عربي

الاستثمار في الأسهم الخاصة ودوره في دفع النمو المقبل في المنطقة

English

الاستثمار في الأسهم الخاصة ودوره في دفع النمو المقبل في المنطقة

يمثل توفير فرص عمل جيدة لملايين الشباب أحد أكبر التحديات التي تواجه صناع السياسات وقادة الأعمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فبحلول عام 2050، يُتوقع أن يصل عدد الشباب الباحثين عن عمل في المنطقة إلى نحو 300 مليون شخص، وفقًا للبنك الدولي. ولن تكفي لمواجهة تحدٍ بهذا الحجم زيادات محدودة في فرص العمل المتاحة، بل تحتاج المنطقة إلى نمو أقوى للقطاع الخاص، بما يرفع الإنتاجية ويدعم التنوع الاقتصادي ويساعد الشركات على التوسع والمنافسة في مختلف القطاعات.

وفي الوقت نفسه، كشفت الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة عن نقاط ضعف قائمة في اقتصادات المنطقة وزادت من حدتها، ولم يقتصر ذلك على الاقتصادات الهشة، بل امتد إلى دول مجلس التعاون الخليجي التي عُرفت تاريخيًا بقدر أكبر من الاستقرار. ومن ثم، لن تكون إصلاحات الاقتصاد الكلي أو القطاع العام وحدها كافية لمعالجة التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة. فتحقيق نمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل، بما يشمل إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي في الدول المتضررة من الصراعات، سيتطلب أيضًا دعم الشركات الواعدة وتمكينها من النمو وخلق فرص العمل والمنافسة على المستويين الإقليمي والعالمي.

ولا تتمثل المشكلة في نقص رؤوس الأموال وحده، ففي كثير من أسواق المنطقة لا تزال هناك حاجة إلى مؤسسات ومنظومات استثمارية قادرة على توجيه هذه الأموال نحو شركات لديها القدرة على التوسع وفرص استثمارية قابلة للاستمرار تجاريًا. وفي النهاية، لن تتحدد المرحلة المقبلة من النمو الاقتصادي في المنطقة بحجم رؤوس الأموال التي تنجح في جذبها فقط، بل بمدى قدرتها على تحويل هذه الأموال إلى استثمارات منتجة وشركات قادرة على المنافسة وفرص عمل جيدة.

ولا تفتقر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى رواد الأعمال الموهوبين أو الشركات الطموحة، بمختلف قطاعاتها وأحجامها ومراحل نموها. وقد أصبح رأس المال الجريء (Venture Capital) مصدرًا مهمًا لتمويل الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة، سواء كانت شركات تكنولوجية أو تعتمد على التكنولوجيا في تقديم منتجاتها وخدماتها.

لكن لا تزال هناك فجوة تمويلية تواجه الشركات المتوسطة التي تجاوزت مرحلة التأسيس وأصبحت بحاجة إلى رأس مال يساعدها على النمو، إلى جانب حوكمة أقوى ودعم في إدارة عملياتها، حتى تتمكن من التوسع في أسواق جديدة. وهنا يمكن للاستثمار في الملكية الخاصة (Private Equity) أن يؤدي دورًا أكبر، من خلال مساعدة الشركات المحلية الواعدة على التوسع والتحول إلى شركات إقليمية قوية تسهم في دفع النمو الاقتصادي.

أكثر من مجرد صفقات

غالبًا ما يُنظر إلى الاستثمار في الملكية الخاصة باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق عوائد للمستثمرين، من خلال شراء الشركات غير المدرجة في البورصة وإعادة هيكلتها ثم بيعها لاحقًا. لكن الدور الاقتصادي الذي يمكن أن يؤديه هذا النوع من الاستثمار يتجاوز الصفقة نفسها بكثير.

فالاستثمار في الملكية الخاصة الذي يستهدف دعم النمو لا يقتصر على توفير رأس المال طويل الأجل، بل يساعد أيضًا فرق الإدارة على تطوير أعمالها وتعزيز الحوكمة وتطوير قدراتها المؤسسية ودخول أسواق جديدة والاستثمار في رفع الإنتاجية والابتكار. وبالنسبة إلى الشركات المتوسطة، يمكن أن يوفر هذا النوع من الاستثمار ما تحتاج إليه من تمويل ودعم إداري وتشغيلي لتجاوز العقبات التي تعرقل توسعها، والتي قد لا يستطيع التمويل المصرفي أو رأس المال الجريء وحدهما حلها.

لكن هذه النتائج لا تتحقق تلقائيًا، بل تعتمد على مدة الاستثمار وهيكل رأس المال والطريقة التي يتعامل بها المستثمر مع الشركة. فعندما يترافق التمويل مع إدارة فعالة ومنضبطة وخطة واضحة للنمو على المدى الطويل، يمكن للاستثمار في الملكية الخاصة أن يساعد الشركات المحلية الناجحة على التوسع والتحول إلى شركات إقليمية قوية وقادرة على المنافسة.

والاستثمار في الملكية الخاصة ليس جديدًا على منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فعلى مدار العقدين الماضيين، شهدت المنطقة ظهور مستثمرين أكثر خبرة وتطورًا في هذا المجال، بدعم من المستثمرين المؤسسيين وصناديق الثروة السيادية ومكاتب الاستثمار العائلية. ووفقًا لبيانات MAGNiTT، بلغت قيمة صفقات الاستثمار في الملكية الخاصة المعلنة في المنطقة 27.6 مليار دولار، موزعة على 356 صفقة بين عامي 2020 و2024. واستحوذت الإمارات على الحصة الأكبر من عدد الصفقات، في حين برزت السعودية كسوق متزايدة الأهمية، وشكل البلدان معًا 68% من صفقات الاستثمار في الملكية الخاصة في المنطقة خلال هذه السنوات الخمس.

وتعكس هذه الأرقام الدور المتنامي لرأس المال الخاص في تمويل الشركات العاملة في قطاعات سيكون لها دور مهم في رسم مستقبل اقتصاد المنطقة، من بينها الرعاية الصحية والخدمات المالية والخدمات اللوجستية والتصنيع والطاقة.

ومع ذلك، لا تزال استثمارات الملكية الخاصة تتركز بدرجة كبيرة في أكبر أسواق الاستثمار وأكثرها تطورًا في المنطقة. ولذلك، لم يعد السؤال هو ما إذا كان هذا النوع من الاستثمار قادرًا على النجاح في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بل كيف يمكن توسيع نطاقه ليشمل مزيدًا من الأسواق ويسهم في إنعاش اقتصاداتها وتعزيز التكامل الإقليمي وتحقيق أثر تنموي حقيقي، خاصة في الأسواق التي لا يزال فيها رأس المال اللازم للنمو محدودًا.

وتمثل الشركات الصغيرة والمتوسطة الغالبية العظمى من شركات القطاع الرسمي في المنطقة. ومن ثم، فإن مساعدة الشركات الواعدة منها على رفع إنتاجيتها وتعزيز قدرتها على المنافسة يمكن أن تكون وسيلة فعالة لخلق فرص العمل ودفع النمو الاقتصادي.

وتزداد أهمية ذلك في الاقتصادات الهشة مثل فلسطين وسوريا ولبنان، حيث تواجه الشركات في كثير من الأحيان صعوبة في الحصول على التمويل اللازم للنمو، إلى جانب تشتت هياكل الملكية وضعف ارتباطها بالأسواق الإقليمية والدولية. ويمكن للاستثمار في الملكية الخاصة، إذا وُجّه بصورة مدروسة، أن يساعد في تجاوز بعض هذه العقبات، من خلال ضخ رؤوس أموال جديدة، وتعزيز حوكمة الشركات، وإعادة هيكلة الملكية ودمج الشركات عند الحاجة، ودعم التوسع في أسواق جديدة، وربطها بشبكات الأعمال والاستثمار في المنطقة.

كما أن طبيعة الاستثمار في الملكية الخاصة، التي تمتد عادةً لعدة سنوات، تجعله مناسبًا بشكل خاص للاقتصادات التي تسعى إلى رفع إنتاجيتها والانتقال إلى نماذج نمو تعتمد بدرجة أكبر على التصدير. وفي النهاية، لا ينبغي قياس نجاح هذا النوع من الاستثمار بعدد الصفقات أو حجم الأموال المستثمرة فقط، بل بما تحققه هذه الاستثمارات من شركات أقوى وإنتاجية أعلى وفرص عمل مستدامة.

بناء منظومة استثمارية أكثر تكاملًا

تحتاج منظومة الاستثمار القوية إلى تكامل أدوار الحكومات ومؤسسات تمويل التنمية وصناديق الثروة السيادية وشركات إدارة صناديق الاستثمار المحلية ورواد الأعمال والمستثمرين المؤسسيين. فمن خلال هذا التكامل، يمكن تخفيف العقبات أمام الاستثمار وتوجيه التمويل والخبرات الفنية إلى الشركات القادرة على النمو والإنتاج. 

وهنا يبرز دور الاستثمار في الملكية الخاصة ضمن المشهد الاستثماري الأوسع في المنطقة، باعتباره حلقة وصل بين رؤوس الأموال الكبيرة والشركات التي تمتلك فرصًا حقيقية للنمو والتوسع.

وللحكومات دور أساسي في تهيئة الظروف اللازمة لذلك، بدايةً من وجود قوانين وقواعد تنظيمية واضحة ومستقرة وحماية المستثمرين، وصولًا إلى أنظمة فعالة للتعامل مع التعثر والإفلاس وسياسات المنافسة وتسهيل التجارة عبر الحدود. لكن الاستثمار الحكومي وحده لا يمكن أن يعوض رأس المال الخاص المستعد لتحمل المخاطر، خاصة عندما يتعلق الأمر بالتمويل الذي تحتاج إليه الشركات للنمو ودخول أسواق وقطاعات جديدة.

وفي هذا السياق، تتجه مؤسسات تمويل التنمية، مثل مؤسسة التمويل الدولية (IFC) والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، بشكل متزايد إلى الجمع بين التمويل المباشر وأدوات أخرى مثل التمويل المختلط (Blended Finance) وتقاسم المخاطر وحشد رؤوس الأموال الخاصة. والهدف هو تشجيع الاستثمار في أسواق ومشروعات قد يصعب عليها جذب التمويل التجاري بمفردها.

وتصبح هذه الأدوات أكثر أهمية في الاقتصادات الهشة، حيث قد تدفع المخاطر المرتفعة مقارنة بالعوائد المتوقعة المستثمرين المؤسسيين إلى التردد في الاستثمار. وهنا يمكن للتمويل المختلط والضمانات وآليات تقاسم المخاطر ومنصات الاستثمار المشترك مع شركاء محليين موثوقين أن تخفف بعض هذه المخاطر، وتساعد على توفير المزيد من الفرص والشركات الجاهزة للاستثمار، مع قواعد حوكمة أكثر وضوحًا ومسارات محددة تتيح للمستثمرين التخارج من استثماراتهم مستقبلًا.

ويمكن لصناديق الثروة السيادية في المنطقة أن تؤدي دورًا مشابهًا في تحفيز الاستثمار، من خلال الدخول كمستثمر رئيسي (Anchor Investor) منذ البداية، بما يمنح المستثمرين الآخرين قدرًا أكبر من الثقة، ويقلل من المخاطر المتوقعة، ويشجع المزيد من المؤسسات الاستثمارية العالمية على المشاركة.

ومن الأمثلة الحديثة على ذلك صندوق Brookfield Middle East Partners، الذي أعلن إغلاقه الأول في يوليو 2026. وهو صندوق للاستثمار في الملكية الخاصة دخل فيه صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) كمستثمر رئيسي، ونجح في جمع نحو ملياري دولار من الصندوق ومستثمرين مؤسسيين آخرين من المنطقة والعالم. ويستهدف الصندوق عمليات الاستحواذ والاستثمارات الموجهة للنمو في أنحاء الشرق الأوسط، مع التركيز على دول مجلس التعاون الخليجي، على أن يخصص 50% من استثماراته للسعودية.

ولا تكمن أهمية هذا الصندوق في حجمه وحده، بل في النموذج الذي يقدمه لكيفية الجمع بين رأس المال السيادي والخبرات الاستثمارية العالمية والتركيز على أسواق المنطقة. ويمكن لهذا النموذج أن يساعد على زيادة عدد الشركات الجاهزة لجذب الاستثمارات وتعزيز ثقة المستثمرين المؤسسيين في المنطقة.

سيظل عدم الاستقرار السياسي أحد أبرز العوامل التي تحد من الإمكانات الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبالطبع، لا يستطيع الاستثمار في الملكية الخاصة وحده معالجة هشاشة بعض الاقتصادات أو ضعف المؤسسات أو تشتت الأطر التنظيمية. لكن بناء منظومات استثمارية أقوى وأكثر تكاملًا يمكن أن يساعد على توجيه رؤوس الأموال إلى نطاق أوسع من الأسواق والفرص، بدلًا من بقائها متركزة في أسواق المنطقة الأكثر نضجًا.

وبالنسبة إلى اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الأكثر ثراءً، يتمثل التحدي بشكل متزايد في توجيه رؤوس الأموال إلى استثمارات ترفع القدرة الإنتاجية وتعزز دور القطاع الخاص. أما الاقتصادات الأقل نموًا والأكثر هشاشة، فتحتاج إلى الاستفادة من شركات إدارة الاستثمار المحلية ومؤسسات تمويل التنمية وآليات تقاسم المخاطر، لمساعدة الشركات القادرة على النمو على تطوير أعمالها والوصول إلى مرحلة تصبح فيها أكثر قدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة من النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لن تعتمد على جذب المزيد من رؤوس الأموال فحسب، بل على بناء المؤسسات والمنظومات الاستثمارية القادرة على تحويل هذه الأموال إلى شركات منتجة وقوية تستطيع المنافسة إقليميًا وتوفر فرص عمل جيدة.

وهنا يمكن للاستثمار في الملكية الخاصة أن يقدم أهم إسهاماته.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.