لمَ العمل ببطء وثبات يحقّقان نجاحًا أسرع: قصة موقع تصميم

اقرأ بهذه اللغة

أصبحنا ندرك جميعنا مخاطر التضخيم الإعلامي على الساحة الريادية في الشرق الأوسط. ففي حين تحافظ الايجابية على اندفاع المؤسسين، إلا أنّ الدعوة إلى تنفيذ الأمور بسرعة أو جعلها سهلة يضلّل رواد الأعمال ويجعلهم يضعون توقعات خاطئة.  

قام السيد سعيد ناشف من مجموعة "صدارة فنتشرز"  Sadara Ventures بطرح معضلة تجلت بشكلٍ واضح عندما علّق على مقالٍ وجيز حول فلسطين نُشِر البارحة على موقع "مشابل" Mashable، وهو مقال آخر يقارن الشركات الناشئة بوادي السيليكون. وقد علّق السيد ناشف قائلاً إنّ الحصول على تغطية إعلامية هو أمر رائع إلا أنّ التضخيم الإعلامي قد يكون مضرّاً". 

وفي لمحة موجزة عن السيد ناشف على موقع "فوربز" Forbes، يفسّر الفكرة قائلاً: 

"إن بناء هذا النوع من البيئات الحاضنة يمكن فعلاً أن يغيّر ذهنية الناس ويمكنه فعلاً إحداث تغيير في التقاليد وبالتالي إحداث تغيير في الاقتصادات". وأضاف قائلاً:"لا يحدث ذلك بين ليلةٍ وضحاها وهذه أصعب فكرة أُعاني في نقلها إلى الناس الموجودين على الساحة التكنولوجية... علينا أن نقوم بعدد من التعديلات والتغييرات قبل أن تتكوّن النواة الأساسية لما سينضج ويتحوّل إلى بيئة حاضنة للشركات الناشئة". 

وعندما تكلم السيد ناشف عن "رواد الأعمال الحقيقيين" الذين يفشلون ثمّ يحاولون من جديد، أعطى مثال الريادية الأردنية نور الفضل التي جعلت موقع "تصميم أم إي" tasmeemME، وهو موقع تأسّس عام ٢٠١٠ لمساعدة المبدعين في البحث عن وظائف، يظهر الشهر الماضي بواجهة جديدة، بعد أن كُتب عنه كثيرًا في الإعلام في المراحل الأولى. 

بعد صفقة "مكتوب" في العام ٢٠٠٩، وخلال إطلاق أول مؤتمرٍ تكنولوجيٍّ لـ موقع "عرب نت"  في بيروت عام ٢٠١٠، قامت الفضل بطرح موقع "تصميم أم إي" مُحقِّقةً نجاحاً باهراً وفازت بجائزة "عرض الشركات الناشئة" في المؤتمر، ثم أدرِجت شركتها من بين الشركات الناشئة الخمسة الأولى في الشرق الأوسط خلال فعالية الاحتفال بريادة الأعمال عام 2010. 

وسرعان ما أصبحت الساحة التكنولوجية الأردنية الجديدة تمدحها كما لو كانت الطفلة المعجزة، وهي امرأةٌ شابّة تضع نظارات وشعرها قصير متحمسة لإدخال نفحة من الإبداع إلى المنطقة. 

ولكن، عندما عادت الفضل إلى عمّان بعد انتهاء المؤتمرات، لمست واقعًا مغايرًا على الأرض. فلم يؤدِّ الفوز بمسابقة إلى تلقيها الاستثمار مباشرة. لقد استمرت طويلاً في إقامة محادثات مع مستثمرين محلّيين من دون التوصل إلى قرار أكيد. كما كان إيجاد مطوِّر يلتزم بساعات عمل محددة ويستطيع تطوير الميزات التي أرادها فريق عملها أمراً في غاية الصعوبة. وقد استغرقت عملية تحفيز الزبائن على استخدام ميزات مدفوعة وقتاً طويلاً. 

عندما تحدثتُ مع فريق عمل موقع "تصميم أم إي" في شهر أيار/مايو ٢٠١٢ قبل إطلاقه مسابقة تصميم للمتحف الفلسطيني في بيرزيت، كان الفريق محبَطاً ولكن، متفائلاً. فبعد تلقي تمويل من مستثمرين تأسيسيين عام ٢٠١١، اعتمد الفريق على سياسة الحدّ من النفقات إلى أقصى حد وعثر على مكان عمل مريح في منطقة جبل عمّان، تحوّل فيما بعد إلى مساحة عمل مشتركة له. 

واليوم، انضم بعض أهم رواد الأعمال في الأردن إلى هذه المساحة وبما فيهم المبرمج ليث زريقات وهو أحد مؤسسي موقع "جيران" Jeeran الذي يُعتبَر من أعرق الشركات الناشئة في الأردن. وبفضل مساعدة موقع "تصميم أم إي" على تطوير برنامجه العام الماضي، انتقل زريقات إلى هذا المكان مع فريق عمله الكامل. وتخطط الفضل الآن لفتح المساحة أمام جميع الشركات الناشئة التكنولوجية. 

لقد تخطى فريق عمل موقع "تصميم أم إي" في العام ٢٠١٤ أبرز التحديات التي واجهها قبل عام. وتشبه واجهته الجديدة إلى حدّ كبير موقع "بيهانس" Behance الذي يضم ملفات أعمال إبداعية، مع تصميمٍ بسيط يركز على صور جميلة بدلاً من التركيز المعتاد على قوائم الوظائف، وذلك يميّزه عن موقع الوظائف "أخطبوط" في عمّان وموقع "بيت دوت كوم" الشهير في دبي. كما يوفر الموقع الآن ميزة إدارة إعلان وظيفة حيث يمكن لصاحب الإعلان أن يرفض الأشخاص أو ينتقيهم أو ينظّم استماراتهم. 

بعد إدخال عدّة تعديلات على نموذج العمل، قرر الفريق أن تكون إعلانات الوظائف مجانية، مع خيار إظهار أعمال طالبي الوظيفة. ولكن، يجب على أصحاب الإعلانات أن يدفعوا عبر "باي بال" PayPal أو نقداً عند الاستلام (فقط في الأردن) إن أرادوا التواصل مع الموظَفين المحتملين. وعندما يدفع المستخدمون لرؤية تفاصيل أكثر عن طالبي الوظيفة، يتم عرض إعلانهم على الصفحة الرئيسية أيضاً وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بـ موقع "تصميم أم إي".

وقد وظفت الشركة الناشئة أيضًا المطوّر الصعب المنال خالد حسنية الذي انضم إلى مديرة المشروع والمطورة هيا مجالي ليصبح الفريق مؤلفاً من ثلاثة أشخاص. وبهذا النموذج الجديد، "يجني الفريق ما يكفي للاستمرار في الشركة"، ويركّز أكثر على تسويق الناس له. وقد ازداد زوار الموقع منذ الصيف المنصرم بنسبة ٤٠٪ إذ تمّ نشر 55 ألف ملف على الوسائط الإعلامية وإضافة أكثر من 5500 مهارة ونشر أكثر من 1200 أعلان. وبالرغم من أنه يتم إيجاد الكثير من الوظائف خارج شبكة "تصميم أم إي"، لكن بحسب ما أفادته الفضل، عثر 400 شخص على وظيفية عبر منصتها. 

الدروس المستقاة

من أهمّ الدروس التي تعلمها فريق العمل هي أنّ تلقي ردود فعل هو أمرٌ أساسي، وأنه عند العمل مع فريق صغير، يجب العمل ببطء وإتقان المنتج بدلاً من التسرّع وعدم اختباره. وتماشياً مع الاستراتيجيات الجيدة التي تتبعها الفضل للحفاظ على الزبائن، تقوم الفضل بالتواصل مع زبائنها عبر إرسال رسائل شخصية لـ "أكبر عدد ممكن من المستخدمين الناشطين"، حسبما أفادت به. وقالت:"أرسل إليهم مثلاً رسالةً إلكترونية أقول فيها ’مرحباً، ما رأيكم بالعملية التي نتبعها؟ كيف كانت؟‘ فيجيبونني عبر إرسال تعليقاتهم".

لكنّ الدرس الأهم هو عدم بناء الخدمة سريعاً أو الوقوع ضحية التضخيم الإعلامي.

وصرّحت قائلةً:"تتعرّض الشركة لضغط كبير بعد حصول أمرٍ ما، كالفوز بجائزة مثلاً. فتشعر بالضغط لجمع المال وتأليف فريق عمل كبير. وهذا ما بدأتُ التركيز عليه بدلاً من التركيز على ما أردت فعله في بادئ الأمر. والآن عدت لأركّز على ما أردت تطويره وهو هذا المنتج".

وهي توافق على أن مقارنة الأردن أو أي منطقة أخرى في الشرق الأوسط بمنطقة وادي السيليكون لا تساعد دائماً الشركات الناشئة. وتشير إلى أن "البيئة الريادية تحاول إنشاء أكبر عدد ممكن من الشركات الناشئة بأسرع وقت ممكن من أجل بناء سجل حافل. ولكن، لم تحقّق منطقة وادي السيليكون  النجاح بين ليلةٍ وضحاها. إن نظرْنا إلى كافة النجاحات في منطقتنا، فقد استغرقت أكثر من عشر سنوات لتصل إلى ما هي عليه اليوم".

عبر اتباع نهجٍ بطيء وثابت، نأمل أن يكون يستطيع موقع "تصميم أم إي" النموّ سريعًا بفضل دعم جاد من البيئة الريادية الحديثة. وتقول الفضل:"إن التعليقات إيجابيةٌ جداً حتى الآن ومن الرائع أن نلقى هذا الدعم".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة