عربي

دبي ودورها المتنامي في الاقتصاد الرقمي العالمي

English

دبي ودورها المتنامي في الاقتصاد الرقمي العالمي

بقلم أرتيم شارجين، رائد أعمال مقيم في الإمارات، والشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات في Oto8

أتاح الاقتصاد الرقمي للشركات العمل من أي مكان تقريبًا، لكن اختيار المكان الذي تُدار منه أعمالها لا يزال مهمًا.

فقبل عشرين عامًا، كانت شركة الإنترنت التي تطمح إلى اكتساب المصداقية وجذب الاستثمارات والوصول إلى الأسواق العالمية تتجه غالبًا إلى وادي السيليكون. أما اليوم، فمن الممكن تأسيس شركة من أي مكان تقريبًا. لكن مع توسع أعمالها عبر الدول والأسواق، يعود موقعها ليلعب دورًا مهمًا في مدى قدرتها على إدارة عملياتها وعلاقاتها عبر الأسواق المختلفة.

وهنا تبرز دبي كمركز لإدارة شركات تمتد أعمالها عبر أسواق متعددة، إذ يستطيع المؤسسون من خلالها تنسيق فرق العمل وإدارة الشؤون المصرفية والقانونية والشراكات، بينما تمتد أنشطة الشركة نفسها وعلاقاتها التجارية حول العالم. وقبل عقد من الزمن، كانت سان فرانسيسكو أو لندن أو سنغافورة الخيارات الأكثر حضورًا أمام المؤسسين الساعين إلى هذا الانتشار العالمي.

لكن هذا لا يعني أن دبي هي الخيار الأنسب لكل شركة. فتكاليف التشغيل قد تكون مرتفعة، وبعض الكفاءات المتخصصة قد لا تتوافر محليًا، كما أن الشركات التي تتركز أعمالها في سوق محلية واحدة قد تجد خيارات أخرى أكثر ملاءمة. أما الشركات التي تتوزع فرقها وعملاؤها وشركاؤها عبر مناطق مختلفة من العالم، فتقدم لها دبي ميزة مختلفة: موقعًا يمكن من خلاله إدارة هذه الشبكة من العلاقات وتنسيق الأعمال بينها.

إدارة أعمال عالمية من دبي

وقد لمست هذا التحول من خلال تجربتي الشخصية.

فبعد تأسيس شركات في الإمارات، في مجالي الأزياء الرقمية والموسيقى، رأيت بنفسي كيف تغيرت طريقة بناء الشركات وإدارة أعمالها اليوم، فلم يعد من الضروري أن تجتمع فرق العمل والمواهب الإبداعية والجمهور والشركاء والعملاء في البلد نفسه الذي يوجد فيه المقر الرئيسي للشركة.

وتُدار شركتي الحالية من دبي، في حين تمتد أعمالها عبر أسواق متعددة. وقد رسخت هذه التجربة لدي قناعة بأن وجود المقر الرئيسي للشركة في الإمارات لا يعني أن تتركز جميع قدراتها وجمهورها وعلاقاتها التجارية فيها، بل يمكن أن تتوزع في أسواق مختلفة حول العالم.

ويمتد هذا التحول إلى منظومة الشركات الناشئة في دبي أيضًا. فقد قدّر تقرير «منظومة الشركات الناشئة العالمية 2026» الصادر عن Startup Genome قيمة منظومة الشركات الناشئة في دبي بنحو 30 مليار دولار، وصنفها في المرتبة الثانية على مستوى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، والأولى في الخليج.

لكن نمو هذه المنظومة لا يعني أن الشركات ستجد داخل دبي وحدها جميع ما تحتاج إليه من كفاءات وعملاء ورؤوس أموال. فإحدى أهم نقاط قوة دبي اليوم تكمن بشكل متزايد في قدرتها على ربط الشركات بالأسواق العالمية وما توفره من فرص وموارد، لا أن تكون بديلًا عن هذه الأسواق.

دبي حلقة وصل بين الأسواق

لا يتوقف اختيار المؤسسين لمقر شركاتهم على موقعه الجغرافي فحسب، بل يرتبط أيضًا بسهولة إدارة الأعمال منه. وهنا تتمتع دبي بميزة واضحة بالنسبة إلى الشركات التي تنتشر فرقها وأنشطتها حول العالم، إذ يساعد موقعها على تجاوز تعقيدات فروق التوقيت، ويسهّل إدارة العمل والتواصل بين فرق تعمل في مناطق زمنية مختلفة، فيمكن التواصل مع آسيا في بداية اليوم، ومواصلة العمل مع أوروبا خلال ساعات النهار، ثم مع الأميركتين في وقت لاحق.

وتكتسب سهولة السفر والوصول أهمية مماثلة، فالعمل عن بُعد لا يلغي حاجة فرق العمل والشركاء إلى اللقاء وجهًا لوجه. وبنهاية النصف الأول من عام 2026، كان مطار دبي الدولي يربط المدينة بـ217 وجهة في 99 دولة. وبالنسبة إلى الشركات التي تعتمد أعمالها على علاقات وشراكات دولية، فإن وجودها في مدينة يسهل الوصول إليها من مختلف أنحاء العالم قد يكون مهمًا بقدر وجود مكتب فعلي لها.

وهنا تتضح بصورة أكبر أهمية دبي كحلقة وصل بين الأسواق.

فقد تبني شركة جمهورها في أميركا اللاتينية، وتتعاون مع شركاء في أوروبا، وتخدم عملاء في الولايات المتحدة، بينما تدير أعمالها من دبي. أي أن المدينة لا تحتاج إلى أن تكون السوق الرئيسية للشركة أو موطن جميع أنشطتها، بل المركز الذي يربط بين مختلف الأسواق التي تعمل فيها ويسهّل إدارتها.

وتزداد أهمية هذا الدور مع اتساع فرص النمو خارج المراكز الغربية التقليدية، وظهور فرص جديدة في آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية. ومن موقعها في دبي، تستطيع الشركة العمل في أكثر من سوق والاستفادة مما يقدمه كل منها، من دون أن تضطر إلى حصر أعمالها في مركز جغرافي واحد.

ويضيف التنوع الثقافي الذي تتميز به دبي بُعدًا آخر إلى هذه الميزة. فالمدينة تجمع علامات تجارية وصناع محتوى وشركات من مجالات الموسيقى والأزياء والرياضة والترفيه وغيرها من قطاعات الثقافة الرقمية. وهذا التنوع يتيح للشركات التي تصل إلى جمهورها عبر الإنترنت فرصًا أوسع لبناء الشراكات والتوسع في توزيع منتجاتها والوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور.

ولا يعني ذلك أن وجود الشركة في دبي يغنيها عن تكوين فرق عمل في أسواق أخرى، أو بناء علاقات فيها، أو فهم طبيعتها واحتياجاتها. وهنا تحديدًا يختلف دور دبي عن المراكز التقليدية، فبدلًا من أن تضطر الشركة إلى جمع جميع فرقها وأنشطتها في مدينة واحدة، يمكنها إدارة أعمال موزعة بين أسواق مختلفة انطلاقًا من دبي.

اقتصاد صناع المحتوى يعزز هذا النموذج

ويظهر هذا التحول بوضوح أيضًا في النمو الذي يشهده اقتصاد صناع المحتوى.

فبحسب تقرير عن الأثر الاقتصادي لتيك توك في الإمارات، أُعد بالتعاون مع شركة Redseer Strategy Consultants، أسهمت الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تستخدم المنصة بنحو 1.1 مليار درهم في اقتصاد الإمارات، كما ساهم نشاطها في دعم أكثر من 7 آلاف وظيفة.

ورغم أن هذه الأرقام لا تعكس حجم اقتصاد صناع المحتوى بأكمله، فإنها تكشف جانبًا من أثره المتزايد، وكيف يمكن للانتشار عبر المنصات الرقمية أن يفتح المجال أمام تأسيس شركات جديدة وخلق فرص عمل ونشاط اقتصادي على أرض الواقع.

ومع دخول المزيد من صناع المحتوى عالم ريادة الأعمال، تتسع احتياجاتهم بدورها. فإدارة شركة تتطلب أكثر من صناعة المحتوى والوصول إلى الجمهور، إذ يحتاجون إلى إجراءات لتأسيس الشركات وتسجيلها، وخدمات مصرفية وضريبية، وتراخيص، وغيرها من الخدمات المهنية، بينما تظل جماهيرهم وشراكاتهم وعلاقاتهم التجارية ممتدة عبر أسواق مختلفة حول العالم.

ولهذا بدأت الإمارات في تطوير خدمات ومبادرات تستجيب لهذه الاحتياجات. ففي عام 2025، أُطلق «مقر صناع المحتوى» (Creators HQ) في دبي، في إطار صندوق دعم صناع المحتوى البالغة قيمته 150 مليون درهم، والذي أُنشئ بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. ويساعد المقر صناع المحتوى على تأسيس شركاتهم وتسجيلها والانتقال إلى الإمارات، كما يتيح لهم فرصًا للوصول إلى التمويل والمستثمرين.

ولا تتعلق أهمية هذه الخطوات بمبادرة واحدة في حد ذاتها، بقدر ما تشير إلى تحول في طبيعة اقتصاد صناع المحتوى نفسه، وتغير أوسع في النظرة إلى الأعمال التي يقودونها. فالأعمال التي يؤسسها صناع المحتوى باتت شركات قائمة بذاتها، ولها احتياجات لا تختلف كثيرًا عن احتياجات غيرها من الشركات الرقمية.

ومع ذلك، لا تحل دبي محل الأسواق التي يوجد فيها جمهور هؤلاء المبدعين وتنمو فيها أعمالهم. وإنما توفر لهم مقرًا يديرون منه أعمالهم، ويربطون من خلاله بين مختلف الأسواق التي يعملون فيها.

ماذا يعني ذلك لمؤسسي الشركات في المنطقة؟

بالنسبة إلى مؤسسي الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتمثل التحول الأهم في أن مقر الشركة لم يعد بالضرورة هو المكان الذي تتركز فيه خبراتها أو أسواقها. فقد يعتمد مؤسس على مهندسين ومطورين في مصر، ويبني علاقاته التجارية في السعودية، ويجمع التمويل عبر الإمارات، بينما يبيع منتجاته في أوروبا أو آسيا أو الولايات المتحدة، من دون أن يكون الانتقال إلى لندن أو وادي السيليكون شرطًا للوصول إلى الأسواق العالمية.

وهكذا، لم يعد بناء شركة عالمية يتطلب جمع كل عناصرها في مكان واحد.

فلكل سوق في المنطقة ما يمكن أن تضيفه. يمكن لدبي أن تكون مركزًا لإدارة الأعمال والربط بين الأسواق إقليميًا ودوليًا، بينما تتيح السعودية الوصول إلى أكبر اقتصاد في المنطقة وقاعدة متنامية من رؤوس الأموال، وتمتلك مصر قاعدة كبيرة من المواهب التقنية والإبداعية. وتقدم أسواق أخرى بدورها خبرات وقواعد عملاء ومزايا تنافسية مختلفة.

والفرصة هنا ليست في أن تحاول كل مدينة أن تصبح «وادي السيليكون» الجديد، بل في أن تتكامل هذه الأسواق ويستفيد كل منها مما يقدمه الآخر. وبالنسبة إلى المؤسسين، لم يعد السؤال فقط: «إلى أين أنقل شركتي؟»، بل أصبح: «أين المكان الأنسب لكل جزء من أعمالها؟».

فالمقر الرئيسي وتطوير المنتجات واستقطاب المواهب وجمع التمويل ودخول الأسواق الجديدة، لا تحتاج جميعها إلى أن تتم في المكان نفسه. وهنا تحديدًا يمكن أن تتميز دبي، بفضل موقعها في قلب هذه الروابط.

ويعمل هذا النموذج في الاتجاهين، فمن دبي، تستطيع شركات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الوصول إلى الأسواق العالمية، وفي المقابل يمكن للشركات العالمية اتخاذها نقطة انطلاق لبناء حضورها وعلاقاتها في المنطقة. وهكذا تكمن قيمة دبي على جانبي هذه الصلة: في مساعدة شركات المنطقة على التوسع عالميًا، ومساعدة الشركات العالمية على الوصول إلى المنطقة.

ولا تقتصر آثار هذا التحول على الشركات الناشئة نفسها. فإذا استطاعت شركات المنطقة التوسع عالميًا مع الحفاظ على ارتباط عملياتها الأساسية بها، يمكن أن يبقى داخل المنطقة قدر أكبر من الملكية الفكرية والخبرات الإدارية ورؤوس الأموال والوظائف ذات القيمة المضافة العالية. وبذلك، يمكن للشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن ينتقل من كونه سوقًا تستهدفها شركات التكنولوجيا العالمية فحسب، إلى منطقة تنطلق منها أيضًا شركات رقمية قادرة على المنافسة عالميًا.

ميزة دبي في إدارة الأعمال

لا تكمن قوة دبي في أن توفر للشركات كل ما تحتاج إليه داخل سوق واحدة، بل في قدرتها على الربط بين ما تحتاج إليه أعمالها في أسواق مختلفة. فهي تجمع في مكان واحد قدرًا كبيرًا من البنية التحتية ورؤوس الأموال والخدمات المهنية والمواهب، إلى جانب سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية. ولا يعني ذلك أن بناء شركة تعمل دوليًا أصبح بلا تحديات، لكنه يخفف كثيرًا من الصعوبات التي تصاحب إدارة أعمال تمتد عبر عدة أسواق.

وبالنسبة إلى مؤسسي الشركات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ربما يكون هذا هو التحول الأهم، فالطموح إلى بناء شركة عالمية لم يعد يستلزم مغادرة المنطقة. يمكن تأسيس الشركة فيها، والاستفادة من المزايا التي توفرها أسواقها المختلفة، والعمل على المستوى الدولي منذ البداية.

وقد لا تُقاس عالمية الجيل المقبل من الشركات بموقع مقرها الرئيسي بقدر ما تُقاس بقدرتها على الاستفادة من المواهب والخبرات والفرص الموجودة في دول وأسواق مختلفة، والربط بينها بكفاءة.

وفي هذا المشهد، ستكون المدن الأكثر نجاحًا هي التي تجعل بناء هذه الروابط وإدارتها أكثر سهولة. ودبي ترسخ مكانتها تدريجيًا كواحدة من هذه المدن.

Thank you

Please check your email to confirm your subscription.