المستثمرون المخاطرون في السعودية: أين نقف اليوم وإلى أين نتّجه؟ [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

"لا يوجد ما يكفي من المستثمرين المخاطرين في السعودية" هي إحدى العبارات التي نسمعها دائماً من رواد الأعمال في المملكة.

فالمملكة العربية السعودية، أكبر سوق في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، حلت في المرتبة الثالثة من حيث الاستثمارات المخاطرة في المنطقة، وفقاً لتقرير العام 2015 الصّادر عن "اتحاد الأسهم الخاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" MENA Private Equity Association. ولكنّ حجم هذه الاستثمارات بلغ ثلث حجم الاستثمارات في الإمارات.

غير أنه في المقابل ثمة قصص نجاح تعبّد الطريق لصفقات تخارج محتملة.

فالشركات الناشئة التي تخرجت من "بادر" Badir، حاضنة الأعمال المدعومة من الحكومة والتي تديرها "مدينة الملك عبدالله للعلوم والتقنية" KACST، جذبت مجتمعةً استثمارات بلغت أكثر من 20 مليون دولار أميركي وتخطت قيمتها السوقية 80 مليون دولار، في نهاية العام 2016. وهذا ليس إلا نقطة في المحيط، مقارنة بالاستثمارات المخاطرة في المنطقة والعالم.

"مرني" Morni مثلاً وهو تطبيق لطلب المساعدة على الطرقات، حصل على تمويل بلغ 1.1 مليون دولار. أما "فالكون فيز" Falcon Viz التي تقدّم أداة للمسح الجوي ورسم الخرائط ثلاثية الأبعاد، فحصلت بدورها على 1.1 مليون دولار. وأخيراً، استحوذت "فود باندا" Food Panda (التي أصبحت مملوكة من "ديليفري هيرو" Delivery Hero بعد "روكيت إنترنت" Rocket Internet) على شركة "هنجر ستيشن" Hunger Station، وهي من أولى منصات طلب الطعام في المنطقة، عليها مقابل مبلغ لم يفصح عنه.

ولكن الشك لا يزال يساور المستثمرين المحليين الذين لا ينجذبون إلى الاستثمار المخاطر بقدر انجذابهم إلى العقارات والبورصة والأسهم الخاصة، ولمعرفة أسباب ذلك، علينا أن نلقي نظرة على التاريخ والثقافة المحلية وبعض الإعلانات الأخيرة.

جذور المستثمر السعودي

قال لي مرة أحد الأثرياء في المملكة إنّه "إذا لم تحقق ثروتك من العقارات في السعودية، فأنت لست ثرياً حقاً".

فسوق العقارات هي أقدم أشكال الاستثمار بين السعوديين ولا تزال الأكثر شعبية إلى الآن. يعود هذا إلى عنصر الأمان في هذا النوع من الاستثمارات، بالإضافة إلى الثروة المتزايدة التي تتحقق من البنى التحتية وكذلك تطور الإسكان على مرّ السنوات.

تتركز معظم الثروات بين المستثمرين في المجال العقاري الذين يتمتعون بالخبرة ويتجنّبون المخاطر عندما يتعلق الأمر بالاستثمارات. ولكن السعوديين عموماً ليسوا ضد تجربة أفكار استثمارية جديدة.

في مطلع الألفية الثانية اشتعلت البورصة السعودية، بعدما أدّت فورة في استثمارات البورصة إلى ارتفاع مؤشر "تداول" Tadawul index (مؤشر السوق المالية السعودية) بسرعة، وتخطيه أعلى نقطة له وهي 20,634 في العام 2006، ومن ثم تدهوره إلى أقل من 5 آلاف في العام 2008.

الانهيار في العام 2006 لم يردع السعوديين عن الاستثمار في البورصة. (الصورة من "أرقام")

ومع ذلك، لم يفقد السعوديون الثقة؛ فقد بلغت القيمة السوقية لسوق الأسهم هذا العام نحو 400 مليار دولار، وهي تعتبر من لاستثمارات الأكثر شعبية في المملكة.

وفي مجال الأسهم الخاصة، ازداد نشاط عمليات الدمج والاستحواذ. ففي العام 2015 وحده ازدادت عمليات الدمج والاستحواذ M&A المحلية لتصل إلى 1.75 مليار دولار بعدما كانت 279 مليون دولار في العام 2014، وفقاً لشركة "كيه بي إم جي" KPMG.

وما دعم أسواق الأسهم العامة والخاصة هو سرعة تأسيس شركات استثمار محلية أثناء انهيار سوق الأسهم (البورصة) وبعده بين عامي 2006 و2008. ومعظم هذه الشركات كانت تابعة لبنوك محلية أو أسسها مصرفيون سابقون وأفراد ذوو خبرة.

وبالنسبة إلى الاستثمار المخاطر، شهدت السعودية 17 صفقة معلنة في العام 2015، مقارنة بصفقتين معلنتين في العام 2014. وشهدت هذه الصفقات زيادة طفيفة على الرغم من صغر أحجامها نسبياً:

الصورة من تقرير "اتحاد الأسهم الخاصة" لعام 2015.

الاستثمار المخاطر طفل ذو مستقبل مشرق

معظم الجهود المبذولة أخيراً في إطار الرأسمال الجريء، قادها مستثمرون أفراد وشركات استثمار مثل "مجموعة الطيار" Altayyar التي تعتبر واحدة من أبرز المستثمرين المخاطرين في المملكة.

بخلاف شركات الاستثمار ووسطاء البورصة، تكاد شركات رأس المال الجريء السعودية المستقلة تكون معدومة. ولكن من المتوقع أن يتغير الأمر. فالاستثمارات الناجحة التي أجرتها شركات، مثل استثمار "الطيار" و"شركة الاتصالات السعودية" STC في شركة "كريم" Careem والمساعي الحثيثة للحكومة لتنشيط المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، تشجّع السعوديين على الاهتمام بهذا القطاع.

وتماشياً مع "رؤية 2030"، أنشأت الحكومة السعودية "الهيئة العامة لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة" Public Authority for Small and Medium Enterprises لتمكين هذه المؤسسات في كافة القطاعات ومساعدتها على تخطي العراقيل من التراخيص التجارية إلى الحصول على رأسمال. ويأخذ هذا الدعم شكل المزيد من التسهيلات المصرفية والتمويل. علاوة على ذلك، خصّصت الحكومة حوالي 1.06 مليار دولار على شكل صندوق تمويل للأسهم الخاصة والرأسمال الجريء، ليتم توزيعها على شركات خاصة متخصّصة في المملكة ومن قبل هذه الشركات.

من جهتها، بدأت "تكامل القابضة" Takamol Holding، الشركة الخاصة التابعة لوزارة العمل والتنمية الاجتماعية، برنامج "مشاركة" Musharakah الذي تبلغ قيمته 533 مليون دولار، وهو برنامج قروض على شكل أسهم خاصة ورأسمال جريء بمعدّل فائدة مريحة وخطط سداد جذابة.

وبدورها افتتحت "هيئة السوق المالية السعودية" Saudi Capital Market Authority (CMA) بورصة جديدة مخصصة للشركات الصغيرة والمتوسطة كي تتمكن من طرح أسهمها على الاكتتاب العام IPO. ومن بين القوانين التي صيغت لتشجيع الشركات على إدراج أسهمها في سوق الشركات الصغيرة والمتوسطة، تخفيض الحد الأدنى لرأس المال المطلوب ليصل إلى 2.67 مليون دولار، وهو أقلّ بكثير من المبلغ المطلوب للإدراج في السوق الرئيسية والذي يناهز 26.7 مليون دولار.

المستثمرون بحاجة إلى التعلم

في أحد عروض الأفكار للحصول على استثمار التي شاركت فيها، قال مستثمر لرائد أعمال سعودي بارز: "ما الذي يميزك؟ يمكنني أن أوظف عاملاً بأجر منخفض ليقوم بما تقوم به".

وأكثر تعليق سمعته لدى سؤال رواد الأعمال عن رأيهم بالمستثمرين السعوديين، كان أنّهم "لا يقدرون قيمة الفريق في الشركات الناشئة".

يدل هذا على أنّ نظرة المستثمرين إلى الفريق ومدى التزامه وموهبته، تحتاج إلى التغيير. كما ينبغي تعليمهم كيفية عمل الاستثمار المخاطر، مثلما تعلّموا التعامل مع أنواع أخرى من الاستثمار كالتي ذكرناها أعلاه.

يسعى رواد الأعمال السعوديون منذ سنوات لتثقيف المستثمرين في هذا المجال، ولكن هل يمكن أن يفعلوا ذلك بمفردهم؟ بالطبع لا. فنحن بحاجة إلى إنشاء شركات استثمار مخاطر محلية، كما ينبغي على شركات الاستثمار المخاطر الإقليمية أن تنشط أكثر في المملكة وتفتتح فروعاً لها هنا.

الخبر السار هو أن المسار واضح، ورغم بطئه يعتبر ثابتاً.

بدأوا السعوديون، سواء كانوا شركات أو مستثمرين أفراد، ينفتحون أكثر على سوق الشركات الناشئة. وإن دلّ ذلك على شيء، فعلى وجود فرصة عظيمة لتأسيس شركات استثمار مخاطر محلية والبدء بجمع التمويل من جهات محلية، بخاصة مع دعم قوي من مبادرات حكومية وتخفيف التشدد في الأنظمة.

الصورة الرئيسية عبر "ومضة كابيتال" Wamda Capital.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة