عربي

LEAP 2026.. كيف تتحول طموحات السعودية التكنولوجية إلى واقع؟ 

English

LEAP 2026.. كيف تتحول طموحات السعودية التكنولوجية إلى واقع؟ 

مقثال بقلم عبدالله الجعفري، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Resquad AI

في اليوم الثاني من LEAP 2026 في الرياض، توقفت في لحظة ما عن تصوير الروبوتات، وبدأت أنتبه إلى بطاقات الحضور المعلقة حول أعناق المشاركين.

فلدى LEAP 2026 فئة أعلى من VIP، وهي VVIP. حرفا V، لا حرف واحد. رأيت هذه البطاقة مرارًا في أروقة مركز الرياض للمعارض والمؤتمرات، وبدا لي أن هذه القطعة البلاستيكية الصغيرة تلخص الحدث أفضل من أي كلمة ألقيت على منصاته.

فعندما يصبح حتى تصنيف VIP بحاجة إلى مستوى أعلى منه، ربما لا توجد صورة أوضح من ذلك لحجم ما وصل إليه الحدث. فقد استقطبت نسخة هذا العام 1,289 مستثمرًا يمثلون 1,016 شركة تدير أصولًا بقيمة 14.5 تريليون دولار. وعندما يجتمع هذا الحجم من رأس المال في مكان واحد، فلا بد أن يخترع أحدهم غرفة أعلى من غرفة الـVIP.

وقبل LEAP، كتبت في هذا العمود أنني سأتابع الحدث من خلال أربعة محاور: البنية التحتية، والذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI)، والمنتجات التي تضع اللغة العربية في صميم تصميمها، والمواهب. لم أكن أريد تقييم الأسبوع بحجم ما سيُعلن عنه من استثمارات، بل بما يمكن أن تسفر عنه هذه الإعلانات فعليًا.

وبعد أربعة أيام من LEAP، حان وقت التقييم.

وقبل أي شيء، كان هناك أمر واضح لا يحتاج أصلًا إلى أي معيار للحكم عليه. لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد موضوع ضمن فعاليات LEAP، بل كان حاضرًا في كل شيء. الصحة والطاقة والمدن الذكية والألعاب والخدمات اللوجستية. بدا أن كل منصة في الحدث أصبحت منصة للذكاء الاصطناعي. 

وهذا يذكّر بما حدث مع الكهرباء قبل قرن؛ فقد بدأت كصناعة قائمة بذاتها، ثم أصبحت جزءًا أساسيًا من كل صناعة أخرى. وفي LEAP 2026، بدا أن الذكاء الاصطناعي وصل إلى مرحلة مشابهة. فلم يعد مجرد مسار ضمن فعاليات الحدث، بل أصبح بصورة متزايدة الأساس الذي تقوم عليه بقية المسارات.

أما البنية التحتية، وهي أول المحاور الأربعة التي كنت أراقبها، فشهدت أوضح تحول خلال الأسبوع: يبدو أننا نغادر عصر مذكرات التفاهم وندخل عصر التشغيل الفعلي. فبحسب وكالة الأنباء السعودية، شهد اليوم الأول وحده إعلانات عن مشاريع واستثمارات وشراكات في قطاع التكنولوجيا بأكثر من 15 مليار دولار. لكن ما لفت انتباهي لم يكن قيمة التعهدات بقدر ما كان وراءها، من بنية تحتية تعمل بالفعل أو مشروعات لها مواعيد واضحة لبدء التنفيذ.

فقد أعلنت AMD وCisco وHUMAIN أن بنيتها التحتية للذكاء الاصطناعي، المدعومة بمعالجات AMD Instinct، دخلت مرحلة التشغيل الفعلي في السعودية وبدأت بالفعل في خدمة العملاء. كما تخطط الشركات لتوسيعها على نطاق أكبر بكثير، بإضافة قدرات تصل إلى 250 ميغاواط من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بدءًا من عام 2027.

وأكدت AWS أن أول منطقة سحابية لها في السعودية ستبدأ العمل في ديسمبر، ضمن استثمارات مخطط لها تتجاوز 5.3 مليار دولار. وفي نوفمبر، ستبدأ منطقة مراكز البيانات التابعة لـMicrosoft في شرق السعودية عملها، بينما سيصبح جهاز HUMAIN AI PC، الذي يعمل بنظام Microsoft Windows، متاحًا لعملاء الشركات اعتبارًا من 20 سبتمبر.

مناطق سحابية محلية. قدرات حوسبة محلية. وأجهزة للذكاء الاصطناعي تُشغّل محليًا.

هذا الأسبوع، لم يعد مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي (Sovereign AI) مجرد فكرة على الورق، بل تحول إلى بنية تحتية ملموسة. وفي LEAP هذا العام، كانت المواعيد المحددة للتنفيذ أهم من الوعود الكبيرة. وهذه، بالنسبة لي، نقطة تحسب له.

وراء كثير من هذه المواعيد يقف طرف واحد يتكرر حضوره، وهذه تحديدًا نقطة أريد أن ينتبه إليها زوار LEAP القادمون من مناطق أخرى.

في أسواق كثيرة، يتركز دور الدولة في قطاع التكنولوجيا على التنظيم والشراء، وأحيانًا تقديم الدعم. أما في السعودية، فالحكومة تلعب دورًا أوسع بكثير، من جمع الشركات وتوجيه رأس المال إلى دعم البنية التحتية، إلى جانب كونها أحد كبار العملاء. فالإعلانات التي تجاوزت قيمتها 15 مليار دولار في اليوم الأول من LEAP لم تأتِ بمعزل عن سياق أوسع، بل تندرج ضمن استراتيجية وطنية للتكنولوجيا يجري تنفيذها على أرض الواقع. وكانت HUMAIN، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، في قلب كثير من أبرز إعلانات الأسبوع.

ثم هناك الحكومة نفسها كمستخدم للتكنولوجيا. فخلال LEAP، جرى تكريم 62 جهة حكومية بعد استكمال دمج 926 خدمة حكومية في تطبيق توكلنا (Tawakkalna)، الذي يضم أكثر من 36 مليون مستخدم، ويشهد أكثر من 85 مليون معاملة يوميًا.

نادرًا ما رأيت حكومة بهذا الحضور الفاعل في قطاع التكنولوجيا الذي تستضيفه. ففي أماكن أخرى، غالبًا ما تلعب الدولة دور الحكم. أما هنا، فهي أيضًا لاعب..

أما المحور الثاني، فكان الذكاء الاصطناعي الوكيلي (Agentic AI).

قبل LEAP، توقعت أن نرى الوكلاء ينتقلون من العروض التجريبية إلى الاستخدام التجاري الفعلي، وأن تبدأ الشركات في شرائهم بدلًا من الاكتفاء بمشاهدة ما يمكنهم فعله. لكن ما حدث كان مختلفًا قليلًا. فبدلًا من وصول الوكلاء كمنتجات منفصلة، بدأوا يدخلون إلى الشركات من خلال البرامج التي تستخدمها بالفعل. 

وتخطط HUMAIN وMicrosoft لطرح HUMAIN ONE إلى جانب Microsoft 365، بما يشمل Copilot، في حزمة واحدة من أدوات العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي للشركات، على أن تستهدف في البداية مليون مستخدم في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وهنا يكمن الفارق. فتبني الذكاء الاصطناعي يصبح أسهل عندما يصبح جزءًا من الأدوات وسير العمل الذي تعتمد عليه الشركات بالفعل، بدلًا من أن يظل مشروعًا تجريبيًا منفصلًا. عندها تصبح الانتقال من التجربة إلى الاستخدام اليومي أسرع بكثير.

ولم يبقَ الوكلاء خلف الشاشات أيضًا. فقد أعلنت HUMAIN وApplied Intuition عن خطط لنشر آلاف الشاحنات ذاتية القيادة على طرق الخدمات اللوجستية في السعودية بحلول عام 2030، تمهيدًا لما تقول الشركتان إنه سيكون أكبر شبكة للشاحنات ذاتية القيادة في العالم.

وهكذا، بدأ مفهوم الذكاء الاصطناعي الوكيلي يتجاوز برمجيات المكاتب إلى تطبيقات تعمل على الأرض. فهناك وكلاء يساعدون الموظفين على التعامل مع بيانات الشركات وسير العمل، بينما سيتولى أخرون نقل البضائع على الطرق السريعة.

أما المحور الثالث، وهو المنتجات التي تضع اللغة العربية في صميم تصميمها، فقد شهد هو الآخر انتقالًا من الطموح إلى التنفيذ. فمن المقرر إتاحة نموذج ALLAM للغة العربية، الذي طورته HUMAIN، عبر Amazon Bedrock، لتصبح إمكاناته باللغة العربية متاحة للشركات من خلال واحدة من أبرز منصات الذكاء الاصطناعي التوليدي الموجهة للشركات في العالم. 

وفي خطوة أخرى، أصبحت Adobe أول شركة برمجيات عالمية تنقل جزءًا من عمليات الذكاء الاصطناعي لديها إلى البنية التحتية لـHUMAIN، حيث نقلت عمليات توصيف البيانات الخاصة بالمنطقة إلى خوادم مستضافة محليًا داخل السعودية. وهذه نقطة مهمة. فتوطين البيانات لم يعد ينظر إيه باعتباره مجرد استجابة للمتطلبات التنظيمية، بل أصبح ميزة في المنتج نفسه.

وقدمت HPE مثالًا آخر من خلال مبادرة «Saudi Made, Developed, Deployed»، التي تجمع بين بنية تحتية مصنّعة محليًا وبرمجيات مطورة في السعودية، إلى جانب خدمات التنفيذ والدعم من داخل المملكة.

والاتجاه واضح. فالحديث يتحول تدريجيًا من استيراد التكنولوجيا إلى بناء مزيد من مكونات المنظومة داخل المملكة، من البنية التحتية والتطبيقات إلى المهارات والقدرة على التنفيذ.

ويبقى المحور الرابع، المواهب، وهو المحور الذي وصفته قبل LEAP بأنه الأصعب.

قبل LEAP، كتبت أن المواهب لا يمكن توفيرها بمجرد إعلان على إحدى المنصات. وبالفعل، لم يصعد أحد إلى المنصة ليعلن فجأة عن 10 آلاف مهندس من ذوي الخبرة. فإعداد المهندسين واستقطابهم وتطوير خبراتهم والاحتفاظ بهم يحتاج إلى سنوات، ولا يمكن تسريع هذه العملية بالطريقة نفسها التي يمكن بها شراء التكنولوجيا أو البنية التحتية.

لكن اللافت هذه المرة أن طريقة التعامل مع هذه الفجوة بدأت تتغير.

فقد أطلقت AWS خلال LEAP أكاديمية مجانية للتدريب على الذكاء الاصطناعي، لتجمع بين استثماراتها في البنية التحتية والعمل على تطوير المهارات. كما كان الحديث عن التدريب ودعم المطورين حاضرًا بقوة في مختلف النقاشات حول الحوسبة والخدمات السحابية طوال أيام الحدث.

ورأيت ذلك بنفسي في جناحنا بالقاعة الخامسة. فعلى مدار أربعة أيام، كان الحوار يتكرر بالصورة نفسها. يبدأ بالبنية التحتية وينتهي بالمواهب. لم يسألنا أحد أين يجد وحدات معالجة الرسوميات (GPUs)، الجميع كان يسأل أين يجد المهندسين القادرين على إنجاز العمل وبناء منتجات حقيقية وإطلاقها. فلا يمكنك توقيع مذكرة تفاهم والحصول على مهندس جاهز. يمكن شراء قدرات الحوسبة بسرعة، أما المهندسون والمطورون القادرون على البناء والتنفيذ فيحتاج إعدادهم إلى سنوات.

وهنا تكتمل الحلقة الأخيرة في تحقيق السيادة، وهي المواهب.

وهذه هي حصيلة ما رأيته: هناك الآن مواعيد فعلية للتنفيذ. البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تعمل بالفعل، وجهاز HUMAIN AI PC سيُطرح في 20 سبتمبر، ومنطقة Microsoft السحابية ستبدأ العمل في نوفمبر، تليها منطقة AWS في ديسمبر. لكن المواهب تظل الجزء الوحيد الذي لا يمكن وضع جدول زمني دقيق له، رغم أن تنفيذ كل ما سبق يعتمد عليها في النهاية.

ومع ذلك، أكثر ما جعلني متفائلًا في LEAP لم يكن إعلانًا أو مشروعًا جديدًا على أي من منصاته، بل كان الطلاب. كانت القاعات مليئة بالشباب، يتابعون باهتمام بعضًا من أكبر شركات التكنولوجيا في العالم وهي تتوسع في السوق السعودية. وكان واضحًا أن الرسالة تصل إليهم من دون أن يحتاج أحد إلى شرحها. هذا هو العالم الذي سيعملون فيه، وهذا العالم يحتاج إليهم.

لا يمكن لأي مؤتمر أن يعلن فجأة عن جيل جديد من المهندسين والمطورين وصناع التكنولوجيا. لكن حدثًا مثل LEAP يستطيع يضع شابًا في التاسعة عشرة أمام كل ما يُبنى حوله، ثم يترك لطموحه أن يفعل الباقي. ومن بين كل ما رأيته خلال ذلك الأسبوع، كان هذا أكثر ما جعلني متفائلًا.

وهذا يعيدني إلى بطاقة الـVVIP.

فوجود هذه الفئة يقول إن رأس المال وصل، ومواعيد التنفيذ تقول إن البنية التحتية في طريقها هي الأخرى.

أما ما أريد أن أراه في LEAP 2027 فهو الخطوة التالية، رقم كبير لا يُقاس هذه المرة بالميغاواط أو بمليارات الدولارات، بل بعدد الأشخاص القادرين على بناء هذه التكنولوجيا، وبطموح وحجم يوازيان ما نراه اليوم من استثمار في مراكز البيانات.

وعندما يأتي اليوم الذي يمكن فيه الإعلان على إحدى منصات LEAP عن تقدم بهذا الحجم، ستكون السعودية قد اقتربت أكثر من تحقيق السيادة التي دار حولها كثير من الحديث في LEAP هذا العام.

تلك جلسة سأقف في طابور لحضورها، حتى من دون بطاقة VVIP.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.