إعادة تشكيل أماكن الاجتماع غير الرسمية في المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

التعلّم خارج إطار المؤسسات التعليمية هو ميزة جوهرية من ميزات وجودنا الإنساني. ولكن الكثير من المدن العربية لم تعد تقدم منصات للاجتماعات العفوية والاجتماعية.

أصبحت المجمعات التجارية أماكن الاجتماع الرئيسية في الخليج، ولكنها شعبية كثيرًا لدرجة أنها غير مناسبة لبناء بيئة خلاقة للازدهار. أما المكتبات القليلة في المنطقة فهي غالباً ما تكون رسمية جداً لدرجة أنها لا تسمح بالمحادثات الحيوية والاجتماعات التي تقود إلى أفكار مبتكرة. والمقاهي العربية أيضاً غير مناسبة للتفاعلات الفكرية مع شاشاتها التلفزيونية البراقة وموسيقاها الصاخبة وهوائها الضبابي.

أما "الأماكن الثالثة" التي كانت بمثابة منتديات فكرية وخلاقة وسياسية فهي أساس المجتمع المترقب والمجتهد. فعمر بن الخطاب بنى مكاناً سمّي البطيحه حيث كان الناس يشاركون في نقاشات حرة. ولقرون شهدت بغداد اجتماعات شعرية وصفوفاً مختلفة كانت تجري في المتاجر في أنحاء المدينة، وبحسب قول منير الدين أحمد مؤلف كتاب التعليم الإسلامي، "نادرًا ما تمرّ فترة خلال اليوم من دون أن تنظم خلالها صفوفًا في مكان ما في المدينة".    

لطالما كانت هذه الأماكن عنصراً أساسياً في المجتمعات الصحية بسبب قدرتها الطبيعية على توليد أجواء حيوية وخصبة ومميزة، ولأنها تشبع عطشنا لتبادل الأفكار والتعلّم وحتى الإبداع. ومقهى "كافيا عرب" Caféa Arabهو خير مثال على ذلك. وقد وصف أحمد المجيد، أحد المساهمين في ومضة، حضوره إلى هناك قائلاً: "عرض لفيلم وثائقي لمخرج سعودي صاعد، وطاولة حوار مفتوح نظمها فنان قدير، وحفل لجمع التبرعات نظمته امرأة سعودية تعمل على مشروع يسعى إلى تزويد الأيتام الغانيين بالمياه النظيفة" وكل هذه الأحداث حصلت "في هذا المكان المتواضع نفسه".

إذاً ما هي مميزات هذه الأماكن وكيف يمكننا أن ننشرها في مجتمعاتنا؟

في استطلاع رأي مثير للاهتمام أجراه راي أولدنبرغ بعنوان "المكان المناسب العظيم" The Great Good Place يصف هذه الأماكن بأن "مظهرها غير ملفت" ومحايدة، حيث "المحادثة هي النشاط الرئيسي الذي يجري فيها والمحرّك الأساسي لعرض وتقدير الشخصية والفرادة الإنسانية". 

وعادة ما تكون الأجواء فيها مرحة والديكور بسيط وجاذب، فالطاولات والكراسي الخشبية مثلاً تعطي الشعور بأنك في المنزل وتلهم مناقشات أطول وأكثر راحة. كما أن السقف العالي يزيد من الجو المناسب للإبداع في هذه الأماكن بينما السقف المنخفض يساعد في إنجاز مهام فيها الكثير من التفاصيل وتتطلب تركيزاً. (من المفيد أن نعرف بعض المبادئ التصميمة الأساسية عند الحديث عن التصميم الداخلي لهذه الأماكن).  

ولا يمكنني أن أبالغ في وصف أهمية عدم وجود تلفزيونات وموسيقى عالية في "الأماكن الثالثة" ومن الأفضل ألاّ تجعلوني أبدأ الشكوى من النرجيلة. ولكن يجب ألاّ ننسى أن العنصر الأساسي في هذه الأماكن هو المناقشات وأي إلهاء عنها يخفف من فعالية هذه الإماكن في إخراج ما هو أفضل في الأفراد الموجودين. ويذكر أولدنبرغ أنه "في بعض الدول تم وقف البث التلفزيوني لليلة كلّ أسبوع كي لا يفقد الناس عادة الخروج من منازلهم" والاختلاط مع الآخرين.

ولكن دعوني أبلور فكرة المكان الثالث أكثر بعد.

الكتابة وليس القراءة فقط

إن المشكلتين الرئيسيتين في زمننا هذا هو غياب روح المبادرة (خصوصاً بين الشباب) والانتشار الكبير للنزعة الاستهلاكية كجزء من نسيج الكثير من المجتمعات. ومعظمنا مستهلكون سلبيون لا نعرف الكثير عن كيفية عمل الأجهزة التي نستخدمها. فأن نكون قادرين على استخدام التكنولوجيا لا يجعلنا ضليعين فيها. ويقول البروفيسور في معهد ماساتشوستس للتقنية MIT إنّ "الطلاقة الرقمية" يجب أن تعني التصميم والخلق وإعادة المزج وليس فقط تصفح الإنترنت والدردشة والتفاعل". ولكننا من النادر أن نجد مجموعة طلاب يصلحون جهازًا في مقهى أو ورشة عمل.

تتركز معظم الجهود والمناقشات الريادية في منطقة الشرق الأوسط على خلق أدوات وخدمات أفضل على الإنترنت. ولكن خلال 15 عاماً سيشكل الجيل الرقمي العربي 38% من مجمل سكان الشرق الأوسط غير أني أخشى أن معظم هذه المجموعة سيكونون قادرين فقط على "القراءة" وليس "الكتابة".

ولم يُنجز الكثير من أجل تشجيع العرب على الاختبار وصناعة الأشياء وتصميم تكنولوجياتهم الخاصة. وقد اقترح ديل دوترتي مرة أن تشتري المكتبات "أدوات لوحة التطوير آردوينو Arduino وجعلها في متناول الجميع لكي يستعيروها واللعب بها ثم إعادتها، تمامًا كما يفعلون مع الكتب.

لكن ما علاقة ذلك بالأماكن الثالثة؟ حين ظهرت المقاهي في الشرق الأوسط وأوروبا، احتوت الكثير منها على كتب بإمكان الشخص أن يأخذها من الرف وقراءتها أثناء ارتشاف قهوته أو انتظار صديق. كما أنه في المكتبات عادة ما يكون هناك مساحة مخصصة للدردشة. إلاّ أن التعلم يحصل حين نتخيّل ونبني أشياء ولذلك نحتاج أن نعيد التفكير في الأماكن الثالثة التقليدية، وأن نتيح مساحة أكبر للنشاطات العملية التي يمكنها أن تطلق شرارة الإبداع والابتكار.

وفي النهاية، الأمر الذي سيقرر فعلاً ما إذا كانت الصحوة العربية نجحت أم لا، هو إن غيّرنا الدور الذي يلعبه الأفراد في المجتمع. وربما على الرياديين أن يركزوا أقل على تطوير خدمات رقمية وأكثر على خلق مساحات لمجتمعاتهم المحلية. فمن يعلم ما الابتكارات التي يمكن أن تخرج منها؟

حين يُعطى الناس مساحة لتبادل الأفكار والخلق، يصبحون جزءًا حقيقيًّا من مجتمعهم ويساهمون بطريقة مفيدة في تطويره فكرياً. لهذا السبب نحتاج إلى مساحات حقيقية تحفّز ما يصفه عالم الفيزيولوجيا ولتر بي كانون بأنه "خصوبة التجمُّع" أو الخلق الجماعي والمتواصل للأفكار الجديدة.

أُخِذت الصورة من صفحة "كافيا عرب" على فايسبوك.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة