الطلب الجديد على الطاقة يتطلّب 'شحناً قوياً' [القسم الأول]

اقرأ بهذه اللغة

يضجّ العالم هذا العام بكلمة ‘بطاريات‘، وذلك في وقتٍ أطلقَت شركة "تسلا" Tesla جهاز التخزين خاصّتها الذي يُعلَّق على الحائط ويُستعمَل في المنازل، ما أشعل السباق العالميّ حول ابتكار ‘البطارية الخارقة‘.

وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإنّ اعتماد تقنية البطّاريات سيؤدّي إلى تغييراتٍ جذريةٍ في المنطقة، بحيث ستصبح الدول النفطية دولاً تعتمد على الطاقة الشمسية ويصبح بإمكان كلّ منزلٍ أن يتزوّد بالطاقة من تلقاء نفسه.

هذا هو الجزء الثاني من الأجزاء الثلاثة التي تغوص فيها "ومضة" موضحةً الإمكانات والتحدّيات المرتبطة بعمر البطارية. المقال الأول في هذه السلسلة كان عن "البطاريات ومستقبل الطاقة في المنطقة والعالم".

يشكّل النفط منذ عقودٍ العامل الأبرز الذي يحرّك الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط. ولكنّ الخبراء يعتقدون أنّ مورداً جديدةً وتقنيةً قديمةً سوف يجتمعان ويغيّران هذا التوازن القائم، في حين تحظى الشركات الناشئة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بفرصةٍ كبيرةٍ لتكون في طليعة هذا التغيير.

ومع ذلك، لم يدرك قوّة اندماج الطاقة المتجدّدة والبطاريات سوى عدد قليل من روّاد الأعمال المحلّيّين.

والمشكلة التي يتوجّب عليهم حلّها هي أنّ الغالبية العظمى من مولّدات الكهرباء في المنطقة، من أكبر محطّة إلى أصغر مولّد، تعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على النفط أو الغاز أو الديزل. وذلك لأنّ الطاقة الشمسية والطاقة المستخرَجة بمساعدة الرياح، غالباً ما تكون مرتفعة الثمن وقليلة الفعالية خلال الليل أو فترات انقطاع الكهرباء المتكرّرة.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ بطاريات الليثيوم أو النيكل كالتي ُتستعمَل في الهواتف المحمولة هي أغلى بكثيرٍ بالنسبة للأحجام المطلوبة. فالبطاريات الأكبر حجماً من هذا النوع تتطلّب كمّياتٍ أكبر من المعادن المرتفعة الثمن مثل الكوبالت، فيما تحتاج بطاريات الرصاص الحمضية (الأسيد) إلى كثيرٍ من الحماية والانتباه لكي يُستفاد منها من ثلاث إلى سبع سنوات (إنّها "مقرفة"، وفقاً لملك البطّاريات في الولايات المتّحدة، إلون ماسك). (للحصول على دليلٍ كاملٍ لدقيقتين عن البطاريات، اضغط هنا).

دليلك إلى البطاريات.

كيف يمكن الاستفادة من البطاريات: الأنظمة التي تعمل من أجل تنظيم الطاقة وتخزينها، عبر الدمج ما بين البطّاريات وخلايا الوقود، وبين الرقائق المتطوّرة والحديثة التي تحوي مكثّفات فائقة supercapacitors ويمكنها تخزين الطاقة لثوانٍ وبالتالي تخفيف تقلّبات الطاقة الشمسية من خلال تفريغ مقدار ثانيةٍ من الطاقة عند الحاجة. مثل هذه الأنظمة تجعل من مصادر الطاقة المتجددة جديرةً بالتكلفة العالية، وتسمح للمولّدات التي تستعمل الوقود الأحفوري بالعمل بكفاءةٍ أكبر. والأنظمة خارج شبكة الكهرباء الوطنية هي من المجالات التي تزدهر فيها البطاريات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تتوقعّ "سيتي جروب" Citygroup أن تصل سوق البطاريات ‘المتواضعة‘ إلى 400 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، أي ما يساوي أكثر من قيمة تجارة الأدوية برمّتها اليوم.

من جهةٍ ثانية، يراقب الخبراء خارج منطقة الشرق الأوسط التوجّه نحو الطاقة المتجدّدة والذي ترعاه الحكومات. وذلك في وقتٍ يقبع فيه منتجو النفط في المنطقة في مقدّمة المستهِلكين -  السعودية تستهلك ربع إنتاجها في الداخل، وهو مات سيؤدي وفقاً لتقريرٍ من "شاثام هاوس" Chatham House، إلى مستوردٍ للنفط عام 2038. وإذا عملت مثل هذه الدول بأقوالها لإنشاء محطّاتٍ للطاقة الشمسية على نطاقٍ واسع، فذلك لن يحرّرها من الاعتماد على الوقود الأحفوري، ولكنّ النفط الخام المستخدَم محلّيّاً سيخصّص عندها للأسواق العالمية فقط.

تقود الحيوية الخبراء للبحث في العلاقة بين إدخال البطاريات الرخيصة إلى المعادلة، وبالتالي تدعيم النظام النفطيّ القديم: عن طريق جعل مصادر الطاقة المتجدّدة أكثر استعمالاً في المنزل، يمكن للدول النفطية في المنطقة استخدام الفائض لترسيخ مراكزها في صدارة مصدّري النفط في العالم.

وكانت عُمان قد أعلنَت منذ أيّام، منفردةً، أنّها يمكن أن تبني أكبر محطّة للطاقة الشمسية في المنطقة، للاستفادة من الغاز الطبيعي الذي يُستهلَك محلّيّاً لتعزيز استخراج النفط.

"خلال السنوات الخمس القادمة، سيكون هناك... تغيير ملحوظ في السعودية على وجه التحديد،" كما يقول ستيف ليفين (الصورة إلى اليمين)، كاتب "ذا باورهاوس" The Powerhouse. ويضيف ليفين أنّ "بلداناً مثل السعودية... وهي التي من أكثر البلدان التي تحرق الوقود من أجل توليد الكهرباء، من الأجدى لها إنشاء محطّاتٍ للطاقة الشمسية الأكثر كفاءة بالمقارنة مع قدرتها على تخزين الطاقة."

يمكن أن يكون روّاد الأعمال أوّل المستخدِمين

هذه السيناريوهات، كما يقول ليفين، يمكن أن تتحقّق بعد خمس سنواتٍ إذا ما قامت هذه الدول بالتحرّك ضمن خططها الطموحة.

والأمر الأكثر إلحاحاً هو وجود إمكاناتٍ للحلول الفاعلة على نطاقٍ صغيرٍ للبدء بتغيير الطريقة التي يعيش بها المواطنون في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبالتالي يمكن - أو كما يقول البعض يجب - على روّاد الأعمال أن يقودوا عملية التطوّر هذه.

في هذا الوقت، يعتقد مؤسِّس المنظّمة غير الربحية "التقنية النظيفة في العالم العربي" Cleantech Arabia، أحمد حزيّن، أنّ الشركات الناشئة هي التي ستُدخِل تقنية البطاريات العاملة على نطاقٍ صغيرٍ إلى المنطقة. ويقول إنّ هناك "فجوة كبيرة في السوق" في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بالنسبة للأشخاص الذين يمكن لهم أن يكيّفوا الأنظمة المصمَّمة للأسواق الأوروبية أو الأمريكية مع احتياجات المنطقة.

مؤسِّس "التقنية النظيفة في العالم العربي" Cleantech Arabia، أحمد حزيّن. (الصورة من "رايزاب سامِت")

 

كما يضيف أنّ "تطبيق تخزين الطاقة على هذه المستوى (النطاق الصغير، البطاريات الشخصية)... أكثر فائدةٍ في حالة السيارات الكهربائية أو الأجهزة الإلكترونية المحمولة أو الأنظمة خارج شبكة الكهرباء الوطنية. ولذلك، فهذا المشروع ليس مشروعاً حكومياً، بل يجب أن يبدأ مع الابتكار المحلّي."

ويتابع قائلاً إنّ "هذه الأنظمة لا بدّ من ضبطها وتصميمها لتطبيقاتٍ معيّنة، ولهذا السبب فإنّ حجماً واحداً لا يناسب الجميع  - البطاريات والمكثّفات الفائقة  تعتمد اعتماداً كبيراً على الكهرباء - وحيث توجد حاجةٌ إلى التحسين يمكن للشركات الناشئة أن تنافس، لأنّ الشركات الصغيرة يمكنها اجترح الحلول.

وللسبب نفسه، يتوقّع ليفين أن يكون روّاد الأعمال الأفراد المرشّحين المحتمَلين لإدخال البطاريات إلى المنازل في المنطقة. ويقول إنّه عندما تصبح البطّاريات أمراً عادياً في المنازل، فإنّ مولّدات الكهرباء التي تحتاج بشكلٍ مستمرٍّ إلى الوقود والصيانة سوف تصبح من الماضي على الأرجح.

ويقول لـ"ومضة": "إذا قام أحد السكّان بتركيب بطارية ليثيوم لديه، وتبعه جارٌ لك بعدما رآك قد فعلت الأمر نفسه، فسوف ينتشر هذا الأمر بسرعةٍ فائقة."

وذلك لأنّه يمكن للبطاريات تخزين الطاقة أثناء النهار عندما تكون الكهرباء أرخص، وإن لم يكن كذلك، فللاستعمال لاحقاً. وهذا ما يوزّع الطلب على شبكة الكهرباء الوطنية خلال النهار بدلاً من أن يحصل كلّ الضغط عليها بعد السادسة مساءً. وإذا وصل الأمر إلى الألواح الشمسية، فسيكون للمنزل مصدران من المصادر المحتمَلة للطاقة أحمدهما مجّانيّ، ويمكن للاثنين تخزين الطاقة لاستخدامها لاحقاً.


نظام دعمٍ من الطاقة المتجدّدة للمنزل (الصورة من WholeSaleSolar)

الواقعية مقابل التفاؤل

يحذّر لوغان جولدي سكوت، رئيس فريق تحليل تخزين الطاقة في "بلومبرغ لتمويل الطاقة الجديدة" Bloomberg New Energy Finance من التفاؤل المطلق تجاه استخدام البطاريات وتطويرها في المنطقة.

ويقول لـ"ومضة" إنّه لا يتوقّع للبطاريات أن تُحدِث تغييراً ثورياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال السنوات الخمس المقبلة. وبالرغم من أنّ تخزين الطاقة يلعب دوراً مهمّاً في الأنظمة خارج نطاق شبكة الكهرباء الوطنية، إلّا أنّ "الفرصة على المستوى السكني تبدو محدودة للغاية."

"إنّ أسعار الكهرباء بالتجزئة منخفضة، ما يزيل الحاجة إلى وضع ألواحٍ شمسية على السطح وتخزين الطاقة،" كما يضيف جولدي سكوت. و"إذا أرادَت السوق أن تعتمد على تخزين الطاقة، تخيّلوا التكنولوجيا التي ستُستورَد إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فلا يوجد في المنطقة حالياً أيٌّ من مزوّدي تخزين الطاقة الرائدين، ولا حتّى شركات التكنولوجيا الناشئة."

أمّا على الصعيد العالمي، فإنّ الثورة الحقيقية في مجال الطاقة الشمسية تكمن في الواقع في الألواح التي توضع على السطح، وفي توفّر القدرة على التخزين في المنازل أيضاً، وفقاً لـسيب هنبست، كما ورد في تقرير "بلومبرغ لتمويل الطاقة الجديدة"، "توقّعات الطاقة الجديدة 2015"New Energy Outlook 2015.

ويرد في هذا الأخير أّنه "(على الصعيد العلمي)، سوف تصل المنشآت الصغيرة التي تُركّب على الأسطح إلى نقطة التوازن في جميع الاقتصادات الكبرى، وبالتالي ستوفّر بديلاً رخيصاً لمولّدات الديزل لأولئك الذين يعيشون خارج نطاق شبكة الكهرباء الوطنية في البلدان النامية. وبحلول عام 2040، فإنّ 13% تقريباً من القدرة على توليد الطاقة عالمياً ستأتي من الألواح الشمسية التي تُستخدَم على نطاقٍ صغير."

ويضيف أنّه في الشرق الأوسط وأفريقيا، "بالرغم من انتشار أسعار الطاقة المدعومة، فإنّ أنظمة الطاقة الصغيرة يمكن أن تولّد ما يصل إلى 40% من الطاقة الشمسية الجديدة. وعلى سبيل المثال، يمكن استخدامها في بناء شبكاتٍ صغيرةٍ قادرةٍ على تزويد المجتمعات البعيدة عن الشبكة الرئيسية بالكهرباء."

لقد خطا روّاد الأعمال في المنطقة للتوّ خطوتهم نحو أنظمة الطاقة الشمسية العاملة على نطاقٍ صغير (كما فعلَت "كرم سولار" KarmSolar و"سولار بييزو كلين" Solar PiezoClean وكثير من الشركات الناشئة في مصر)، وبالتالي فإنّ الوقت قد يكون مناسباً لرجال الأعمال الحذقين لتطوير سوقٍ جديدةٍ وسدّ الحاجة إلى تخزين الطاقة.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة