المال ليس مطلباً أساسياً لروّاد الأعمال في الكويت [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

مدينة الكويت عند الفجر. (الصورة من رين فرحات)

عندما حطَّت طائرتي في الكويت يوم منذ أسبوعَين تقريباً، علمتُ بأنّ رحلتي إلى هذا البلد ستكون مميّزةً، ليس بسبب عدم الانتظار طويلاً في الصفوف، بل لأنّني حصلتُ على تأشيرة الدخول فوراً. لقد كانت هذه زيارتي الثالثة لهذا البلد، وشعرتُ بأنّ الأجواء والحيوية التي لاحظتُها خلال زياراتي الأخيرة تزداد.

زيارتي الأولى إلى الكويت كانت عندما ذهبتُ لحضور النسخة الثامنة من مسابقة "منتدى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لريادة الأعمال في المنطقة العربية"MIT Enterprise Forum في نيسان/أبريل الماضي، حيث عقدت "ومضة" جلستَين تفاعليّتَين بعنوان "عليك بالبيع دائماً" Always be Selling. وتضمّن التحدّي الذي ينبغي على المشاركين مواجهته، معرفةَ العناصر التي يجب أن تذكر في عرض الأفكار أمام وسائل الإعلام كي يدفعوا صحافيّاً للكتابة عنهم، ومعرفة المقاييس والأرقام التي ينبغي أن تذكر في عرض الأفكار أمام المستثمرين للحصول على اجتماعٍ مع مستثمِر.

وفي الزيارة الثانية، القينا بروّاد أعمال كويتيين لكي نتعرّف أكثر إلى البيئة الحاضنة في هذا البد، وإلى الدوافع التي تسيّر هذه البيئة. وبالتالي، فإنّ التفاعل مع اللاعبين المحلّيين والاطّلاع على مسيراتهم ومعرفة التحدّيات التي يواجهونها، ساعدني على معرفة الثغرات التي تشوب هذه البيئة الحاضنة. فهذه الأخيرة، على الرغم من كونها حديثة العهد، إلّا أنّها حيويّةٌ ومتعطّشةٌ للمعرفة. ولم يقتصر الأمر على العمل، فما بين زيارة روّاد الأعمال والهروب من الحرّ، استمتعت بالطعام المميّز والمنوّع الذي تشتهر فيه الكويت. 

شطائر الهمبرجر الملوّنة في مطعمB+F Open Flame .

أمّا في الزيارة الأخيرة، فقد كان الأمر مختلفاً قليلاً.

لقد نظّم فريقٌ صغيرٌ من "ومضة" (من أربعة أشخاص) لقاءً في اليوم التالي (نهار الثلاثاء) في مساحة العمل المشتركة "نيو" niu collaborative community، ضمّ 15 رائد أعمال من خلفيّاتٍ متعدّدة مثل الزراعة، وتكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، والفون والخدمات الإبداعية، والرعاية الصحّية، وتطوير التطبيقات والمواقع الإلكترونية.

وبالفعل، كلّ الروّاد الذين أكّدوا حضورهم جاؤوا إلى هذا اللقاء الذي شهد استمرار المحادثات حتّى بعد انتهائه، وهو ما دلّ على حرص المشاركين واهتمامهم بمجتمعهم الرياديّ.

ولكي نفهم تحدّيات الروّاد ومخاوفهم بشكلٍ أفضل سألناهم عمّا يبقيهم مستيقظين ليلاً، فتنوّعَت أجوبتهم بين التوسّع خارج السوق الكويتية الصغيرة نسبياً، واستهداف الجمهور المناسب، وفتح قنوات تسويقٍ جديدة، وغيرها الكثير.

المشاعر الإيجابية والحيوية التي تحلّى بها مَن التقيتُ بهم كانت معديةً. فكلّ رائد أعمال التقيتُه تقريباً، كان يبذل جهداً إضافياً لتقديم الدعم كما دلّني على روّاد آخرين يعرفهم. حتّى أنّ بعضهم الآخر عرض عليّ الذهاب إلى مكتبه وتمضية النهار، لمساعدتي في معرفة مَن ينبغي الاتّصال به والتواصل معه.

من وجهة نظري، إنّ ريادة الأعمال في الكويت ليست مساراً يسلكه الأشخاص بعد قرارهم بترك الوظيفة: إنها جزءٌ من ثقافتهم. فمن الطبيعيّ أن تجد شخصاً يدير مشروعاً أو شركةً إلى جانب عمله الأساسيّ، ولكنّني أعتقد أنّه إن أراد نقل شركته إلى المرحلة التالية فعليه أن يكرّس كلّ وقته لها. 

الكويت بلدٌ صغير، وكلّ الناس يعرفون بعضهم. والتحدّيات التي يتشارك في مواجهتها الكثير من الروّاد الكويتيين، تشبه إلى حدٍّ كبيرٍ التحدّيات في المنطقة العربية ولكن لها خصوصيّتها.

لا يتعلّق الأمر بالمال!

المثير للاهتمام أنّ التمويل لم يكن القضية الأكثر مناقشةً.

لا تزال البيئة الحاضنة في مراحلها الأولى ولا تشهد إلّا عدداً قليلاً من الشركات في مراحل النموّ، وبالتالي توجد مشاكل أخرى للعمل عليها غير البحث عن رأس المال. وتختلف هذه المشاكل بين تطوير المنتَجات، والعثور على مرشدين جيّدين، والتعلّم من أفضل الممَارسات، وصولاً إلى تسهيل وتقصير عمليات تسجيل المؤسَّسات واستصدار التأشيرات، والعثور على أصحاب مواهب يعملون ضمن المؤسّسة بدلاً من الاعتماد على الموارد الخارجية.

المشكلتان الأخيرتان كانتا من التحدّيات الأكثر شيوعاً التي سمعتُ بها في كلّ المحادثات التي أجريتُها تقريباً مع روّاد الأعمال. وفي هذا الإطار، أخبرنا واكيم زيدان من مساحة العمل الإبداعيّ "نقاط" Nuqat، أنّهم اضطرّوا إلى إلغاء فعاليةً بسبب عدم الموافقة على منح بعض المتحدّثين تأشيرات دخول. ومن ناحيةً أخرى، يضطرّ الكثير من المؤسِّسين إلى الاعتماد على الموارد الخارجية لأنّهم لا يستطيعون إقناع الكويتيين بالعمل في شركاتٍ صغيرة؛ فمن الصعب منافسة رواتب القطاع العام! والعمل مع أشخاص متواجدين في الخارج ليس الحلّ الأنسب، خصوصاً إذا كنت تضيف ميزاتٍ جديدةً باستمرار وتطوّر موقعك وتحاول تصحيح الخلل بسرعة.

بالإضافة إلى ذلك، أشار البعض إلى إدارة الموارد البشرية والتوظيف بهدف الوفاء بالمواعيد النهائية والحفاظ على النوعيّة. وفي هذا الإطار، لجأوا إلى "بايز كامب" Basecamp و"برنامج إدارة المشاريع" من "مايكروسوفت" Microsoft Project كأدواتٍ مقترَحة لمراقبة الأداء والتسليم. وفي كلّ الأحوال، إذا وُجِد لديك موظّفون لا يصل أداؤهم إلى المعايير المحدّدة، أو لا يسلّمون ما يُطلَب منهم على الوقت، فإنّ السبب في ذلك لا يقتصر على ضعف الحافز.

 وبالتالي، لإصلاح هذا الأمر يمكن اتبياع هاتَين النصيحتَين اللتَين تعلّمتهما مؤخّراً.

من الأمور التي تعلّمتُها مؤخّراً أثناء حضوري صفًّا عن إدارة المشاريع Project Management Professional، هي أنّه لتحفيز أعضاء الفريق ينبغي عليك أن تفهم حاجاتهم الأساسية وتلبّيها: اعرف قدراتهم، وتقبّل أنّ كلّ فردٍ يختلف عن الآخر (فليس كلّ الأشخاص يمكنهم القيام بمهام متعدّدة). عليك أن تزوّد موظّفيك بالموارد التي يحتاجونها في أداء مهامهم، وتكليفهم بمهام يمكنهم القيام بها، وجعلهم يديرون المهام.

من الجميل زيارة الكويت، فهناك التنقّل سهل - مقارنةً ببيروت، والناس ودودين، عداك عن الطعام اللذيذ! وفي حين تتشارك البيئات الحاضنة تحدّياتٍ متشابهة، يوجد في الكويت توقٌ كبيرٌ إلى الإرشاد وإلى بنيةٍ تحتيةٍ أفضل، أكثر من أيّ بلدٍ عربيٍّ آخر زرتُه.   

 أتشوّق لرؤية كيف ستتطوّر الأمور في الأشهر المقبلة، وأتحمّس لتجربة هذا المطعم الرائع مرّةً أخرى.

 

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة