القطاع الغذائي: نقطة القوة التكنولوجية للشرق الأوسط [رأي]

Image courtesy of Shutterstock

اقرأ بهذه اللغة

مع اختتام "غلفود" Gulfood في دبي، أحد أكبر المعارض في المنطقة، كان واضحاً أن الشهية على الطعام مرتفعة في المنطقة.

فصحيح أن الشرق الأوسط متأخر في العديد من القطاعات مقارنة بباقي مناطق العالم، إلاّ أنه ليس كذلك في قطاع الأغذية والمشروبات حيث إمكانيات الابتكار عالية. لذلك حان الوقت لنتوقف عن حشو بطوننا ونبدأ بالابتكار بدلاً من ذلك.  

فبسكّانها الذين يتجاوزون الـ400 مليون نسمة وتضاريسها الممتدة من الجبال إلى الصحارى وصولاً إلى البحر، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في موقع فريد يتيح لها الاستفادة من ثقافة الغذاء كأساس لإحداث تحوّل في النماذج الحالية.

تبلغ قيمة مبيعات الأغذية والمشروبات اليوم 145 مليار دولار في المنطقة ومن المتوقع أن تنمو إلى 171 مليار دولار بحلول 2023 أي بنسبة 3.33% وهي أعلى نسبة نمو في العالم بحسب تقرير آفاق القطاع عالمياً من "غلفود".

لطالما لعب الطعام دوراً مهماً في المنطقة، حيث استخدمه الخلفاء والعثمانيون بشكل خاص لاستعراض الثروة والبذخ. وبالفعل، فإن الكثير من الأطباق التي نستمتع بها اليوم في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، مستمدة من تأثير الحكام الذين ظهروا في العالم الإسلامي قبل قرون. فالعرب هم الذين عرفوا الإيطاليين على المعكرونة، حين حملوا إليهم الشعرية أو النودلز من الصين إلى صقلية في القرن التاسع حيث كان لهم بوجود لأكثر من 200 عام. ويعتقد أيضاً أن ساموسا الهندية تعود جذورها إلى السمبوسك المشرقي. ولكن كما هو الحال مع كل القطاعات الأخرى تقريباً، أصبحت المنطقة مستهلكة بدلاً من أن تكون رائدة.

غير أن هناك مؤشرات على أن كل ذلك يتغيّر، من الحقل إلى الطبق.

لنأخذ مثلاً "بيور هارفست سمارت فارمز" Pure Harvest Smart Farms، الشركة التي تطوّر بيتاً زجاجياً متطوراً مزوداً بأجهزة استشعار لزراعة الطماطم مائياً في الإمارات أو مزارع البحر الأحمر في السعودية التي طورت طريقة للزراعة في المياه المالحة. وتقع الأخيرة في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) التي تمكّنت من تطوير العديد من التقنيات الفريدة والبارعة لمعالجة قضايا الأمن الغذائي بما في ذلك مشروع "أوياسيس" Oases الذي صمم تكنولوجيا إضاءة تقوم على الليزر وحاصلة على براءة اختراع وقوية بما فيه الكفاية لمساعدة النباتات على النمو بشكل أكثر كفاءة، وتجاوزت التقنيات الحالية مثل LED. أما "إيداما للحلول العضوية" Edama Organic Solutions، بقيادة رائدة الأعمال السعودية كنانة دحلان فتقوم بتحويل النفايات العضوية إلى مكيّفات للتربة تتكيف مع المناخ الصحراوي. وتساعد على التغلب على مشكلات ندرة الأغذية والمياه والحد من المخاطر البيئية الناجمة عن النفايات العضوية.

لن تفيد هذه الحلول الزراعية المنطقة فحسب، بل يمكن تكييفها واستخدامها وبيعها في جميع أنحاء العالم. على الصعيد العالمي، ظهرت تكنولوجيات جديدة أو يجري تكييفها عبر سلسلة التوريد. فسلسلة البلوكات Blockchain هو أداة مثيرة يمكن استخدامها للتتبع. فقد تكونون تقرأون هذه السطور وأنتم تأخذون رشفة من قهوة الصباح أو بعد الظهر. ومن خلال مسح رمز الاستجابة السريعة QR code الموجود على علبة البن، ستتمكنون قريباً من تتبّع رحلة حبوب البن بدءاً من المزرعة التي تم انتقاؤها منها مروراً بالمحمصة التي قامت بمعالجتها وتعبئتها والشاحنة التي سلّمتها إلى رف السوبرماركت.

كما تستعمل سلسلة الحلال الرقمية Halal Chain ومقرها دبي سلسلة البلوكات لتحديد أصول اللحم الحلال. وهذا الاستخدام إذا اقترن بتكنولوجيا اختبار الحمض النووي يمكنه تحديد الحيوان الذي ذُبح للحصول على لحمه.

ما يتغيّر أيضاً هو الطريقة التي تصل فيها هذه المكوّنات إلى المطابخ وكيف تستخدم تجارياً. فالطباخون والطباخات على إنستاغرام يستخدمون هذه المنصة لجني المال من الأطباق التي يعدّونها في بيوتهم وكسب الزبائن ولكن بسبب حملة السلطات عليهم للحصول على رخص، بدأت المطابخ التجارية و"المطابخ السوداء" بالظهور. فشركات مثل "ذا ليب نيشن" و"كيتوبي" اللتين تعملان ضمن ما يوصف بالمطابخ السوداء حيث يمكن للعديد من العلامات التجارية العمل من مطبخ تجاري واحد، ألغت الحاجة إلى مطاعم قائمة مع استمرار ارتفاع الطلب على خدمات طلب الطعام عبر الإنترنت. وهذا يأخذنا إلى القطاع الاستهلاكي حيث يحصل معظم النشاط في منطقة الشرق الأوسط. فأمثال "طلبات" Talabat و"كاريدج" Carriage  و"أطلب" Otlob تقوم بتوصيل آلاف الوجبات يومياً وقد استحوذت عليها شركة "دلفري هيرو" Delivery Hero لتوصيل الطعام التي تتخذ من ألمانيا مقراً لها وتملك أيضاً الشركة السعودية "هانغر ستايشن" HungerStation والشركتين التركيتين "يميكسيبتي" Yemeksepeti وفودونكليك" Foodonclick. وهذه العلامات التجارية الستة تنتج مجتمعة حوالي نصف عائدات "دلفري هيرو"، أي 191 مليون طلب من أصل 370 مليون عام 2018.

ولكن أياً من هذه النماذج فريد من نوعه ولكنها جميعاً أثبتت قدرة المنطقة على التحوّل. لم يكن أي من هذه النماذج التجارية فريداً من نوعه في حد ذاته، ولكنهم أظهروا جميعاً انفتاح المنطقة على الانقطاع. فقد استطاعت "لانش أون" LUNCH: ON أن تبتكر نموذج تسليم توصيل يلبّي احتياجات موظفي المكاتب، في حين أن استخدام مؤسسي "سولت برجر" Salt Burger في دبي لإنستاغرام أكسبتهم فيلقاً من المتابعين ما أتاح لهم بافتتاح العديد من المطاعم.

نشأت كل من "طلبات" و"كاردج" في الكويت، حيث أطلقت "ديلفرو" Deliveroo للتو خدماتها. فالكويت تهدف لأن تصبح عاصمة الطعام في العالم بحلول عام 2030. وقد أطلقت الحكومة مسرعة نمو للشركات الغذائية للمساعدة في تحقيق ذلك، في الوقت الذي بدأت فيه سلاسل الامتيازات الأجنبية تتضاءل مع ظهور العلامات التجارية الغذائية المحلية في دول مجلس التعاون الخليجي ـ بعضها يتوسّع الآن خارج المنطقة إلى أوروبا والولايات المتحدة. كل ذلك يدلّ على أن المنطقة تحتفل بالغذاء وتحتضنه إلى درجة أنه أصبح تجربة أكثر من كونه وسيلة للبقاء، وخلق فرص جديدة.

لا يجب أن يأتي الابتكار بالضرورة على هيئة تكنولوجيا عميقة أو عالية التقنية لكي نكون روّاد، بل من قدرتنا على تبنّي تقنيات جديدة - وهذا شيء يمكننا استخدامه لصالحنا، بدلاً من نسخ نماذج أخرى من أجزاء مختلفة من العالم.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة