إساءة فهم ريادة الأعمال السعوديّة

اقرأ بهذه اللغة

عندما تنظر إلى ريادة الأعمال في المملكة العربية السعودية عن بعد، ترى أنّ إمكانياتها مختلفة جدّاً عن واقعها.

تكثر التصورات الخاطئة بشأن مدى اهتمام المستثمِرين بالساحة الريادية في البلاد، وتتعدّد الصور النمطية لقواعد العملاء. وبالإضافة إلى ذلك، يوجد الكثير من الأحكام المسبَقة غير المستنيرة حول المسائل القانونية، إضافةُ إلى الأفكار المربكة عمّا يحصل فعليّاً؛ وكلّ هذا يلطّخ صورة واقع البيئة الحاضنة للشركات الناشئة السعودية.

سواء اعتبرناها ثقافةً أو عقليةً، يتّفق الجميع على أنّ ريادة الأعمال في السعودية تنمو، ولو ببطء. ولكن، تجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ هذا البلد الذي تساوي مساحته مساحة جرينلاند تقريباً، يشكّل موطناً لعددٍ كبيرٍ من البيئات الحاضنة الصغيرة والمزدهرة التي تنتشر في أنحاء البلاد.

وفي إحدى المناقشات، ورد أنّ أغلبيّة المجازفين يتمركزون في غرب البلاد، فيما يتركّز الفّنيون في شرقها، والموارد الماليّة في وسطها.

مستقبل ريادة الأعمال في السعودية (الصورة من BBC)

مقالي اليوم لا يتناول عرض حالة البيئة الحاضنة في السعودية للقرّاء حول العالم، إذ سوف أتناول هذا الموضوع لاحقاً في مقالاتٍ أخرى. ولكنّ الجزء الأوّل من "إساءة فهم ريادة الأعمال السعوديّة، سيدور حول الإمكانات غير المستغلّة لأفرادٍ يريدون أن يصبحوا روّاد أعمال، كما سيوجّه رسالةً إلى المرأة المتردّدة في المخاطرة تحديداً. فهي إذ تكون مستعدّةً لدخول ريادة الأعمال، إلّا أنّ مقاومتها للمخاطرة تطغى على اندفاعها. ثمّ أنّها تسيء فهم قيمة الفشل والروادع الثقافيّة التي تقف في وجهها كثيرة جداً، من أمنٍ وظيفيّ ومؤسَّساتٍ عائليّةٍ عليها العمل فيها، ووجوب إنتاجها دخلاً سريعاً، والاكتفاء الذاتيّ، والحفاظ على سمعتها، واستيفاء التوقّعات الاجتماعيّة منها، وصولاً إلى ظروفٍ عائليّةٍ كثيرة.

بصفتي مساهِمٌ ناشط في البيئة الحاضنة للشركات الناشئة في المملكة، أتعرّف يوماً بعد يوم إلى نساء يُرِدنَ الدخول إلى ريادة الأعمال أكثر من الرجال. حزمهنّ المتنامي، وأخلاقيّاتهنّ الرصينة في العمل، وفضولهنّ غير المحدود، وتفاؤلهنّ حيال التعاون، كلّها لا تخفى على أحد. ويبدو، بغير طريقة، أنّهنّ أكثر قدرةً على إحداث التغيير وإتمام الأمور فعليّاً. وبمعنى آخر، أرى مستقبلًا باهراً لريادة الأعمال في السعودية تطغى عليه المرأة.

من خلال عنوان هذا المقال، أحاول ألّا أعكس أنّه يمكن للنساء أن يبرعنَ في مجال ريادة الأعمال وحسب، بل أنّهنّ قادراتٌ أيضاً على تأدية أدوارٍ قياديةٍ أكبر بكثير من أدوار نظرائهنّ الذكور. وإليكم الأسباب الرئيسة التي تدفعني إلى الاعتقاد بضرورة قيام عددٍ أكبر من النساء باستكشاف طموحاتهنَّ في ريادة الأعمال.

عدم المساواة بين الجنسَين لا يخفى على أحد: هذه المسألة التي نشهدها يوميّاً ليسَت عادلةً ولن تتغيّر بين ليلةِ وضحاها. أمّا في ريادة الأعمال، فالمرأة تُعامَل بمساواةٍ مع الرجل، وعلى أساس أفكارها ومهاراتها وعزمها على تجسيد أفكارها. والمستثمرون لا يهتمّون بجنسها بل بتفكيرها وسلوكها، كما أنّهم باتوا يفضّلون رؤية نساءٍ ناجحاتٍ في الآونة الأخيرة.

خياراتٌ محدودة في العلم والعمل: تبدأ اللائحة التي تتضمّن ‘ما يحقّ للمرأة أن تفعله وما لا يحقّ لها‘ في المدرسة الابتدائيّة. وعندما تصل إلى الجامعة، تواجه مشكلة نقص الخيارات نفسها، ناهيك عن تخرّجها وعدم إيجادها لوظيفةٍ تتحمّس تجاهها، حتى أنّ كثيراً من الخرّيجات السعوديات في الخارج يواجهنَ مشكلة عدم إيجاد الوظيفة المناسبة. وبالتالي، تصبح ريادةُ الأعمال الخيارَ الأوسع للمرأة لكي تصبح أكثر إنتاجية.

الجانب الاجتماعي الجيّد: على الأرجح، يوجد في السعودية روّاد أعمال اجتماعية أكثر مما هو في دبي، وأغلبيّة هؤلاء من النساء. هؤلاء الرياديات يشاركن أيضاً في أعمال تطوّعيّة، وينتمين إلى شبكاتٍ للمبادرات غير الربحية، وينشرن رسالاتهنّ عبر شبكات التواصل الاجتماعيّ بشكلٍ ناشطٍ دون أيّ تردّد. وحتّى هذا الوقت، لا تزال السعودية أكثر البلاد تغريداً في العالم على "تويتر" Twitter، وأكثرها مشاهدةً لمقاطع الفيديو على "يوتيوب" YouTube حيث يشكّل عدد المشاهدات فيها ثلث إجمالي عدد المشاهدات اليوميّة في العالم، كما أنّ الشباب السعوديّ يحمّل محتويات نوعيّةً أكثر ممّا تحمّله عدّة بلدانٍ أخرى مجتمعة. 

يهتمّ المستثمرون بمهارات رائد الأعمال بغض النظر عن جنسه. (الصورة من Cisco)

العائلات ذات الدخل المنخفض تحتاج إلى أمّهاتٍ خارقات: مع ازدياد ظاهرة الفقر وارتفاع عدد العائلات الكبيرة، يزداد عدد النساء اللواتي يجدنَ أنفسهنّ مرغماتٍ على اكتساب لقمة العيش لإعالة عائلاتهنّ. ووفقًا لتقرير وزارة العدل السعودية، الصادر في أيار/مايو 2015، فإنّ عدد حالات الطلاق اليوميّة في السعوديّة يبلغ حوالي 82 حالةً. والمرأة في هذه الحالة، إمّا تخرج اليوم بتعريفٍ جديدٍ لمصطلح "العائلة المنتِجة"، وإمّا تستمرّ مرغمةً بالاتّكال على المنظّمات لتأمين لقمة العيش. فالعزم للتمتّع بحرّيةٍ ماليةٍ هو محفّزٌ مهمّ.

النساء اليوم أكثر كفاءةً من أيّ وقت: لن أغوص في هذه النقطة كثيراً، ولكن سأقدّم إليكم بعض الحقائق الملموسة: أكثر من 60% من الخرّيجين الجامعيّين السعوديّين هم من النساء، وأكثر من 60% منهنّ عاطلاتٌ عن العمل؛ ولا داعي أيضاً للتذكير بأنّ النساء يمتلكن قوّةً اقتصاديّة بارزة. وبغضّ النظر عن خلاصتك من الموضوع، فالحقيقة هي أنّ مزيداً ومزيداً من النساء المتعلّمات سيصبحن مؤهّلاتٍ للعمل، واستكشاف الفرص، والمساهمة في الاقتصاد.

أسسٌ في مكانها المناسب: يوجد في السعوديّة أكثر من 40 حاضنة أعمال، والكثير من برامج تسريع النموّ. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ عدد صناديق التمويل المتخصّصة في ازدياد، وقد بدأ مستثمرون كثر من القطاع الخاصّ يفهمون ما ينطوي عليه الاستثمار التأسيسي. وبدورها، المبادرات والبرامج الجديدة التي تقرّ بضرورة دعم رائدات الأعمال تنتشر وتصبح أكثر شيوعاً.

من الأسواق المحليّة إلى الأسواق العالميّة: إنّ السعودية سوقٌ ممتازةٌ للتوسّع على مستوى كبير، فالبلاد تمتلك علاقاتٍ تجاريةً راسخةً مع الأسواق العالميّة أكثر مما تمتلكه منطقة الخليج العربيّ بأكملها. وعلى عكس الشركات الناشئة الإقليميّة، التي تميل إلى الاعتماد على أسواق كـالسعوديّة ومصر من أجل توسيع نطاق عملها قبل الانطلاق إلى العالمية، تتميّز السعوديّة بكونها كبيرةً بما يكفي وبقدرتها على دخول الأسواق العالميّة مباشرةً.

إنّه الوقت الأمثل لتصبح النساء "رائدات أعمال": تشكّل ريادة الأعمال بحدّ ذاتها حلّاً ممتازاً لمشاكل اقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ كثيرة، وكلا القطاعين العام والخاص يعتبرانها عنصراً بالغ الأهمّية لإنشاء فرص العمل وبناء المهارات ونشر الابتكار.

السعودية هي المكان الأنسب لكِ سيّدتي؛ فهناك يمكنك فعل ما تشائين من خلال ريادة الأعمال. الريادة منفذٌ إلى كلّ المنافذ، حيث أنّ العوائق الفعلية التي ستواجهينها هي العوائق التشغيلية نفسها التي يواجهها روّاد الأعمال الذكور. وفي العالم الريادي، لا يوجد تمييزٌ بين الجنسَين يمكن أن يحول دون اتبّاع شغفكِ وتحقيق أحلامك. إنّ مجتمع الشركات الناشئة السعوديّ حيّ ونابض بالحياة، ولدى المرأة دورٌ تؤدّيه تماماً كغيرها من الناس؛ وهذه ليست إلاّ البداية.

وأخيراً، سأترككم مع هذا القول الذي يدفعني دائماً إلى الأمام، وهو لـتوم والتون Tom Walton: "رأس المال ليس نادراً، بل الرؤية ضعيفة".

لمزيدٍ من المعلومات عن كيفية المُضيّ قُدُماً، لا تتردّوا في إخباري عن الدعم المتوافر في مدينتكم في المملكة.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة