المزيد من التكنولوجيا سينتج المزيد من الوظائف والمزيد من النمو [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

تشهد المدن ذات الأسواق النامية ولادة طبقة وسطى جديدة، حيث ستلعب الشركات التي تعتمد على التكنولوجيا دوراً رئيسياً في استحداث الوظائف ودفع النمو قدماً.

من البديهيّات التي أعرفها أنه في غضون عشرة إلى خمسة عشر عاماً، سينتج 60% من النمو العالمي من الأسواق التي نعيش فيها أي الأسواق النامية، أو ما يعرف أيضاً بالأسواق في طور النموّ.

ورغم أن البعض يسمّيها "الأسواق الناشئة"، إلاّ أنّي أتشبّث بتعبير "الأسواق النامية" لأنّ العديد منها نشأ بالفعل وبدأ يحقق النمو بوتيرة سريعة.

فما الذي يجعل هذا النموّ حتمياً؟

ثمة سببان لذلك، الأول أنّ التحوّل إلى الحياة المدنية يحصل بسرعة غير مسبوقة حيث ينتقل 1.2 مليون شخص أسبوعياً إلى المدن، وفقاً لبيانات من العام 2014؛ والثاني ولادة طبقة وسطى في الأسواق النامية مدفوعة بالاستهلاك وتتكيّف مع التغيير مع متوسط عمر يقلّ عن 25 عاماً.  

ويجب الأخذ بعين الاعتبار أنّ العديد من الناس الذين ينتقلون إلى المدن لن يتمكّنوا من أن يصبحوا جزءاً من الطبقة الوسطى قبل أن يدخلوا سوق العمل ويحصلوا بالتالي على دخلٍ زائد.  

ومع العصر الجديد من "الثورة الصناعية الرقمية"، سيكون هناك فورة في استحداث الوظائف على مستوى القاعدة، ما سيرفع بالتالي المستوى الاجتماعي والاقتصادي للناس الذين لم يكن لديهم القدرة على ذلك سابقاً.  

عصر جديد من الثورة الصناعية الرقمية

أصبحت التكنولوجيا جزءاً من النسيج الأساسي لكيفية تشكّل المدن في الأسواق النامية مع اندماجها في القطاعات التقليدية، وهي تسمح للعديد من المدن بالنمو بوتيرة أسرع من زميلاتها في الأسواق المتقدمة.

تُعالَج المشاكل في البنية التحتية بكلفةٍ أقل بعشر مرات من الكلفة المعتادة، والخدمات المالية مثال على ذلك. فوفق تقرير نشرته "أكسنتشر" Accenture، حول "العمل المصرفي على سلسلة البلوكات" Banking on Blockchain، يمكن لتكنولوجيا سلسلة البلوكات أن تساعد مصارف الاستثمار في تقليص التكاليف بأكثر من 30%.

بالإضافة إلى ذلك، ترتفع معدّلات انتشار الإنترنت بشكلٍ يجعل الوصول إلى المعلومات شبه شامل عالمياً، علماً أنّ أساليب استهلاكنا وحياتنا ضمن المجتمع تتغيّر أساساً.

وهنا بالذات تكمن فرصة إطلاق الرأسمال البشري ومنح الملايين إمكانية الوصول إلى أسلوب حياة الطبقة الوسطى.

ستتشكّل هذه الطبقة الناشئة حديثاً من باحثين عن وظائف ومستحدثين لها وربما سيتبوأ هؤلاء ـ أو يستحدثون ـ وظائف لم تكن موجودة، وسط مخاوف من أن تقضي الثورة الصناعية الرقمية على وظائف القطاع التقليدي.  

التاريخ يعيد نفسه

سبق أن شهدنا من قبل هذا الانتقال من الوظائف في قطاع الزراعة إلى الوظائف الحضرية، وهو ما حقق نمواً وإنتاجية وخفّض معدلات البطالة.

فبعد الحرب العالمية الثانية، دخلت الولايات المتحدة مرحلة نموٍّ كانت العامل الرئيسي في تشكيل دورها كمهيمن على العالم.

وفي تلك الفترة، لا سيما بدءاً بسبعينيات القرن الماضي، تراجع التوظيف في الزراعة والصناعة بحدّة في حين ارتفعت الفعالية في القطاعين بما انعكس زيادة في إنتاجية المزارع بمعدل ضعفين ونصف وفي المردود الصناعي بمعدّل ستة أضعاف.

بالإضافة إلى ذلك، أدّى النموّ في قطاعات التعليم والتجارة والشحن والتقدّم في مجال الرعاية الصحية وإعادة تجهيز قطاع الخدمات المالية، إلى ولادة وظائف جديدة لم تكن لتوجد من دون ذلك. وهذا ما سدّ النقص في الزراعة والتصنيع، وأدّى بالتالي إلى زيادة صافية في التوظيف عن الفترة التي أشرت إليها سابقاً. غير أن هذه الوظائف ولدت في قطاعات جديدة تعتمد أكثر على المهارات، رغم أنها لم تكن مفتوحة لجماهير أوسع.

السؤال الأساسي الذي يطرح نفسه  في المنطقة العربية اليوم هو: هل سيكون هناك ما يكفي من الوظائف للطبقة الوسطى الجديدة مع تطوّر هذه المدن؟

بما أنّ النمو أصبح مرادفاً للأسواق النامية، سيكون من الصعب معرفة كيف تحوّلت التكنولوجيا إلى جزءٍ من هذه المسيرة. ولكن ذلك سيمليه الطلب في المدن (التي ستكون مراكز للنمو) والطلب في الأسواق.

وظائف جديدة في البنى التحتية

كما ذكرتُ سابقاً، حين تتطوّر المدن، فإنّ طبقتها الوسطى ستطلب بنية تحتية أفضل للوصول إلى المنتجات والخدمات. ويمكن للتكنولوجيا أن تسعى إلى مواجهة هذا التحدّي، ما يتيح المزيد من الوظائف التي ستحرّك النمو.  

يعتبر النقل العصب الحيوي للبنية التحتية في أيّ مدينة، وهو ما بنى عليه مؤسسا "كريم" Careem مدثر شيخة وماغنوس أولسن اللذان لاحظا وجود فرصة لتحسين طريقة العمل في هذا المجال. وبالفعل أصبحت شركة حجز سيارات الأجرة هذه منتشرة في أكثر من 50 مدينة.

نجحت "كريم" عبر إتاحة النقل التقليدي للمزيد من الناس، في توفير وظائف جديدة للسائقين ـ الذين يحملون لقب "كابتن" ـ مانحة العديد منهم فرصة لرفع مستواهم الاجتماعي لم يحظوا بها من قبل.  

واليوم لدى الشركة أكثر من ستة ملايين مستخدم، ولكن الأهم أنّ لديها  150 ألف كابتن. ومع استمرار نمو المنصّة، تبرز الحاجة إلى نشر مهندسين تقنيين لتعزيز المنتج ومسوّقين لتسويقه وفرق دعم وفرق مبيعات على الأرض لكي يبقى المنتج محلياً ويتكيّف مع كلّ مدينة جديدة يدخلها ـ ما ينتج فائضاً في الوظائف في أنماط مختلفة من المهارات.

وظائف في "السوق الجديدة"

قريباً منّا يتكمن نموذج سوق رقمية يضمّ أعمالاً تربط المزوّدين والباعة بالمستهلكين. وبالفعل نجحت أسواق إلكترونية في تحويل الطريقة التي يستطيع فيها الناس تحقيق المداخيل. أما المنصات فتؤمّن للناس جميع أنواع السلع والخدمات، فاتحة الطريق للعديد من الأفراد ليكونوا جزءاً من القصة.

من الأمثلة على ذلك "باتاري" Patari، وهو موقع وتطبيق للبث الموسيقي في أفغانستان.

يقول مدير المحتوى في "باتاري"، أحمد نقفي لـ"تك جوس بي كاي" TechJuicePK، إنّ لا أحد من مستهلكي الموسيقى "يلتزم بحقوق النشر ولا أحد يدفع لأصحاب الحقوق". وبالتالي تسمح هذه المنصة للموسيقيين الباكستانيين بعرض أعمالهم وجني المال في كل مرة يستمع أحد إلى موسيقاهم.

وآخر برامج "باتاري" للمواهب، "تالن هانت" Talent Hunt، قام بالفعل باختيار ستة موسيقيين موهوبين وتعريفهم على منتجين باكستانيين. ومن بين هؤلاء، عابد الذي كان عامل توصيل في قرية في بلوشستان والذي لم تنتشر فيديوهاته كثيراً على مواقع التواصل.

لدى شركات التكنولوجيا الجديدة قدرة على تجاوز مراحل كاملة من النمو وإتاحة وظائف جديدة وثروة جديدة، وبالتالي تحقيق قدرة على دفع المدن إلى طرق تفاعل لم نرها من قبل.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة