الطلب الجديد على الطاقة يتطلّب 'شحناً قوياً' [القسم الثاني]

اقرأ بهذه اللغة

يضجّ العالم هذا العام بكلمة ‘بطاريات‘، وذلك في وقتٍ أطلقَت شركة "تسلا" Tesla جهاز التخزين خاصّتها الذي يُعلَّق على الحائط ويُستعمَل في المنازل، ما أشعل السباق العالميّ حول ابتكار ‘البطارية الخارقة‘.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنّ اعتماد تقنية البطّاريات سيؤدّي إلى تغييراتٍ جذريةٍ في المنطقة، بحيث ستصبح الدول النفطية دولاً تعتمد على الطاقة الشمسية ويصبح بإمكان كلّ منزلٍ أن يتزوّد بالطاقة من تلقاء نفسه.

هذا هو الجزء الثالث من الأجزاء الثلاثة التي تغوص فيها "ومضة" موضحةً الإمكانات والتحدّيات المرتبطة بعمر البطارية. المقال الأول في هذه السلسلة كان عن "البطاريات ومستقبل الطاقة في المنطقة والعالم"، والثاني "الطلب الجديد على الطاقة يتطلّب 'شحناً قوياً'"[القسم الأول]

تصوّر أنّه يمكنك تخزين الكهرباء التي تغذّي منزل خلال النهار، لاستخدامها عند انقطاع التيّار الكهربائيّ أو لتشغيل منتَجاتٍ تحتاج إلى كثيرٍ من الطاقة مثل مكيّفات الهواء.

هذا الحلم يتحوّل إلى حقيقةٍ في الولايات المتّحدة الأميركية (لعددٍ قليلٍ من الأشخاص المختارين الذين أرسلوا طلباتهم بسرعة)، وذلك بعدما أعلن مؤسِّس "تسلا" Tesla، إلون ماسك، عن إطلاق بطّارية "باور وول" Powerwall المنزلية، في شهر نيسان/أبريل الماضي. وهذه البطّارية قليلة السماكة بشكلٍ يمكن تعليها على الحائط، يمكن لأكبر وحدةٍ منها أن تخزّن 10 كيلوواط ساعة. أي ما يساوي مقدار خمس ساعاتٍ من الطاقة، بحسب الأرقام التي أعلنَت عنها "وايرد" Wired.

من جهةٍ أخرى، الوضع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مختلف. فحتّى لو توافرَت بطارية "باور وول" فيها، سيتمّ تعديلها لتتكيّف مع تقلّبات التيار الكهربائي محلّياً. كما أنّ انقطاع التيّار المتكرّر والحاجة للجوء إلى مصادر بديلة للطاقة الكهربائية، يجعل هذا النموذج مناسباً لعدّة أمكان في المنطقة.

 وهذه مشكلةٌ بدأ عددٌ قليل من روّاد الأعمال المحلّيّين باستثمارها.

روّاد الأعمال

لم تستِطع "ومضة" أن تحدّد إلّا شركتَين تعملان بتكنولوجيا البطاريات هما "إنرجي24" Energy24 في لبنان، و"چرين بوكس إنرجي" Green Box Energy في الأردن. وأيضاً، بدأت شركات الطاقة المتجدّدة باستخدام ابطّاريات في منتَجاتها، كما تفعل "نِت إنرجي" Net Energy الأردنية و"سولارايز إيجبت" SolarizeEgypt، عبر تقديم خدمة الألواح الشمسية وأجهزة تخزين الطاقة على حدٍّ سواء.

ناديا ماسوني، المديرة المالية لـ"إنرجي24" التي أُطلِقَت عام 2011 والتي يعتبر مؤسِّسوها أنّها لا تزال في الوضع التجريبيّ، تقول إنّ هذه الشركة الصغيرة تعاني من عدم القدرة على تلبية الطلب حتّى في هذه المرحلة. ففي الوقت الحالي، لدى الشركة 70 عميلاً في لبنان، يقومون بشراء أو استئجار "نظام تخزين الطاقة ‘energy storage system’ (ESS) الموصى عليه مسبَقاً، غير أنّ كثيراً من الاستفسارات والطلبات تأتي من دول المنطقة.

وفي حديثها مع "ومضة"، تقول ماسوني إنّ السوق (بالنسبة لأنظمة تخزين الطاقة) ما زالت حديثة العهد وجديدة، ولا تنتشر بشكلٍ كبيرٍ في المنطقة. ما يعني أنّه يوجد مجالٌ كبيرٌ للنموّ والكثير من العملاء للوصول إليهم."

ونظام تخزين الطاقة الذي توفّره "إنرجي24" يعمل كرصيدٍ احتياطيٍّ للطاقة، إذ ما لا يتمّ استخدامه من كهرباء الشبكة الوطنية يقوم بتغذية نظام تخزين الطاقة الذي يوضع في المنازل والبنايات، وعند انقطاع التيّار يعمل كبطّاريةٍ احتياطية - وهو ما يمكن اعتباره نموذجاً شبيهاً (وأقلّ تكلفة) ببطارية "باور وول" التي تُنتِجها "تسلا". وبالنسبة إلى النموذج الجديد، فهو سيتضمّن مصدراً للطاقة المتجدّدة، بحيث يمكن للمستخدِمين أن يولدّوا الكهرباء وتخزينها في الوقت عينه.

وتضيف ماسوني أنّ الشركة تبحث عن استثمارٍ لتدعيم قدراتها التصنيعية، ولتوظيف المزيد من تقنيّي التركيب المدرّبين للتعامل مع المعدّات عالية الجهد (high voltage).

ماسوني إلى جانب المؤسِّس أنطوان صعب بعد الفوز بمسابقة "كأس بادر للشركات الناشئة 2014. (الصورة من "ومضة)

من جهةٍ ثانية، الشركة الأردنية الناشئة، "چرين بوكس إنرجي"، التي أُطلِقَت ها العام تريد تصنيع نموذجها من لوح الطاقة الشمسية الذي يتضمّن بطّاريةً محلّياً. وعلى الرغم من توافر هذه التقنية على نطاقٍ واسع، كما هو حاصلٌ على موقع "علي بابا" Alibaba الذي يبيع آلاف الوحدات المشابهة، إلّا أنّه ليس من السهل استقدامها إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بسبب المشاكل التي تحيط باستيراد الألواح الشمسية والبطّارياّت. وعلى سبيل المثال، قال لـ"ومضة" الرئيس التنفيذي لشركة "كرم سولار" KarmSolar، أحمد زهران، إنّه على الرغم من عدم فرض رسوم جمركية على المعدّات المتعلّقة بالألواح الشمسية في مصر، إلا أنّ إقناع المسؤولين بأنّ هذه المعدّات سيتمّ استخدامها من أجل الطاقة الشمسية هو بمثابة معركةٍ.

ومع ذلك، يريد مؤسِّسو "چرين بوكس إنرجي"، عمر الزول وراشد جمال، الطالبان في جامعة القدس، أن يبنيا منتَجاً في الوقت الحاليّ للدخول إلى السوق الشرق أوسطية ومن ثم يجعلاه مبتكَراً في وقتٍ لاحق. وقال جمال لـ"ومضة" إنّهما يعملان على وحدةٍ منخفضة التكلفة، ولكنّهما ينتظران دفعةً ماليةً بعد الحلول في المركز الثاني ضمن جائزة الملكة راني للريادة عن فئة الجامعات، هذا العام.

بدوره، يقول محمد عماد الدين من "سولارايز إيجبت" إنّهم أضافوا خيار تخزين الطاقة بعد سؤال العملاء عن كيفية تخزين الطاقة التي يتمّ توليدها من الألواح الشمسية الجديدة التي تنتِجها الشركة، ليتمكّنوا من استخدامها أثناء انقطاع التيّار الكهربائي.

ولهذا، قامَت "سولارايز إيجبت" بإنتاج جهاز ‘UPS-ATS’ للتخزين يعمل بنظام الطاقة غير المنقطعة، وقدّمَته بسعرٍ مقبولٍ ووفرة. وعملَت الشركة على تكييفة ليتلاءم مع الألواح الشمسية التي تنتِجها، وعرضَت هذا النظام في مهرجان سيناء الموسيقيّ في نيسان/أبريل الماضي.

"بطارية منزلية" أصلية في عام 1917: محرّك بقوّة حصانَين يعمل على البنزين أو الكيروزين، مربوطٌ بحزامٍ إلى دينامو (مولّد كهرباء DC)بقدرة 32 فولتاً. ويمكن لهذه البطارية إضاءة 7 مصابيح بقدرة 20 واط أو 9 منها بقدرة 15 واط، لمدّة 7.5 ساعات. (الصورة من "ويكيبيديا")

العقبات

الكلفة المرتفعة هي العامل الأساسيّ الذي يحون دون اتشار استخدام البطاريات بشكلٍ واسعٍ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فمثلاً، يقول عماد الدين إنّ بطارية "سولارايز إيجبت" ستكلّف 655 دولاراً أميركياً تقريباً، وهذا يتوقّف على حجم خلايا التخزين.

كان سعر بطّاريات الليثيوم أيوم قد هوى من ألف دولار لكلّ كيلوواط ساعة إلى 410 دولارات لكلّ كيلوواط ساعة، بين عامَي 2997 و2914. وهذه الكلفة المرتفعة حالَت دون إمكانية اعتماد هذه التكنولوجيا بشكلٍ واسعٍ خصوصاً في البدان الفقيرة.

ويقول ليفين [ورد ذكره في الجزء الأول] إنّ "الكلفة المرتفعة لتخزين الطاقة يجب أن تنخفض. (فأنظمة الطاقة المتجدّدة) ليسَت هي التقنية نفسها التي نحتاجها في السيارات، إذ أنّ البطّاريات المستخدَمة في السيارات تحتاج إلى تحسينٍ هائل." ويضيف انّه "مع البطّاريات (الثابتة)، يمكن الاستفادة من التقنية الحالية والتوسّع، ولكن ينبغي تخفيض الكلفة بمقدار الربع لجعلها في متناول الجميع."

 بالإضافة إلى ذلك، إنّ أحد أبرز التحدّيات في الشرق الأوسط يكمن في غياب القدرة البحثية ونقص الاستثمارات لتمويل عمليات التنمية الخاصّة. ويقول حزيّن [ورد أيضاً في الجزء الأول] إنّ النقص الكبير في التمويل الضروريّ لتطوير المنتَج ليس هو العائق الوحيد، بل لا يوجد مكانٌ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديه تاريخٌ قويّ في البحوث التجريبية.

ويقوم حزيّن بدفع روّاد الأعمال الذين موّلَتهم "الطاقة النظيفة في العالم العربي" Cleantech Arabia إلى النظر في خيارات تخزين الطاقة لتضمينها في نماذج أعمالهم، كما والنظر في بعض الأبحاث في كلٍّ من أبو ظبي ومصر والسعودية التي تناولَت بطّاريات الليثيوم أيون والمكثّفات الفائقة.

الكهرباء power مقابل الطاقة energy: المكثّفات الفائقة تستطيع تحمّل أكبر قدرٍ من الكهرباء لكنّها تفرغها بسرعة، بينما تقوم البطاريات وخلايا الوقود بإفراغ مخزونها الأصغر ببطءٍ أكثر. (الصورة من UCLA)

يعتقد الخبراء، مثل ليفين، أنّ الابتكار في البطاريات سيكون الطفرة التكنولوجية القادمة للقرن الواحد والعشرين، وسيكون ثورياً إذا ما تمّ دمجه مع الطاقة المتجدّدة.

في ظلّ تقلّب أسعار الكهرباء المنتَجة من الطاقة الشمسية، وعدم الاعتماد على الفحم لتوليد الكهرباء في كلٍّ من تكساس والبرازيل ودبي، وانطلاق بطّارية "باور وول" المنزلية من إلون ماسك من شركة "تسلا"، وسعي الولايات المتّحدة واليابان وكوريا الجنوبية والصين لإنتاج "البطارية الفائقة"، فلا شكّ أنّ التخزين الشخصيّ للطاقة المنتَجة من الموارد المتجدّدة الرخيصة قد انتشر في العالم.

في هذه المنطقة، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يوجد مجالٌ كبيرٌ أمام روّاد الأعمال المطّلعين للانضمام إلى هذه الموجة العالمية. فبالرغم من أن التحدّيات لا تزال كبيرةً، لإلّا أنّ السوق - كما اتّضح من الطلب على نظام تخزين الطاقة الذي تنتِجه "إنرجي24" - باتت مستعدّةً لتقبّل نظامٍ يحلّ محلّ شبكة الكهرباء الوطنية غير المستقرّة ويمكنه أن يخفّض من فواتير الكهرباء.

لقد بدأت الشركات الناشئة تدرك ببطءٍ الإمكانات التي تختزنها البطّاريات المتواضعة. 

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة