الشركات التقنية الناشئة في المنطقة تشيح بنظرها عن المشهد الإنساني

اقرأ بهذه اللغة

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ثورة تكنولوجية ترتقي بالتقنيات التي يطوّرها رياديوها إلى مصاف تقنيات الدول الأكثر تقدماً في العالم.

إلاّ أن الابتكارات التقنية التي تشهدها المنطقة لا تشمل التحديات الإنسانية غير المسبوقة هنا لا سيّما تلك الناتجة عن الحرب في سوريا وأزمة اللاجئين التي نتجت عنها.

الرد التقني الأوروبي نموذج يحتذى به

انطلقت في أوروبا حركة تكنولوجية تسعى لمعالجة أزمة اللاجئين عبر دعم تقني لعملية منح اللجوء للوافدين الجدد إلى أوروبا ولمساعدتهم على الإندماج.

مايك بوتشر، المحرر المساهم في "تك كرانش" TechCrunch هو أحد الأوروبيين الذين قرروا أن يلعبوا دوراً في هذا المجال بعد الغضب العارم على مواقع التواصل الاجتماعي من وفاة الطفل السوري آلان الكردي. وأسس بوتشر "تيكفيوجيز" Techfugees، وهي مؤسسة اجتماعية تنسّق استجابة المجتمع الدولي التكنولوجي، لحاجات اللاجئين. وبالفعل أدى ظهور هذه المجموعة إلى ولادة شبكة عالمية من الرياديين التقنيين.

 فريق يعرض "خيمة اللاجئ الرقمية" في فعالية "تيكفيوجيز" واليونيسف و"ستارت أب ويك آند" في عمّان في تشرين الثاني/نوفمبر. وهذه الخيمة مزوّدة بالطاقة الشمسية ومحصّنة ضد الفيضانات ومجهّزة بجهاز يحذّر إدارة المخيّم من الحالات الطارئة. (الصورة عبر "تيكفيوجيز").

ثمة أمثلة كثيرة أخرى في أوروبا على الاستجابة التقنية لأزمة اللاجئين، منها تطبيق "إنفو إيد" Infoaid الذي يزوّد اللاجئين بمعلومات عن الوضع الحالي للحدود ووسائل النقل وأحوال الطقس كما يقدّم لهم المشورة الأمنية. ومن بين الأمثلة أيضاً تطبيق "كالم" CALM، الذي يجمع اللاجئين بعائلات ترغب في استضافتهم في منازلها، وتطبيق "ميش بوينت" Meshpoint وهو جهاز محمول مصمم لتحمّل الظروف القصوى وتوفير اتصال جيّد بالإنترنت لحوالي 150 مستخدم في الوقت نفسه.

أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذا ما استثنينا مبادرات مثل "ثري دي مينا" 3D MENA، و"ريفيوجي أوبن وير" Refuge Open Ware ، فإن الوكالات التابعة للأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الدولي هي الوحيدة التي تدرج التكنولوجيا في عملية غوث اللاجئين.

ومن آخر التطورات، تكنولوجيا مسح القزحية التي تتيح التحقق من الهوية، والتي أصبحت الطريقة المعتمدة لتقديم المساعدات النقدية في المخيمات. وأصبح الأردن أول بلد في العالم يستخدم هذا النوع من التقنية في مساعدة اللاجئين.
 طفل لاجئ يحصل على يد مصنوعة بتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد عبر "ريفيوجي أوبن وير ثري دي". (الصورة عبر "ريفيوجي أوبن وير ثري دي")

إذاً، لم تعد المساعدة مجرّد توفير المأوى والطعام والماء والطبابة للمحتاجين، بل أصبح تبادل المعلومات عبر التكنولوجيا يشكّل أداة فعّالة ونافذة لتقديم المساعدة.

"تتطلب حالات الطوارئ الإنسانية تدخلاً سريعاً وتنسيقاً فعالاً من قبل المستجيبين"، على ما يقول كارن برساميان، مدير العمليات في فريق تكنولوجيا المعلومات السريعة والاستجابة لطوارئ الاتصالات عن بعد والدعم Fast Information Technology and Telecommunications Emergency and Support Team (FITTEST)، التابع لبرنامج الغذاء العالمي WFP، ومقره دبي.

غير أنه يسأل "من هو المستجيب الأول؟"، ويجيب بأنهم "الأشخاص المتضررون لأنهم أفضل من يعرفون احتياجاتهم الفورية. إنهم مصدرنا الرئيسي للمعلومات". وبالفعل يقوم الفريق عبر منصة تكنولوجيا المعلومات، بجمع معلومات حول الظروف المعيشية للمتضررين وأية أنماط مفيدة لتوصيل مساعدات معيّنة وخدمات أساسية.  

ونظراً إلى الخدمات الشاملة التي يقدّمها في مجال تكنولوجيا المعلومات، أصبح الفريق أول مستجيب لحالات الطوارئ الإنسانية، حيث يكون جاهزاً لنشر المساعدة في غضون 48 ساعة من وقوع الأزمة. وغني عن القول إن التكنولوجيا غيّرت وجه العمل الإنساني سواء لمقدمي المساعدة أو للمجتمعات المتضررة.

اعتمدت مفوضية اللاجئين UNHCR تكنولوجيا مسح القزحية لتسجيل ملايين اللاجئين بشكل آمن. (الصورة عبر "آيرس غارد" Irisguard).

مرتع الشركات الناشئة التكنولوجية

شكّل استحواذ "ياهو" على "مكتوب" في العام 2009، منعطفاً لرواد الأعمال في العالم العربي، إذ غيّر المشهد التكنولوجي وعزز المصداقية. وحملت السنوات التالية نمواً معتبراً في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث قيّمت العديد من الشركات الناشئة التقنية بحوالي 100 مليون دولار يومياً. وفي العام 2016 وحده استثمر أكثر من 800 مليون دولار في شركات ناشئة في المنطقة. ووضع نجاح شركات مثل "كريم" Careem التي تنافس "أوبر" Uber، وعملاق التجارة الإلكترونية "سوق.كوم" Souq.com، و"فتشر" Fetchr المدعومة من وادي السلكون، المنطقة على الخريطة كمركز للشركات الناشئة التكنولوجية ورواد الأعمال.

ولكن رغم ذلك لا يزال هناك سور يعيق تطوير منتجات ذات أثر.

عصي في دواليب الرياديين التقنيين

تضع الممارسات البالية والسياسات البيروقراطية في المنطقة العصي في دواليب الرياديين التقنيين في المنطقة.

فالروتين الحكومي مثل العقبات القانونية والهيكليات الصلبة للملكية والرسوم المرتفعة للتراخيص والتسجيل، هي مسائل متجذّرة في المنطقة وفي الثقافة الإقليمية لدرجة تجعل الإصلاح السياسي أمراً في غاية الضرورة.

ومن العقبات الأخرى التي غالباً ما تعيق تقدّم الرياديين الشباب بشكل خاص، إمكانية الوصول إلى رأس المال والموارد. فبحسب "مؤسسة التمويل الدولية" IFC، ليس لدى حوالي 63% من الشركات المصغّرة والصغيرة والمتوسطة في المنطقة إمكانية الوصول إلى التمويل.

أضف إلى هذه العوامل، الفوضى السياسية التي تبعد الاستثمار الخارجي، ما ينتج عن ذلك قيد ثقيل يعيق حركة الرياديين وقيد أكبر حين يأتي العائد على الاستثمار على شكل حلول إنسانية.

فالاستثمار هو الجانب الأول والأهم في تقييم الخطر للشركات الناشئة. وبحسب سامح طوقان، رئيس مجلس إدارة مجموعة "جبّار" ومؤسس "مكتوب" و"سوق.كوم"، فإن "المستثمرين يهتمّون عادة بالعائدات الثابتة على استثماراتهم وليسوا معتادين بالضرورة على الرأس المال المخاطر في المنطقة".   

وأضاف أن "هذه الثقافة تتغيّر وبعد قصة مكتوب/ياهو، رأينا المزيد من الاستثمار المخاطر الناجح في شركات ناشئة، وسنرى المزيد من الاستثمارات. غير أنه في ما يتعلق بالأسباب الاجتماعية والإنسانية، نرى اهتماماً أقل من المستثمرين ناتجاً ربما عن عائد غير واضح على الاستثمار".

أما في ما يتعلق برأس المال، فيقول طوقان إن المشاريع التقنية التي تركّز على قضايا إنسانية لديها الحاجات ذاتها وربما أكثر من المشاريع المربحة نظراً إلى كون نموذج العائدات أكثر غموضاً.

ولكن ما الحل؟

يجيب طوقان إنه "إذا كانت المبادرة مستدامة وقادرة على تحقيق العائدات، فمن المرجح أن تجذب الاستثمار. لذلك ومن أجل جذب استثمارات من منظمات خاصة وغير خاصة، يجب أن يخصص جزء كبير من التركيز على التعليم والضغط من أجل تسليط الضوء على أهمية استخدام التكنولوجيا لحل مشاكل إنسانية واجتماعية في المنطقة".

كل ما يحتاجه الأمر إذاً شركة ناشئة تقنية ناجحة واحدة تركّز على قضايا إنسانية لكي تطلق موجة كاملة. وصحيح أن هناك عقبات يجب تذليلها، إلاّ أن الطلب موجود وهو موجود بين الشرائح الأكثر هشاشة في المنطقة.  

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة