كيف استطاعت الكويت أن تكون مهداً لأكبر عمليات التخارج في الشرق الأوسط؟

Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

من بين جميع الأسواق في مجلس التعاون الخليجي، نادراً ما تجذب الكويت المستوى نفسه من الاهتمام نظراً إلى جيرانها الأكثر هيمنة. فالمملكة العربية السعودية بعدد سكانها الكبير وناتجها المحلي الإجمالي المرتفع، أصبحت محط اهتمام معظم الشركات التي تتطلع إلى التوسع، في حين توفّر الإمارات العربية المتحدة منصّةً للوصول إلى السوق الإقليمية.

وبين هذه القوى النافذة تمكّنت الكويت، بعدد سكانها المتواضع البالغ أربعة ملايين نسمة فقط، من أن تغذي أحد  أكثر البيئات الحاضنة لريادة الأعمال صلابة في مجلس التعاون الخليجي.

وولدت أكبر عمليات التخارج في الشرق الأوسط في هذا البلد الغني بالنفط وبفضل حكومته الحريصة على تشجيع المزيد، حيث أعلنت مؤخراً عن تخصيص استثمارات بقيمة 200 مليون دولار في شركات التكنولوجيا.

وجاءت نقطة التحوّل في الكويت مع الاستحواذ على موقع "طلبات" 2015. وسيذكر معظم مؤسسي الشركات الناشئة والمستثمرين في الكويت "طلبات" على أنها مصدر إلهام أو لحظة أثارت اهتمامهم بريادة الأعمال.

تأسس موقع "طلبات" عام 2004 بقيادة عبد العزيز اللوغاني ومحمد جعفر وخالد العتيبي، ويعتبر الآن أكبر منصة لطلبب الطعام عبر الإنترنت في الشرق الأوسط. استحوذت شركة التجارة الإلكترونية "روكيت إنترنت" Rocket Internet التي تتخذ من ألمانيا مقراً لها على شركة "طلبات" مقابل 170 مليون دولار. وكانت الصفقة في ذلك الوقت أكبر صفقة تخارج في مجال التكنولوجيا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، متجاوزة بذلك صفقة "ياهو" و"مكتوب".

بعد ذلك، استحوذت شركة "دليفري هيرو" Delivery Hero، التابعة لشركة "روكيت إنترنت" على شركة "كاريدج" Carriage، وهي منصة أخرى لطلب الطعام عبر الإنترنت مقابل 100 مليون دولار. ولا تزال هاتان الصفقتان الأشهر من نوعهما في المنطقة، في حين يشير نجاح الشركات الناشئة مثل منصة "بوتيكات" Boutiqaat للتجارة الإلكترونية التي تقدر قيمتها بـ300 مليون دولار، إلى احتمال وجود صفقات تخارج أكبر في المستقبل.

لكن الأمر استغرق الكثير من الوقت والجهد لتصل الكويت إلى هذه المرحلة. وجزء من هذه الجهود كانت مدفوعة من الصندوق الوطني لتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وهو صندوق حكومي بقيمة ملياري دينار كويتي (6.58 مليار دولار) تم إطلاقه عام 2013.

يقول اللوغاني إن "أيّ رائد أعمال في الكويت اليوم محظوظ للغاية بكمية الخدمات والبدائل المتوفرة، فقبل عشر سنوات لم يكن هناك أي شيء مثل 'ومضة' ولم يكن هناك انخراط حقيقي. فحجر الأساس للبيئة الحاضنة لم يكن موجوداً، سواء على الجانب القانوني أو الذهني أو البنية التحتية. أما اليوم فأي مؤسس لديه الكثير من الخيارات للحصول على التمويل أو التدريب أو التطوير أو الإرشاد".

عندما بدأ اللوغاني "طلبات" كان 23% من السكان فقط لديهم وصول إلى الإنترنت وبحسب ما يقول، كان معظم نمو الشركة مبنياً على "التجربة والخطأ". واليوم، لدى 99.8% من السكان إمكانية الوصول إلى الإنترنت وفقاً لمؤسسة "إحصائيات الإنترنت العالمية"، بينما يتجاوز معدل انتشار الهاتف المحمولة 200% وفقاً لشركة Budde للأبحاث في مجال الاتصالات.

يتميّز المستهلكون الكويتيون هذه الأيام بوعي ومهارة أكبر في التكنولوجيا. ويقول برهان خالد، المرشد في "مختبر سرداب" Sirdab Lab ": "ما تغيّر هو أن الكثير من الرّهاب والخرافات حول التكنولوجيا قد تلاشيا. فقد رأيت أشخاصاً ليس لديهم أية معرفة تقنية يخرجون ويتعلمون وهم اليوم مطورون أساسيون للفريق".

ساعد خالد في إطلاق أحد أول معسكرات البرمجة والترميز في الكويت "مجموعة مطوري غوغل" Google Developer Group، حيث تعلم كثيرون الترميز والبرمجة ثم قام العديد منهم بإنشاء مشاريعهم الخاصة.

يقول خالد إن "المستثمرين تغيروا أيضاً. فقد كان الاستحواذ على 'طلبات' نقطة تحوّل كبيرة، جعلت المستثمرين يدركون أنها ليست مجرد موقع على شبكة الإنترنت، وهي ليست مجرد هواية ، بل هناك بعض المال الجاد إذا توفّر اهتمام أجنبي كبير، لذلك لماذا لا نخوض التجربة؟ فجأة، أراد الكثير من الناس أن يكونوا مستثمرين أفراداً، ولكن ما كانوا يحاولون فعلاً فهمه هو كيف يمكنهم المشاركة في صفقة التخارج النقدية الكبيرة التالية؟

يبقى أن ننتظر لنرى أين ستحصل صفقة التخارج الكبيرة المقبلة. فبالنسبة للكثير من المؤسسين، تعتبر الكويت سوقاً مريحة للاختبار، ومكاناً للتحقق من صلاحية أية فكرة بسرعة ومن ثم التوسّع في بقية المنطقة. وهي بيئة مفيدة للعديد من الشركات الناشئة التي تمكّنت من تطوير أفكار جذابة لأسواق خارج حدودها الخاصة.

ويقول اللوغاني إن "الإنفاق الاستهلاكي مرتفع للغاية، والبنوك لديها رأس مال جيد، مما ساهم في زيادة الإنفاق الاستهلاكي. أضف إلى ذلك انخفاض كلفة الإنترنت، وارتفاع إلمام المستهلكين بالتكنولوجيا وأنّ أكثر من 50% من السكان دون سن الثلاثين. كل هذه العوامل تضيف إلى السبب الذي يجعل المستهلكين يقضون الكثير من الوقت على الإنترنت في الكويت".

يعتبر متوسط الدخل الرقمي والاتصالات لكل مستخدم أعلى في الكويت من الإمارات العربية المتحدة، مما يجعلها سوقاً مربحة للخدمات الرقمية. 

يقول اللوغاني إن "الكثير من ذلك مولود محلياً، فمن جانب المستهلك هناك معدّل تبنّي أعلى وأسرع للابتكارات الجديدة من بقية دول مجلس التعاون الخليجي، وهو ما ساعد الكويت على خلق منافذ تتعامل مباشرة مع المستهلك". وأضاف أن "الجزء الآخر هو التنفيذ. لا أقصد التباهي، ولكن إذا ذهبت إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي، نادراً ما ستجد مواطنين محليين ينفذون أعمالهم بأنفسهم ويوسعون نطاقها، فالكويتيون عمليون جداً".

قبل اكتشاف النفط عام 1938، كانت الكويت اقتصاداً تحركه التجارة والضرائب، بوجود بعض من أقدم الشركات العائلية التجارية في دول مجلس التعاون الخليجي. تم نقلت هذه الثقافة إلى جيل الشباب، وبما أن الكويت كانت أول دولة في مجلس التعاون الخليجي تنشئ سوقاً للأوراق المالية وترسل الطلاب إلى الخارج للدراسة، فقد تعرّض هؤلاء في وقت مبكر للعالم المعولم، وهو أمر واضح جداً في ثقافتها مقارنة ببقية دول مجلس التعاون الخليجي.

ولكن لا يوجد الكثير من الابتكار، فالكثير من الشركات الناشئة تقلّد نماذج أعمال ناجحة في أجزاء أخرى من العالم. وأحد أسباب ذلك هو نقص المهارات لا سيما المهارات الفنية في الكويت.

يقول سليمان السميط، الشريك في شركة "وثاق" Wethaq للاستشارات المالية: "إنها سوق صغيرة وأعتقد أن تكلفة إطلاق الشركات مرتفعة للغاية. فتكلفة الموقع والحصول على مواهب جيدة ليسا بالأمر السهل".

أما المؤسّس سعود المخيال، مؤسّس "إنستا سلة" InstaSalla، وهي شركة بقالة إلكترونية، فيعتبر أن المشكلة هي التمويل في مرحلة مبكرة. ويوضح قائلاً إنه "من الصعب جداً العثور على التمويل في البداية، عليك أن تدفع من جيبك. وفي بعض الأحيان تحتاج إلى المال الذكي والمستثمرين الأذكياء، وهنا في الشرق الأوسط من الصعب جداً العثور على هؤلاء الأشخاص".

في حين يحق للمواطنين الكويتيين الحصول على دخل أساسي من الحكومة يمكن أن يساعد في تخفيف القيود المالية على أصحاب المشاريع الجديدة لا سيما في الأيام الأولى، فإن الوضع أكثر صعوبة بالنسبة للمغتربين في البلاد الذين يحتاجون إلى كفالة من مواطن محلي لتأسيس شركة في الكويت.

ووفقاً للوغاني، فإن الفجوة الأكبر في التمويل تأتي في مرحلة لاحقة، بدءاً من السلسلة "إي". ففي هذه المرحلة يذهب معظم المؤسسين إلى الصندوق الوطني لأنه مصدر رخيص للتمويل، ولكن من الصعب العثور على شيكات الـ3 ملايين دولار وما فوق.

ولكن إمكانية الحصول على التمويل قد تتحسن مع إعلان بورصة الكويت عام 2018 عن خططها لإقامة سوق لرأس المال المغامر لدعم الشركات الناشئة. وهذا المستوى من الالتزام للشركات الناشئة من مؤسسات الدولة هو مؤشر على التحول الثقافي والمؤسسي لصالح ريادة الأعمال في البلاد.

وكما يشرح المخيال: "حين كان والدي شاباً، كان امتلاك جمل يجعل المرء مليونيراً. وحين باع جميع جماله واشترى أرضاً قال الناس إنه مجنون فقد باع جماله مقابل الرمال. ولكن بعد بضع سنوات، كانت الأرض تساوي الملايين. كانت لديه الرؤية، وأنا اليوم أريد أن أفعل الشيء نفسه".

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة