و‘أشرقت الشمس‘ على الشركات الناشئة في مصر

اقرأ بهذه اللغة

 


تسعى "شمسينا" لتأمين سخّانات المياه الشمسية للفقراء.

وضعَت سارة موسى عينَيها على الأولاد الصغار الذين يتعاركون بالعِصيّ في شارعٍ من شوارع الدرب الأحمر الفقيرة في القاهرة، واعتذرَت عن الانتظار فيما يتمّ تركيب سخّان المياه بالطاقة الشمسية الخاصّ بها.

خارج ورشتها المستأجرة آغا خان، كانَت موسى تحاول ترك نموذجٍ عن الإعانة في الشارع لكي تُظهِر للناس أنّ شركتها الناشئة الاجتماعية، "شمسينا" Shamsina، تبني سخانات مياهٍ بالطاقة الشمسية رخيصةً وعمليةً للفقراء المعوزين. ولكن لسوء الحظّ، قرّر الأطفال في الشارع أنّ لوحة الطاقة الشمسية هذه قد تكون هدفاً أفضل لرمي الحجارة.

موسى هي واحدةٌ من روّاد الأعمال الاجتماعية الذين يستهدفون مشاكل السوق المصرية التي تتزايد فيها المناطق التي تعاني من عدم التغطية بالشبكة الكهربائية، أو من النقص في الكهرباء، أو حتّى عدم الاهتمام بيئياً بالطاقة الشمسية.

وتدرّجَت أعمال هذه الريادية من "موسى للمشاريع الاجتماعية"، إلى شركةٍ تسمّى "صن سيتي" Sun City - أرادَت منها إعادة هندسة الأنابيب في المباني لطرد المياه الباردة من تحت سخّانات المياه بالطاقة الشمسية - وصولاً إلى أقدم شركةٍ ناشئةٍ للطاقة الشمسية في مصر، "كرم سولار" KarmSolar التي تبلغ خمس سنواتٍ من العمر.

وفي غضون ذلك، بعدما طلب الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي أن يتمّ توليد 20% من الطاقة في البلاد اعتماداً على الموارد المتجدّدة بحلول عام 2020، وبعد إصدار الكثير من التشريعات الحكومية بعد سنواتٍ من التعطيل، فإنّ هذا القطاع ينمو بسرعة في وقتٍ بات يتدفّق روّاد الأعمال الشباب إليه.

دفعةٌ حكومية

بعدما عملَت الحكومة العام الماضي على دعم مفهوم الطاقة المتجدّدة أخيراً، شهد قطاع الطاقة الشمسية في مصر، على اختلاف أحجامه، دفعةً كبيرةً بعدما ألقَت الحكومةُ أخيراً دعمَها وراء مفهوم الطاقة المتجدّدة.

وفي هذا الإطار، سعَت الحكومة للعمل على إيجاد تشريعاتٍ خاصّةٍ بقطاع الطاقة الشمسية في مصر "بسرعةٍ كبيرة،" على حدّ تعبير رئيس الوكالة الوطنية للطاقة المتجدّدة NREA، محمد السبكي. ويقول هذا الأخير، إنّ الكثير من الخطوات والأعمال تمّ القيام بها قبل السنوات الخمس التي سبقَت عام 2014، ولكنّ التهديد السياسيّ الذي نجم عن انقطاع التيّار الكهربائيّ في الصيف بشكلٍ مستمرّ بعد انتخاب السيسي رئيساً في حزيران، دفع الحكومة إلى العمل بشكلٍ جدّيّ.

أمّا بالنسبة لروّاد الأعمال، فقد كانت نقطة التحوّل في منتصف عام 2014 عندما خفّضَت الحكومة المصرية دعمها للطاقة بشكلٍ غير متوقَّع، على حدّ قول طارق سليمان، أحد مؤسِّسي شركة "سوليرا" Solera لتركيب سخّانات مياه بالطاقة الشمسية من النوعية الجيّدة.

وفي حديثٍ له مع "ومضة"، يشير إلى أنّه "قبل عام 2013، لم يكن أحدٌ يعير اهتماماً للطاقة الشمسية لأنّه لم يكن هناك مشاكل كبيرة. فالحكومة كانت تدعم الطاقة، ولكن بسبب ضعف الاقتصاد (فيما بعد) لم تعد قادرةً على هذا الدعم." ويتابع قائلاً، "لقد رأينا فرصةً في الطاقة الشمسية. لقد أدركنا أنّ الحكومة في هذه المرحلة لن يكون لديها قدرةً كافيةً على تقديم الطاقة لمصر كلّها، خصوصاً بعدما أصدرَت عدّة بياناتٍ عن رفع الدعم."

من جهةٍ ثانية، يرى آخرون أنّ الدفعة التي قامت بها الحكومة جاءت في شهر أيلول/سبتمبر من عام 2014، بعد تقديم نظام تعريفة التغذية feed-in tariffs لمشاريع الطاقة الشمسية والرياح المتّصلة بالشبكة الكهربائية (وهو نظامٌ حيث تدفع الحكومات سعراً ثابتاً للمولّدات عن الكهرباء التي يغذّون بها شبكة الكهرباء الوطنية).

وبما أنّ هذا النظام يهدف إلى دعم مزارع الطاقة الكبيرة، فإنّ أعلى التعريفات التي تبلغ 1.025 جنيهاً مصرياً عن كلّ كيلو واط ساعة، تُدفَع لمحطّات توليد الكهرباء التي تولّد ما بين 20 إلى 50 ميجاواط. وتتناقص هذه التعرفة تدريجياً مع مزارع الطاقة الصغيرة والنظم التي يتمّ تركيبها في المنازل.

تكثر الفرص أمام الشركات الناشئة التي تستهدف الطاقة الشمسية في مصر، ولكن من المبكر الحديث عن نوع التقنيات أو نماذج العمل التي سوف يتمّ اعتمادها.

وفيما يبدو هذا الأمر بعيداً عم متناول معظم الشركات الناشئة، تسعى "كرم سولار" للاستفادة من هذا البرنامج. وهذا الأخيرة التي بدأت حياتها ببيع أنظمة ضخّ المياه بالطاقة الشمسية للمزارعين وسواهم ممّن يتعذّر عليهم الوصول إلى الشبكة الوطنية، تعمل اليوم على إضافة مزرعتَين كبيرتَين للطاقة الشمسية إلى محفظتها؛ الأولى بطاقةٍ إنتاجيةٍ تبلغ 2 ميجاواط، والثانية 20 ميجاواط.

بدوره، يبدي المدير التنفيذيّ في "كرم سولار"، أحمد زهران، امتعاضه من فكرة الاعتماد على الحكومة، ويقول إنّ إنتاج الطاقة الشمسية على نطاقٍ واسعٍ ليس الجزء الأكثر ربحيةً من السوق بالنسبة للشركة، ولكنّه يشير إلى أنّ هذه النقلة مهمّة للاستفادة من العائدات التلقائية التي تعِد بها تعريفة التغذية. ويشرح الأمر بقوله، "لا نريد الاعتماد على الحكومة، ولكنّنا نوزّع المخاطر عبر وجود عملاء مختلفين."

تكاثر الفرَص

في حين تتّسم الفرص المتاحة أمام روّاد الأعمال الموجّهة نحو الطاقة في مصر بالسعة والكبر، تنقسم الآراء حول أيّ طرفٍ من الفاعلين في مجال الطاقة الشمسية سيكون الفائز الأكبر.

يقول زهران إنّ ميزة "كرم سولار" التنافسية التي لا يستطيع أحدٌ مجاراتها فيها، تكمن في تقديم الطاقة لعدد الأشخاص المتزايد الذين لا يستطيعون الوصول إلى شبكة الكهرباء الرسمية. وعلى الرغم من عدم إفصاحه عن الجزء الذي يجري اختباره، يشير زهران إلى أنّ الشركة بدأَت بإنتاج جزءٍ مهمٍّ من الطاقة في مصر لتحسين إدارة الجودة وتجربة نظامٍ هجينٍ من نظام الضخّ القائم على الطاقة الشمسية والديزل.

من جهته، يؤمِن أحمد عباس من "صَن سيتي" بأنّ نظام إعادة تدوير المياه الخاصّ به سيكون أساسياً بالنسبة للأشخاص الذين يستثمرون في سخّانات المياه على الطاقة الشمسية، وذلك بما أنّه سيحدّ من هدر المياه في أثناء فتح الحنفية بانتظار الماء الساخن. ويستهدف عباس بنظامه المكمّل هذا الذي لا يزال في مرحلة النموذج الأوّليّ، الزبائن الميسورين.

من جهةٍ أخرى، تسعى "سوليرا" لافتتاح أوّل مصنعٍ في مصر لسخّانات المياه على الطاقة الشمسية هذا العام، واضعةً نصب عينَيها التصدير إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وإلى كلّ أفريقيا. بدوره، يقول سليمان الذي عمل سابقاً كمصرفيٍّ في قسم الاستثمار، إنّ البحث الذي أجرَته الشركة الناشئة أوضح أنّ سخّانات المياه العاملة على الطاقة الشمسية هي الأكثر ربحيةً للبائع كما للزبون: فتركيب سخّانٍ واحدٍ من تلك التي توفّرها الشركة في فيلّا يقطنها ستّة أشخاص، يمكن أن يوفّر 3.106 كيلوواط ساعة سنوياً، أي ما يعادل 325.69 دولاراً أميركياً. وبما أنّ التقسيط يتمّ على ثلاث سنوات، فإنّ المالك سيتمتّع بعد انتهاء هذه الفترة بـ15 عاماً من المياه الساخنة مجّاناً.

ولكن على الرغم من أنّ هذه السوق ضخمة، يقول الشريك المؤسِّس في "رودوسول" RodoSol، أحمد مختار، إنّ الألواح الضوئية التي تُركّب على السطح (PV) ينبغي أن تكون أساسيةً في صناعة الطاقة الشمسية في البلاد، مشيراً إلى أنّه يجب على الحكومة دعم هذا الأمر من خلال القروض الميسّرة.

وفي مقابلةٍ مع "ومضة"، يقول مختار إنّ "60 إلى 75% من الطاقة التي يتمّ توليدها عبر الألواح الشمسية، حسب اعتقادنا، يجب أن تأتي من تلك المثبّتة على أسطح المباني." ويضيف أنّ "السوق حديثة العهد جدّاً وكبيرة، ومن هذا المنطلق تبرز إمكاناتها. هذه السوق تتّسع للجميع إلى أن يتمّ إشباعها، وهذا لن يحصل قبل 10 أعوام."

تعليم الجيل القادم

إنّ ضمان مستوى عالٍ من جودة المشاريع هو أمرٌ بالغ الأهمّية لاستدامة هذا القطاع، على حدّ تعبير مختار.

وفي هذا السياق، بات يتوفّر التدريب لروّاد الأعمال المحتملين والأشخاص المهتمّين في تقنيات الطاقة الشمسية في القاهرة، بواسطة "جمعية تنمية الطاقة الشمسية المصرية" SEDA، وأكاديمية الطاقة الشمسية "ريناك أويزس"RENAC-Oasis Solar Energy Academy.

يقول مختار، إنّه "من المهمّ للشركات التي تريد العمل في قطاع الطاقة الشمسية أن تكون مؤهّلةً لذلك." ويتابع قائلاً، "نحن نناقش حالياً هيئة الطاقة المتجددةNREA  لتنظيم هذه المسألة، كي نتجنّب دخول شركاتٍ غير مهنية إلى هذه السوق وتدمّر جوهرها، عن طريق توفير منشآتٍ منخفضة الجودة من شأنها أن تؤثر على سمعة قطاع الطاقة الشمسية ككلّ."

وفي حين تعمل "جمعية تنمية الطاقة الشمسية المصرية" SEDA على نشر الوعي وتأمين دوراتٍ تدريبيةٍ منخفضة الكلفة، تقدّم الأكاديمية شهاداتٍ للمهندسين والفنّيين العاملين في مشاريع توليد الحرارة والكهرباء من الطاقة الشمسية، ودوراتٍ معرفيةً عامّةً لرجال الأعمال والمدراء، والتوجيه المخصّص للشركات الناشئة.

مستثمرون حذرون وبيروقراطية صعبة

رغم كلّ ذلك، لم يلحق المستثمرون كلّياً بركب الشركات الناشئة التي تزايدَت أعدادها بشكلٍ كبير، والتي تحتاج إلى المال النقديّ.

فالنقص في التمويل وصعوبات الحصول على الامتيازات المتاحة، كانت الشكوى المشتركة التي أبداها معظم روّاد الأعمال الذين تحدّثَت "ومضة" معهم. وكحلٍّ للأزمة النقدية، اقترحوا إيجاد صناديق التمويل الخضراء، والقروض الميسّرة والإعفاءات الضريبية العملية، بالإضافة إلى القروض المدعومة من قبل الحكومة لمشاريع الطاقة المتجددة.

في حديثٍ مع "ومضة"، قال المستثمر ورائد الأعمال المتسلسل، كون أودونيل، إنّ عدداً من الشركات الناشئة التي ترتبط بمجال الطاقة الشمسية قد عرضَت في فكرة "كايرو أنجلز" Cairo Angels [المستثمرين التأسيسيين في القاهرة] من أجل تأمين المال اللازم للاستثمارات، ولكن تمّ التشكيك في الأفكار المطروحة هذه من قبل الجمهور. ولكن يجدر بالذكر أنّ مسرّعة النموّ "فلات6لابز"Flat6Labs  كانت قد دعمَت "صانيرجي" Sunergy في العام الماضي، و"سولاريست" Solarist  عام 2013، وذلك بعدما عانَت هذه الأخيرة لإيجاد تمويلٍ لتكنولوجيا تحلية المياه بالطاقة الشمسية.

من جهةٍ ثانية، يعتبر زهران أنّ الاعفاءات الضريبية للطاقة المتجدّدة تشكّل أمراً مزعجاً له، بحيث يقول إنّه في ظلّ وجود قانونٍ لإزالة الرسوم الجمركية على الأجزاء المخصّصة للطاقة المتجدّدة، "كيف يمكنك إثبات أيّ جزءٍ يتعلّق بالطاقة المتجددة؟ إنّه تحدٍّ خطير."

ويكشف أنّ "كرم سولار" دفعَت الكثير للحصول على المعدّات من خلال الجمارك، ولكنّها تعمل حالياً على استراتيجية رفض الكشف عنها حفاظاً على المنافسة، سوف تحلّ هذه المشكلة في وقتٍ قريب.

منافسة الوقود الأحفوري

الضرائب وندرة التمويل الاستثماري، ليست التحدّيات الوحيدة التي تواجه الشركات الناشئة العاملة في مجال الطاقة الشمسية في مصر؛ بل إنّ انخفاض أسعار النفط والعصر الجديد الذي يشهده الفحم، هي من القضايا التي يمكن أن تؤثّر على هذا القطاع.

ففي كانون الأوّل/ديسمبر، قال وزير النفط شريف إسماعيل في بيانٍ له، إنّه يمكن لمصر أن توفّر 3.9 مليار دولار أميركيّ، أي ما يعادل ثلث فاتورة الدعم التي تقدّمه، إذا بقيَت أسعار النفط بين 50 و60 دولاراً. ويأتي ذلك في وقتٍ تعمل بلدانٌ مثل إندونيسيا على استخدام أموالٍ إضافيةٍ لخفض، أو إنهاء الدعم، على الوقود.

ومع ذلك، بدأت مصر في شهر تموز/يوليو عام 2014 حزمة إصلاحاتٍ للدعم تمتدّ على خمس سنوات، وذلك في ظلّ حذر الحكومة ممّا قد تواجهه إذا ما أرادَت البدء في الجولة الثانية من تخفيض الدعم هذا العام، نظراً إلى ردّ الفعل العنيف الذي واجهته بعد الجولة الأولى.

وبالإضافة إلى ذلك، عمدَ مجلس الوزراء في شهر نيسان/أبريل من العام الماضي إلى الموافقة على استيراد الفحم لأوّل مرّةٍ في تاريخ مصر، وذلك لإيجاد مصدرٍ جديدٍ للطاقة منخفضة التكلفة، ولكنّ هذا يضع مشاريع الطاقة الشمسية أمام منافسةٍ جديدة. وفي الوقت الحاليّ، تخطّط البلاد لإنشاء أوّل وأكبر محطّة للطاقة من الفحم في العالم، فيما تخطّط الشركات أيضاً، بما فيها شركة "أوراسكوم" Orascom لبناء محطّاتٍ خاصّةٍ كبيرة.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة