التكنولوجيا المدنية: أمل العالم العربي لتحقيق الديمقراطية ‎

اقرأ بهذه اللغة

تقول مريم جمشيدي في كتابها عن مستقبل الربيع العربي: ريادة الأعمال المدنية في السياسة والفنون والشركات التكنولوجية الناشئة The Future of the Arab Spring: Civic Entrepreneurship in Politics, Art, and Technology Startups "إن الشركات التكنولوجية الناشئة في المنطقة قد لا تنصب الخيام في الميادين أو  تخط رسائلها على جدران الطرقات، ولكنها توفر لمستخدميها مساحة للتشاور وتداول آرائهم  في العلن".

تُساهم هذه الشركات التي تشير إليها جمشيدي في تكوين ما يسمى بالتكنولوجيا المدنية.

يوّفر هذا النوع من التكنولوجيا مساحة وأدوات تهدف إلى تمكين المواطنين وسد الفجوة بينهم وبين حكوماتهم عن طريق تثقيفهم وتمثيلهم، بالإضافة إلى تشجيعهم على المشاركة الإيجابية في عملية اتخاذ القرار. أمّا تيسير المسؤوليات المدنية كدفع الضرائب فقد يعتبر أيضاً أحد أدوار هذه المبادرات.

في المجمل، إنّ التكنولوجيا المدنية وسيلة إلكترونية تخدم المجتمع وغالباً ما تحمل أجندة سياسيّة، على عكس الشركات المجتمعية التي ليست بالضرورة إلكترونية.

الإفصاح عن البيانات

تُعتبر البيانات ذهب العصر الحديث، فنحن نعيش في عصر المعلومات، لذلك كلما حصلت على معلومات أكثر كلما ازداد نفوذك. ولكن بينما يتركز هذا النفوذ في معظم الأوقات في يد السلطة والحكومات، تطمح التكنولوجيا المدنية إلى إتاحة أكبر قدر من البيانات والمعلومات الحكومية والمؤسسية  لعامة الشعب حتى تزداد الشفافية بين الطرفين.

قبل عصر الإنترنت، كانت مهمة الحصول على البيانات الحكومية أو المؤسسية، على غرار مشاريع القوانين والنفقات الرسمية، في غاية الصعوبة. وتلفت سارة ويلش من "برنامج القيادة للتكنولوجيا والعمل المدني" Civic Tech Leadership Program  إلى أنّ "الأنظمة التقليدية كانت تفصح عن البيانات للمواطنين بناءً على طلبات فردية أو عن طريق اجتماعات عامة. لكن في السنوات العشر الأخيرة شهدنا تغييراً على مستوى العالم في إتاحة البيانات والسجلات الإلكترونية". ويخدم  "برنامج القيادة للتكنولوجيا والعمل المدني" روّاد التكنولوجيا المدنية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والولايات المتحدة الأمريكية.

مع تطور أساليب التعليم الآلي وتقنيّات تخزين المعلومات عبر السحابة، أُجبرت الحكومات  والمنظمات على أن تفصح عن ملفاتها. وهنا نتساءل: ماذا نفعل بهذا القدر الهائل من المعلومات و البيانات؟ هذا ما يحاول رواد التكنولوجيا المدنية الإجابة عنه.

تعتقد الناشطة في مجال الحقوق المدنية إسراء الشافعي أن "إتقان تجميع  ونشر البيانات بكفاءة عالية يساعد مجتمعاتنا على رصد انتهاكات حقوق الإنسان".

أسست الشافعي مجموعة من المنصات تسمى "مجال" Majal تهدف إلى تمكين الأصوات المهمشة وغير المسموعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لكي تصل إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص.  

أصبحت البيانات رقمية و متاحة من بعض الحكومات  ومؤسسات المجتمع المدني على صفحات الإنترنت حتى يتمكن المواطنون من تصفحها وتحميلها. هذه البيانات قد تتعلق بنفقات الحكومة أو عدد المدارس الحكومية على سبيل المثال، ومن الأمثلة الإقليمية لهذه الخدمات: بوابة البيانات المفتوحة في دولة الإمارات العربية المتحدة  و"البيانات الانتخابية في تونس" Tunisia election data و "حقي" Haqqi لحقوق الإنسان في الأردن و "قسطاس" Qistas  للمعلومات القانونية.

أمّا دوليّاً، فيمكننا النظر إلى بوابة بيانات "البنك الدولي"  World Bank وبيانات الأمم المتحدة.

كما يُمكن استخدام البيانات المفتوحة في مراقبة أداء الحكومات، فعلى سبيل المثال توجد بوابات إلكترونية مثل "مرصد مجلس" Marsad Majles في تونس و"المرصد" Marsad في الأردن لتوثيق تفاصيل الجلسات البرلمانية وتسجيل استفسارات النواب ونسب الحضور في الجلسات.

المواطنون والحكومة على منصة واحدة

رغم أهميتها، تُعتبر البيانات مرحلةً أولى من المشاركة المدنية الديمقراطية فسحب، فبدون تطويرها إلى أفعال مؤثرة تبقى ناقصة. لذلك توجد تقنيات مدنية تعد المواطنين بأدوات مناسبة ليكونوا جزءاً من عملية اتخاذ القرارات عن طريق تيسير التفاعل ما بين المواطنين وحكوماتهم.

مثال على ذلك موقع "ديوان التشريع و الرأي" Legislation and Opinion Bureau في الأردن الذي يتيح للمواطنين الاطلاع  والتعليق على اقتراحات ومسودّات بعض القوانين، ويُشبه موقع المبادرة الفرنسية "البرلمان و المواطنون" Parliament and Citoyens الذي يُسهل التفاعل بين النواب والمواطنين.

هناك أدوات أُخرى تتيح للمواطنين فرص المشاركة في تخصيص الميزانيات من خلال تقديم مقترحات مشاريع عبر الإنترنت، وهذه الأداة تعرف بإسم الميزانية التشاورية أو التشاركية Participatory Budgeting. يتواجد هذا النموذج في فرنسا وبالتحديد في مدينة باريس ويسمى "ميزانية باريس التشاورية" Paris  Budget Participatif .

إضافة إلى ذلك، يُمنح المواطنون مساحات للتعبير عن آرائهم لمواطنين آخرين عن طريق منتديات رقميّة مخصصة للنقاشات العامة مثل مبادرة وائل غنيم "بارليو" Parlio التي استحوذ عليها موقع "كورا" Quora، ومبادرة إسراء الشافعي "أهواء" Ahwaa التي توفر مساحة للتحاور والنقاش في قضايا تتعلق بالمثليين والمثليات وثنائيي الجنس والمتحولين والمتحولات جنسياً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتؤكّد الشافعي أنّه "إذا لم نساهم في  رفع أصوات المهمشين، يصبح صمتنا تواطؤاً مع الاضطهاد الذي يتعرضون له يومياً. كما أنه من المنظار التاريخي، ثمة حاجة ماسة لتوثيق كلام الناس وموسيقاهم وفنّهم ومعتقداتهم المختلفة."

الصورة الرئيسيّة من "بيكساباي".

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة