكثر من مسار—مثل الدخول بشراكة جزئية في شركة محلية، مع العمل في الوقت نفسه على الحصول على ترخيص مستقل. وهذا يتيح لها على فهم السوق تدريجيّا، مع الحفاظ على قدر من التحكم على المدى الطويل.
اختيار الجهة التنظيمية
السؤال الأهم ليس فقط كيف تدخل السوق، بل أين تبدأ.
الإمارات ليست سوقًا واحدة تعتمد نظامًا واحد، بل تضم مجموعة بيئات تنظيمية ومالية، وكل واحدة منها تناسب نوعًا معينًا من الأعمال. واختيار الجهة غير المناسبة من البداية قد يعرقل العمل قبل أن يبدأ.
في دبي، يُعد مركز دبي المالي العالمي (DIFC) الأكثر رسوخًا، وهو قائم على القانون الإنجليزي ومصمم ليستوعب المؤسسات المالية العالمية. يوفر المركز بيئة منظمة ومستقرة واتصالًا قويًا بالأسواق الدولية، ما يجعله مناسبًا لمديري الأصول والبنوك والشركات المالية الكبيرة.
أما سوق أبوظبي العالمي (ADGM)، فيركز أكثر على رؤوس الأموال الخاصة والمكاتب العائلية والمستثمرين المؤسسيين، ويرتبط بشكل وثيق بالصناديق السيادية ومصادر التمويل الكبيرة، لذلك يُعد مناسبًا لشركات الاستثمار الخاص وصناديق التحوط ومنصات إدارة الثروات.
وبالنسبة لقطاع الأصول الرقمية، تأتي هيئة تنظيم الأصول الافتراضية (VARA)، التي صُممت لهذا المجال تحديدًا، وتوفر بيئة تنظيمية مرنة تناسب شركات العملات الرقمية ونماذج Web3، وتدعم الابتكار في هذا القطاع.
المشكلة أن بعض الشركات تتعامل مع هذه الجهات كأنها خيار واحد! بينما هي في الواقع مختلفة تمامًا. وعندما تختار الشركة الإطار غير المناسب من البداية—سواء كانت شركة رقمية أو مؤسسة مالية تقليدية—تظهر تعقيدات كان يمكن تجنبها.
لماذا لا تنجح النماذج المستوردة في الخليج؟
من أكثر ما يتكرر في تجارب دخول السوق غير الناجحة هو الاعتماد الزائد على نماذج عمل مستوردة من أسواق أخرى.
فالاستراتيجيات التي تنجح في مدن مثل لندن أو نيويورك تقوم غالبًا على افتراض أن القوانين موحدة، وأن السوق يمكن التنبؤ به بسهولة، وأن القرارات تُدار بشكل مركزي. لكن الواقع في الإمارات مختلف. فالبيئة التنظيمية موزعة بطبيعتها، والمنافسة تتأثر بدور رأس المال السيادي، والعلاقات على الأرض تلعب دورًا أكبر من القرارات التي تُتخذ عن بُعد. لذلك، الشركات التي تحاول إدارة أعمالها في المنطقة من مقراتها الرئيسية، من دون وجود قيادة محلية فعالة، تجد صعوبة في التكيف.
وهناك نقطة أخرى تتكرر كثيرًا، وهي التقليل من الوقت اللازم للتنفيذ. فإجراءات الترخيص والتوظيف وبناء العمليات، غالبًا ما تستغرق وقتًا أطول من المتوقع—خاصة لدى الشركات التي لا تملك خبرة سابقة في المنطقة.
ماذا يعني ذلك للشركات الناشئة
رغم أن الحديث يتركز غالبًا على المؤسسات الكبيرة، فإن نفس المنطق ينطبق أيضًا على الشركات الناشئة والشركات في مرحلة التوسع عند دخول الإمارات.
بالنسبة للشركات الناشئة، لا يكون اختيار الجهة التنظيمية مجرد خطوة إجرائية، بل قرار هام يؤثر بشكل مباشر على مسار العمل— من تطوير المنتج إلى فرص التمويل وحتى الشراكات المحتملة.
فمثلًا، شركة تعمل في مجال التكنولوجيا المالية داخل ADGM قد تجد وصولًا أسهل إلى المستثمرين المؤسسيين، بينما شركة Web3 تعمل تحت VARA يمكنها التحرك بسرعة أكبر ضمن بيئة مصممة لهذا النوع من الأعمال.
أما الشركات في مرحلة التوسع، فتتجه بشكل متزايد إلى الجمع بين أكثر من مسار. فالدخول عبر شراكات محلية، مع بناء عمليات مستقلة بشكل تدريجي، يساعد على اختبار السوق وفهمه بشكل أسرع، مع تقليل المخاطر في البداية.
ما الذي يميز الشركات التي تنجح
النجاح في الإمارات لا يرتبط بالحجم بقدر ما يرتبط بمدى التوافق مع طبيعة السوق. فالشركات التي تنجح عادة ما تبدأ ببعض الخطوات الواضحة:
- تختار الجهة التنظيمية المناسبة في وقت مبكر.
- تعتمد على وجود قيادة محلية قادرة على اتخاذ القرار.
- تعدّل طريقة عملها لتناسب السوق بدل نقل نموذجها كما هو.
- تبدأ بخطوات متدرجة بدل محاولة تنفيذ كل شيء دفعة واحدة.
الإمارات ليست مجرد سوق جديدة سهلة، بل بيئة لها قواعدها الخاصة وطريقة عملها. والشركات التي تفهم ذلك وتبني على أساسه تكون أقرب للنمو والازدهار على المدى الطويل. أما التي تتجاهله، فغالبًا ما تجد نفسها عالقة بين تعقيدات تنظيمية وتأخير في التنفيذ وفرص ضائعة.
