كيف تستعمل هذه الشركة المصرية خراطيش الحبر 'لطباعة المال'؟

اقرأ بهذه اللغة

النفايات الإلكترونية التي تُعدّ كارثةً تنجم عن الثورة التكنولوجية، يصل حجمها السنويّ إلى 50 مليون طنّ، أي ما يعادل حجم الاستهلاك العالميّ لزيت النخيل.

وإذا لم تكن النفايات الإلكترونية مبهرةً كما يفعل ابتكار شيءٍ مماثلٍ لـ"اوبر" Uber أو "سبوتيفاي" Spotify، فإنّ إعادة تدويرها قد تكون منجم ذهب.

رائد الأعمال المصريّ، عصام هاشم، الذي رأى فرصته في هذا المجال ودخل إليه منذ عام 2006، أسّس "سبير إنك" Spear Ink بعدما وجد أنّ لا أحد في الشرق الأوسط يهتمّ بالفرص العادية ولكن المفتوحة للنفايات الإلكترونية: خراطيش الحبر المستعمَلة.

 خراطيش الحبر المستعمَلة التي ُتستخدَم في الطابعات. (الصورة من Printer Repair Group)

واليوم، باتت "سبير إنك" من كبار الشركات التي تعمل في إعادة تدوير النفايات الإلكترونية في الشرق الأوسط، وهي تعمل بنموذج الامتياز وتقدّم الآلات والتدريبات حول كيفية إعادة تعبئة محابر الطابعات. وفيما يقع مكتبها الرئيسيّ حالياً في دبي، فإنّ الشركة تبني مصنعاً في الإسكندرية لتصنيع الآلات بنفسها، وإعادة تصنيع خراطيش الحبر التالفة.

وفي غضون ذلك، يفكّر هاشم بإطلاق امتيازٍ جديدٍ للنفايات الإلكترونية بشكلٍ عام، بحيث يقول إنّ هذه التقنية سوف تكون الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويشير إلى أنّ كلّ خرطوشة حبرٍ جديدة للطابعة التي تعمل بالليزر تحتاج إلى غالون من النفط، وبالتالي فإنّ كلّ خرطوشةٍ معاد تصنيعها سوف توفّر 1.1 كيلوجراماً من المعدن والبلاستيك التي تصبح نفاياتٍ في المطامر. كما يقول إنّ "الكنز الحقيقيّ الأكبر من أيّ مردود، هو الاستمتاع بتحويل القمامة إلى شيءٍ مفيد."

أرض النفايات الإلكترونية E-wasteland: مطمر في أكرا، غانا، وهو المكبّ الأكبر للنفايات الإلكترونية في العالم، حيث يتمّ طمر نفايات إلكترونية خطيرة تأتي من حول العالم. (الصورة من كوزيما دنورتايزر)

"ومضة": لماذا أطلقتَ ‘سبير إنك‘؟

عصام هاشم: عام 2005، عندما كنتُ أعمل في مركزٍ لصيانة ما يتعلّق بتكنولوجيا المعلومات، كنتُ أتعامل مع عدّة شركاتٍ في مصر تستهلك الكثير من خراطيش الحبر للطابعات. وتساءلتُ لماذا يرسلون هذا ‘الكنز الكبير‘ من الألمنيوم والبلاستيك والرقائق الإلكترونية إلى المكبّات كلّ عام، فحتّى إن لم يعاد تدويرها يمكن إعادة استعمالها على الأقلّ.

يوجد الكثير من المحلّات التي تعيد تعبئة المحابر، ولكنّ الشركات الكبرى لا تودّ المخاطرة من ناحية جودة الطباعة أو استخدام مكوّناتٍ سامّة، وذلك بسب السمعة السيّئة التي تحيط بهذه المحلّات. أضِف إلى ذلك أنّ البنوك الكبيرة أو أيّ مؤسّسةٍ لديها استراتيجية سنوية للشراء، تفضّل المنتَجات الموضّبة والمضمونة.

ومن جهتنا، فإنّ عملنا الرئيسيّ يمكن في إعادة تدوير المحابر الفارغة وتجديد وإعادة تصنيع محابر جديدة، وهدفنا يكمن في القيام بذلك بأمانٍ وبجودةٍ عالية، مع مراعاةٍ للبيئة. نقوم بجمع خراطيش الحبر القديمة ونُعيد تصنيع ما تلف منها، كما نفصل الأجزاء البلاستيكية عن الحديدية.

أوّل مستودعٍ لي كان في الإسكندرية عام 2006، ومن ثمّ بدأتُ بمنح امتيازاتٍ لهذه التقنية في كلٍّ من مصر وسوريا.

"ومضة": كيف أقنعتَ الشركات بتجربة ‘سبير إنك‘؟

هاشم: يقوم عملي على تغيير ثقافة كيفية التخلّص من النفايات، ولذلك احتجتُ إلى بذل جهدٍ كبيرٍ في حملات التوعية وحملات جمع النفايات.

هاشم مع آلة إعادة التعبئة، وقد بدأ عمله بالتوسّع نحو الأردن ولبنان. (الصورة من عصام هاشم)

وعلى سبيل المثال، لدينا مبادرات مثل "شرم الشيخ الخضراء" Green Sharm و"أسوان الخضراء" Green Sharm تُعنى بالنفايات الإلكترونية، وهي بالتعاون مع المحافظة ووزارة البيئة. كان الأمر نوعاً من المسؤولية الاجتماعية للشركات لرفع الوعي حول النفايات الإلكترونية الخطيرة وكيف يمكن للمنظّمات الحكومية وغير الحكومية التخلّص منها.

"ومضة": يبدو أنّ الاهتمام بالبيئة جزءٌ مهمّ من عمل ‘سبير إنك‘، هل يمكنك إخبارنا عن الأثر الذي تركتموه على البيئة؟

هاشم: يبلغ معدّلنا الشهري لإعادة التعبئة نحو 4 آلاف خرطوشة حبر، وهذا ما يوفّر:

15 طنّاً من البلاستيك

2.5 طنّ من الألمنيوم.

2.5 طنٍّ من مسحوق الحبر.

5 أطنان من المطّاط والمعادن.

4.5 أطنان من مادّة البولي يوريثانpolyurethane  والمعادن.

الكربون المنبعِث عن كلّ خرطوشة حبرٍ يُعاد تصنيعها تقارب كمّيته 2.8 كيلوجرام، ما يعني أنّنا نقلّل انبعاث ثاني أوكسيد الكربون بنسبة 134,400 كيلوجرام كلّ عام.

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ التقنية النظيفة تحمي صحّة العاملين على عكس التقنية التقليدية التي تقوم على ‘الحفر والتعبئة‘: يتمّ حفر ثقبٍ في الخرطوشة القديمة ليضاف مسحوق الحبر الجديدة ومن ثمّ يُختَم الثقب، وهذا ما يعرّض الشخص الذي يعمل على إعادة التعبئة إلى تنشّق مسحوق الحبر الضارّة.

"ومضة": هل يمكنك أن تشرح تقنية ‘سبير إنك‘؟

هاشم: لقد قمتُ بالعديد من المحاولات للوصول إلى معايير عالية لإعادة تصنيع خراطيش الحبر وتجنّب الغبار السامّ وغيره من الآثار السيّئة على البيئة. ولكن للأسف، لم يكن يوجد معايير مصرية للصناعة، ولذلك لجأتُ إلى "الجمعية الأمريكية لاختبار المواد" ASTM.

استغرقني البحث والتصميم لأوّل آلة إعادة تعبئة سنةً كاملةً، ولكنّها كانت ذات تقنيةٍ منخفضةٍ مع عمليةٍ نصف آليّةٍ تحتاج إلى بعض العمل اليدوي. في المقابل، كان النموذج الأوّليّ منها بسيطاً للغاية، وعندما انتهيتُ منه مع بعض الأخطاء كنتُ واثقاً من أنّه سيعمل.

واليوم، إنّ التقنية التي لدينا تسمح لنا بالقيام بكلّ شيءٍ من خلال شاشةٍ تعمل باللمس. وكنّا قد استوردنا أنظمةً إلكترونيةً دقيقةً من "سيمنز" Siemens وباتت بإمكان الآلات فحص الدارات الإلكترونية في المحابر.

بالإضافة إلى ذلك، عملِنا خلال السنوات الخمس الماضية على تصميم خطّ إنتاجٍ والتخطيط له، وذلك لكي تشتمل عمليّاتنا على كافّة النفايات الإلكترونية؛ وستكون هذه أول آلية عربية لاستخلاص المعادن من النفايات الإلكترونية.

استغرقني البحث والتصميم لأوّل آلة إعادة تعبئة سنةً كاملةً، ولكنّها كانت ذات تقنيةٍ منخفضةٍ مع عمليةٍ نصف آليّةٍ تحتاج إلى بعض العمل اليدوي. في المقابل، كان النموذج الأوّليّ منها بسيطاً للغاية، وعندما انتهيتُ منه مع بعض الأخطاء كنتُ واثقاً من أنّه سيعمل.

واليوم، إنّ التقنية التي لدينا تسمح لنا بالقيام بكلّ شيءٍ من خلال شاشةٍ تعمل باللمس. وكنّا قد استوردنا أنظمةً إلكترونيةً دقيقةً من "سيمنز" Siemens وباتت بإمكان الآلات فحص الدارات الإلكترونية في المحابر.

بالإضافة إلى ذلك، عملِنا خلال السنوات الخمس الماضية على تصميم خطّ إنتاجٍ والتخطيط له، وذلك لكي تشتمل عمليّاتنا على كافّة النفايات الإلكترونية؛ وستكون هذه أول آلية عربية لاستخلاص المعادن من النفايات الإلكترونية.

آلة إعادة تعبئة الحبر من "سبير إنك". (الصورة من موقع Alibaba)

"ومضة": ما أكبر العقبات الأساسية التي واجهتكم؟

هاشم: التحدّيات الرئيسية كانت تلك التي واجهناها خلال السنوات الأربع الماضية. ففي نهاية عام 2010، كان لديّ 4 فروع، اثنان في مصر وواحد في سوريا، وبالتالي لم أعد قادراً على التصدير من تلك المراكز بعد الثورات التي قامَت.

الوضع الأمني كان له الأثر الأكبر.

بدأنا بتدريب وكلائنا في مقرّنا في الإسكندرية، ولكن حتّى بعدما صرنا نقدّم التدريب في مقرّات الزبائن لك يكن هذا الأمر كافياً. فالناس كانوا يخافون من زيارة مصر أومن إجراء صفقاتٍ مع شركةٍ مصرية، أمّا المنتَج النهائيّ فلم تكن توجد سوقٌ لتصديره أيضاً.

وهكذا قمنا بما نستطيع فعله في السوق المحلّية، ولكنّه كان من الصعب جدّاً علينا كتجّارٍ هنا اللجوء إلى التقسيط لأنّه أثّر علينا من الناحية المادّيّة. وبعد ذلك، بدأنا بعقد صفقاتٍ مع أسواق قريبةٍ مثل السعودية والأردن، وهي الأسواق التي تتفهّم الوضع في مصر.

المكوّنات السامّة في النفايات الإلكترونية وتأثيرها على صحّة الإنسان. (الصورة من رايشتل وليامسون)

وقبل الثورة، كان التحدّي الأساسي يتمثّل بالمنافسة مع الوسطاء غير الشرعيّين. فهؤلاء كانوا يصنعون خراطيش مزوّرة، وبالتالي يمكنهم أن يدفعوا أكثر لعملية الجمع ومن ثمّ يبيعون المنتَجات المزيّفة بأسعار أعلى. أمّا نحن فكنّا ندفع 3 جنيهاتٍ مصريةٍ (0.38 دولار أميركي) عن كلّ خرطوشةٍ مستعملة.

لم يكن نجاحنا مئة بالمئة لكنّه كان كافياً، نظراً إلى حجمنا الأصغر في ذلك الوقت.

"ومضة": ما هي خططك المستقبلية؟

هاشم: توسّعَت علامتنا التجارية ‘سبير إنك‘ خارج مصر بسرعة، وصولاً إلى الأردن والسعودية ولبنان، عبر بيع الامتيازات. وحالياً، نعمل على تطوير خطٍّ للإنتاج لفصل المعادن الثمينة واسترجاعها من النفايات الإلكترونية، كما سنطلق امتيازاً جديداً هذا العام في دبي باسم ‘دكتور وي‘ Dr. WEEE.

هذا الامتياز الجديد الذي يتصدّى لنفايات المعدات الكهربائية والإلكترونية

Waste Electrical and Electronic Equipment، سيعيد تدوير الإلكترونيات إضافةً إلى إعادة تصنيع المحابر في الإمارات. كما سيشمل تصنيف الإلكترونيات وتفكيكها، مع بعض العمليات التي تتضمّن إتلاف الأقراص الصلبة وسحقها.

نصدّر منتَجاتنا إلى 15 بلداً في أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل المغرب وغانا وأوغندا. وفي الوقت الحاليّ، نريد استهداف الأسواق الهندية والباكستانية كذلك، ولكنّنا ما زلنا في مرحلة التسويق والتخطيط.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة