الوقت من ذهب والفرص أيضاً [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

أجلس في مكتبي. أصغي إلى المكيّف يصدر صوتاً يشبه التنّهد وكأنّه يفهم خيبة أملي.

الساعة تنتقل من 11:20 إلى 11:21. أضيع في أفكاري. أقفز من موضوع إلى آخر: من الجو الحار في الخارج إلى الجو البارد في الداخل إلى تلك الضحكة التي أسمعها عبر الباب وأنا أفكّر: ما المضحك؟، قبل ان أقرر أخيراً تصفّح "إنستجرام".

الساعة الآن 11:27 ولكن الشخص الذي من المفترض أن ألتقيه لم يصل بعد. كان موعدنا عند الساعة 11:00 بناء على طلبه قبل بضعة أيّام في اتصال هاتفي مبهم. ولكنّ حين يرنّ هاتفي وأبدأ بالتحدّث إلى أحد أصدقائي، يقرر صاحبنا الوصول.

"تأخّرت"، أقول بينما أكمل حديثي في الهاتف. فيجيبني بخجل: "ركن السيارة"، فأهزّ رأسي بانزعاج. وقبل أن يجلس على الكرسي، أطلب منه الدخول في صلب الموضوع مباشرة من دون تضييع الوقت. فيقول متردداً: "أبحث عن مستثمر"، فأجيبه بسخرية: "أتريد مالاً؟" وأضيف: "ليس لديّ مال لك، شكراً على قدومك". بهذه السرعة انتهى الاجتماع.

كان الدافع الأساسي لسلوكي المفاجئ هو انزعاجي: لن أحترم وقتك طالما لا تحترم وقتي. ولكنّ الدافع الآخر هو المنطق: كيف يمكنني الاستثمار في شخصٍ تأخّر على موعده الأوّل، وهو موعد كان قد طلبه بنفسه.

ولكن ثمة دافعاً إضافياً هو تلقينه درساً: فكيف تتوقع أن ينظر إليك الآخرون بجديّة إذا لم تنظر إلى نفسك بالشكل نفسه؟ من المهمّ أن يكون رجل الأعمال منظّماً، لا بل فائق التنظيم. يجب أن تنظّم وقتك وأموالك وطاقتك ومواردك. وإذا كنت غير قادر على ذلك، تعاون مع شخص منظّم أو وظّف شخصاً لذلك.

احترام المواعيد يدلّ على مهنيّتك

من السهل تقييم المهارات التنظيمية لدى أيّ شخص، فيمكنني أن أعرف ما إذا كان الشخص منظّماً وجديراً بالثقة من دقة مواعيده. يحترم الشخص المنظّم مواعيده، في كلّ مرة، بصرف النظر عن الزحمة والرياح والعواصف والزلازل. وذلك لأنّه يعرف كيفية إدارة وقته.

أمّا الأشخاص غير المنظّمين، فيتأخرون دائماً مهما كان الطقس جميلاً والظروف مؤاتيةً.

يلوم البعض ثقافة العرب على تأخرّهم قائلين: "يا حبيبي هذا التوقيت العربي، فماذا تفعل؟" أو "إذا وصلتُ في الموعد المحدد لن أجد أحداً، فلماذا عليّ الالتزام بالموعد؟".

غير أنّ سبب الالتزام بالمواعيد هو لتكون قدوة حسنة لنظرائك. لذلك حدد معاييرك الخاصة وتصرف بمهنية، لربّما التزم الطرف الآخر بالموعد المحدد، فعليك احترام وقته.  

التأخّر يدمّر شركتك

ما المشكلة إذاً؟ لماذا احترام الوقت أساسيّ؟ بحسب صحيفة "هيوستون كرونيكول" Houston Chronicle، هذا ما يجب أن تتوقعه في حال لم تحترم المواعيد والأوقات بشكل عام:

1- استياء الموظّفين الآخرين حيال تأخر البعض. السماح لبعض الموظّفين بالتأخّر وإلزام البعض الآخر بالوقت، يؤثّران على الروح المعنويّة للفريق، وهذا ينتشر كالعدوى في الشركة بأكملها.  

2- تأخرك يؤدي إلى تأخر الآخرين. إذا لم تبالِ فلن أبالي أنا أيضاً. وهذا النوع من الثقافة ينتشر بسرعة، بخاصةٍ إذا كان المسؤول في العمل هو المتأخر على دوام العمل أو الاجتماعات.

3- فقدان احترام المدير أو الموظّفين. لعلّ الاحترام هو أهمّ ما تقوم عليه الشركة، وعند فقدانه من الصعب استعادته. أبدِ الاحترام لكي تُحترم، والوصول متأخراً يظهر العكس.

4- خدمة العملاء. تؤثّر الحماسة المتدنية وعدم احترام الوقت على كافة جوانب خدمة العملاء، من السلوك إلى بدء العمل في الوقت المناسب. وهذا يزعزع الانضباط، فكيف تستعيده؟

5- تدنّي نسبة الإنتاجية. الموظّف الذي يتأخر 10 دقائق في اليوم يكلّف الشركة ما يعادل عطلة لمدّة أسبوعين.

تختلف التقديرات حيال تكلفة التأخّر إذ تقدّرها "هيوستن كرونيكول" بحوالي 3 مليارات دولار في الولايات المتحدة. ولكنّ إحصاء أجري في بريطانيا قبل أربع سنوات حدد هذه التكلفة بحوالي 9 مليارات جنيه إسترليني (11 مليار دولار) في العام، وهناك يصل الجميع تقريباً إلى العمل في الوقت المحدد. لذلك، يمكنك تخيّل كم تبلغ كلفة التأخر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حيث تسود هذه العادة سواء في الشركات أو في لقاءات العمل؟ من خلال بحث سريع على "جوجل"، يبدو أنّ لا أحد حاول احتساب هذه التكلفة حتّى الآن.    

العصا والجزرة

يمكن حلّ التأخر بطريقتين وفقاً للكتيبات الإدارية: التعزيز الإيجابي والتعزيز السلبي، أو ما يعرف بمبدأ الثواب والعقاب أو العصا والجزرة.

غير أن مكافأة شخصٍ إذا وصل في الوقت المناسب تبدو نقيضاً للإنتاجية بالنسبة إليّ، تحديداً لأنّ احترام الوقت لا يجب أن يعتبر سلوكاً مميّزاً.

لذلك، أقترح مبدأ العقاب فقط، وأقترح البدء من الأعلى. فإذا عوقب الرؤساء التنفيذيون والمدراء وأصحاب المراكز العالية في المؤسسة، سوف تنتشر حكماً هذه الثقافة في المؤسسة بأكملها.

في العام الماضي، أجرى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة ورئيس مجلس الوزراء في الإمارات العربية المتحدة وحاكم إمارة دبي، زيارة مفاجئة إلى بعض المؤسسات الحكوميّة، وطرد مباشرةً تسعة مسؤولين لعدم تواجدهم في المكتب.

فاجأ ذلك البلد بأكمله وأظهر للجميع مدى أهميّة هذه المشكلة. لذلك يجب على الشركات الخاصة أن تحذو حذوه، وتطبّق قوانين صارمة لذلك.

أصِلُ في أغلب الأحيان إلى الاجتماعات أوّلاً؛ وأصَلُ عند الطبيب قبله في حين يكون هو متأخراً.

أنتظر وصول موظّفي الحكومة وشركات التوصيل وموظّفي الصيانة وأناساً كثيرين قبل لقائي بهم. لا يمكن للنظام أن يتغيّر بطريقة سحريّة، ولا يمكننا أن نصبح ملتزمين بالمواعيد على "التوقيت البريطاني" أو "الألماني" بتعويذة سحريّة، ولكننا إذا بدأنا بأنفسنا والتزامنا شخصياً بالوقت، فأنا متأكّد بأنّ "التوقيت العربي" سيكون حينها من الأفضل في العالم.

أمّا في الوقت الراهن، فسأحاول احترام مواعيدي دائماً، وأطالب الآخرين بذلك. وسوف أبذل جهداً كبيراً للوصول دائماً في الوقت المحدد، وليس التأخر دائماً، مثل أبناء بلدي.

الصورة من "بيكسيلز".  

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة