هل يحلّ اقتصاد الخدمات المستقلّة مشكلة البطالة في المنطقة؟‎‎

اقرأ بهذه اللغة

ظهر مفهوم "اقتصاد الخدمات المستقلة" أو "اقتصاد الأعمال الحرة" gig economy في القرن الحادي والعشرين. ويُستخدم المصطلح الآن للإشارة إلى سوق العمل الذي تسيطر عليه الوظائف الحرة التي يجري إسنادها وتسليمها عبر سوق رقمية من دون إبرام عقود عمل طويلة الأجل.

تتوقّع شركة البرمجيات "إنتويت" Intuit أنّه بحلول العام 2020 سيعمل أكثر من 40% (أي 60 مليون شخص) من القوى العاملة في الولايات المتحدة كموظّفين مستقلين. أما بالنسبة لبقية العالم، فيتوقّع البعض أن تتحوّل هذه المنصات الإلكترونية إلى محفّز للعمل المستدام من خلال معالجة عدم تطابق العرض والطلب في القوى العاملة حول العالم.

pexels-photo (3).jpg
هل ستصبح الخدمات المستقلة مصدراً موثوقاً للدخل في المنطقة؟
(الصورة من " بيكسيلز" Pexels)

ثمة جدل حول مدى تأثير اقتصاد الخدمات المستقلة وما إذا كان سيهيمن على المشهد أم لا، إلاّ أنّ هذا الاقتصاد يُعدّ توجّهاً متصاعداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مع ظهور المزيد من الشركات القائمة على توفير الخدمات عند الطلب on-demand وانتشار الوظائف المؤقتة على الإنترنت. توفّر منصات مثل "نبّش Nabbesh" و"تصميم دوت كوم" Tasmeemme.com، و"كريم" Careem، و"فيتشر" Fetchr الآن فرصاً جديدة في الشرق الأوسط. وتختلف مدة الوظائف المؤقتة وطبيعتها كثيراً، إذ يمكن أن تبدأ من دراسة مدتها ثلاث دقائق إلى مشروع مدته 14 شهراً.

ووفقاً لشركة "ماكينزي" McKinsey للاستشارات الإدارية، في أوروبا والولايات المتحدة يعتمد حوالي 162 مليون شخص على الوظائف المؤقتة، ما يمثل 30% تقريباً من السكان العاملين، ولا يستخدم سوى 15% منهم وسيلة رقمية للبحث عن تلك الوظائف. وبالتالي، مع استمرار نمو الاقتصاد القائم على الخدمات عند الطلب، فمن المؤكد أننا سنشهد تزايداً سريعاً لهذه النسبة.

كيف ستستفيد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

تعاني منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من أحد أعلى معدلات بطالة الشباب على مستوى العالم، يصل إلى 30%. لذلك يعتبر الاعتماد على اقتصاد الخدمات المستقلة وسيلة لزيادة العمالة ولتحسين التفاوت في الدخول.

على المقلب الآخر، لا يزال توظيف النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أقلّ بكثير من المتوسط العالمي البالغ 63%، حيث تعمل امرأة واحدة فقط من بين كلّ خمس سيدات رغم أنّهن حاصلات على قسط من التعليم. ولحسن الحظ، تتمتع بلدان المنطقة بنمو مرتفع نسبياً في استعمال الهواتف الذكية، ما يتيح فرصة كبيرة يمكن استغلالها لزيادة الوظائف المؤقتة، وبالتالي معدّلات العمالة.

"ستيلا آند دوت" Stella & Dot هي قصة نجاح غربية، ومؤسّستها جيسيكا هيرين التي تبيع الأزياء على الإنترنت، قرّرت استهداف النساء اللواتي يحتجن إلى دوام جزئي مدفوعات بروحهنّ الريادية. ولديها الآن أكثر من 50 ألف سيدة من ست بلدان يجرين عمليات بيع مباشرة ويحتفظن بحوالي 35% من قيمة المبيعات. نجحت هيرين في تنمية عملها وتغيير حياة النساء، ويمكن لمبادرات وشركات ناشئة مماثلة تتمتع بالمرونة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تتحوّل إلى قصص نجاح كبيرة لأنّ النساء في المنطقة يزددن علماً وإلماماً بمجال التكنولوجيا. وعلى صعيد المنطقة، يفتح موقع "نبّش" للأعمال المستقلة في المنطقة نافذةً تتيح للنساء العمل عن بعد وبدوام جزئي من خلال استخدام مهاراتهن وتعليمهن بشكل جيّد.

نظراً إلى عدم الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا الذي لا يبدو أنه سيتغيّر قريباً، يمكن للوظائف المؤقتة أن تساعد البعض على كسب الدخل خلال الحروب مستفيدين من تعليمهم. وقد لوحظ ذلك في قطاع غزة، حيث لا يزال 40% من السكان يعيشون تحت خط الفقر فتحوّل المتعلمون إلى الوظائف المؤقتة على الإنترنت سعياً إلى فرص أفضل. يمكن تكرار ذلك في مختلف بلدان المنطقة التي تعاني عدم استقرار وارتفاعاً في معدلات التوظيف، بما في ذلك اليمن وسوريا والعراق، إذا تحسنت سرعة الإنترنت ونطاق انتشاره. وفي هذا الإطار، يحاول موقع "أنا مهني" Ana Mehani الذي يعمل حالياً في ست مدن في اليمن معالجة مشكلة البطالة الملحة من خلال ربط العمال المهنيين بالعملاء.

ولكن الحذر واجب

رغم أنّ الوظائف المؤقتة ستساعد على التحرر من القيود، يمكنها أيضاً أن تثير شعوراً بعدم الأمان كما تثير منافسةً شرسة بين الموظّفين الذين يتسابقون للوصول إلى أدنى سعر من أجل الحصول على العمل.

ويمكن القول إنّ الشركات القائمة على توفير الخدمات عند الطلب تستغلّ العمال من خلال حرمانهم من المنافع والمستحقات مثل الإجازات المرضية والرعاية الصحية لخفض التكاليف، أو بعبارة أخرى: لا تعاملهم كموظفين. وباستغلالهم فهي تخفّض التكاليف وتزيد من الأرباح. أو بعبارة أخرى، تزيد التفاوت في الدخل بدلاً من الحد منه.

تدّعي الشركات أنّ العمال يتمتعون بالمرونة لكنّهم لا يحظون دائماً بهذه الرفاهية، ومن الأمثلة على ذلك شركة "ديليفيرو" Deliveroo القائمة على نموذج الخدمات عند الطلب. حاولت محققة سرية من صحيفة "فاينانشال تايمز" Financial Times اكتشاف أوضاع عمل سائقي الشركة عبر التقدّم للعمل معها. أدركت المحقّقة أنّ لا خيار أمامها سوى العمل لأربع مناوبات عمل أسبوعياً لا يمكن تغييرها، في حين كانت مناوبات نهاية الأسبوع إلزامية أيضاً رغم إبلاغها بأن عليها العمل لليلتين على الأقلّ لمدة ساعتين إلى ثلاث ساعات.

يُعتبر اقتصاد الخدمات المستقلة خطوةً نحو الأتمتة. وكون المهمة أو العمل المطلوب يُشفّر ويُعزل كي يُسنَد إلى موظفين مستقلين لإنجازه، فهذا يعني أنّه يمكن أتمتته. على سبيل المثال، تتوقع شركة "كريم" طرح سيارات بدون سائق في دبي في المستقبل القريب. سيثير هذا الأمر مشكلة إذا تحوّل الشباب إلى وظائف مؤقتة بدوام كامل لا تتطلب مهارات، كأن يصبح أحدهم سائق "كريم" أو ساعياً من دون أن يتلقى أي تدريب. وهذا سيؤثر على مستقبل الابتكار والإنتاجية.

ترى اقتصادات الغرب في سوق العمل المرن نقطةً تنافسيةً ومكمن قوة. وعلى الرغم من احترام هذه الاقتصادات لحقوق الإنسان، يشهد اقتصاد الخدمات المستقلة حوادث تسلّط الضوء على انتهاكاتٍ للقانون، مثل استغلال العمال والتهرب من الضرائب على عقود الدوام الكامل.

ويظل السؤال مطروحاً: هل ستشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بعض الممارسات غير المشروعة كالتي يشهدها الغرب مثل استغلال العمال، أم أنها ستعالج التكاليف التي ترافق اقتصاد الخدمات المستقلة في الوقت الذي تجني فيه الفوائد؟

الصورة الرئيسية من "ستوكفولت" Stockvault.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة