التطبيب عن بُعد في الشرق الأوسط: آن أوانه

اقرأ بهذه اللغة

FVC and Du demo the capabilities of telemedicine at GITEX

آن الأوان. (الصورة من CommsMEA)

دخل فريق من الأطباء الفرنسيين والأميركيين في نيويورك، عام 2001، كتب التاريخ لدى إخضاعهم مريضاً للجراحة عن بعد في ستراسبورج في فرنسا، بالاعتماد على إرسال النطاق العريض broadband transmission وروبوت جراحيّ يُدعى "زوس" Zeus. هذه العملية الجراحية التاريخية العابرة للمحيطات، والتي تُعرف بعملية "لينبرج" Lindbergh، نقلَت التطبيب عن بعد من الخيال العلمي إلى الواقع الملموس.

تعرّف "الجمعية الأميركية للتطبيب عن بعد" American Telemedicine Association التطبيب عن بعد بأنّه استخدام المعلومات الطبية المنقولة من موقعٍ إلى آخر، من خلال الاتّصالات الإلكترونية لتحسين حالة المريض الصحّية السريرية.

غالباً ما يُشار إلى هذه الممارسة على أنّها الرعاية الصحية عن بعد telehealth، وهي تتضمّن مجموعةً متناميةً من التطبيقات والخدمات التي تَستخدِم الاتّصال بالفيديو ثنائيّ الاتّجاه، والبريد الإلكتروني، والهواتف الذكية، والأجهزة القابلة للارتداء، والأدوات اللاسلكية، وغيرها من أشكال تكنولوجيا الاتّصالات.

ويقول جون نوستا (إلى اليمين)، وهو من أكبر مناصري الرعاية الصحّية الرقمية في العالم وعضو في مجلس "جوجل الطبي" Google Health الاستشاري، إنّ "التطبيب عن بعد ليس بالأمر الجديد".

ويتابع قائلاً إنّه "عندما أصبح الهاتف جهازاً منزلياً شائع الاستخدام، بدأ المرضى يستخدمونه للتكلّم مع طبيبهم بدلاً من الذهاب إلى عيادته أو الطلب منه أن يزورهم في المنزل. التلفون هو تكنولوجيا، والتكلّم هو شكلٌ من أشكال الرعاية؛ ومعاً، يشكّلان التطبيب عن بعد".

هذه التطبيقات بإمكانها أن تتضمّن نوعَين من الاتّصالات: إمّا في الوقت الحقيقي (الاتصالات المتزامنة)، كما يحصل عند استشارة اختصاصيٍّ عن بعد أو الخضوع لتعلّم الطبّ باستمرار؛ أو تبادل الرسائل store-and-forward (الاتّصالات غير المتزامنة)، حيث يتمّ نقل البيانات الرقمية إلى طبيبٍ من أجل من الحصول على مُدخَلاتٍ إضافية للتشخيص.

حقبة جديدة في حياة الطب؟

لم يشهد الاعتماد على التطبيب عن بُعد الزخم فعلياً سوى في أوائل العقد الراهن. وتشير بحوثٌ حديثةٌ إلى أنّه من المنتظَر أن تبلغ قيمة سوق التطبيب عن بُعد العالمية 27 مليار دولار في عام 2016، بمعدّل نموٍّ سنويٍّ يبلغ 18.5 بالمئة؛ وأن يصل عدد المرضى الذي يلجؤون إلى التطبيب عن بُعد إلى سبعة ملايين، بحلول العام 2018.

وبدورها، قامت مؤسَّسة البحوث "كالوراما إنفورمايشن" Kalorama Information بإدراج التطبيب عن بُعد على قائمة التوجّهات الخمسة الأبرز في المجال الصحي للعام، في حين توقّعَت "أي دي سي هيلث إنسايتس"IDC Health Insights أن 65% من المعاملات مع المنظّمات المعنية بالصحّة سوف تتمّ عبر الهاتف النقّال بحلول عام 2018.

هذه الأرقام المذهلة تبدو نتيجةً ثانويةً لتزايد التوجّه العام نحو نماذج رعايةٍ صحّيةٍ مبتكرة، وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، والتطوّرات السريعة في الاتّصالات عبر شبكة الإنترنت والهاتف النقال والتكنولوجيا الرقمية، إلى جانب انتشار ثقافةٍ معاصرةٍ شديدة الاتّصال تتمحور حول الخدمات المصمَّمة حسب الطلب.

ويشرح نوستا قائلاً إنّ "الأطباء يهدرون الكثير من وقتهم مع مرضى لا يحتاجون فعلاً إلى أن يزوروا العيادة. وفي هذه الحالة، يكفي تبادل الرسائل أو القيام باستشارةٍ سريعة عبر الفيديو لتشخيص حالة زكام العاديّ، ما يتيح أمام الطبيب وقتاً لمعاينة عدّة مرضى آخرين لمسائل روتينية، أو تكريس وقته لمعاينة حالاتٍ أصعب بنفسه".

الكلام عن التطبيب عن بُعد يُحدِث ضجّةً حالياً في أروقة المستشفيات وأوساط المستثمِرين في أميركا الشمالية، حيث تنضمّ بعضٌ من أكبر شركات التأمين فيها بكلّ جهوزيةٍ إلى هذه الحركة، ونذكر منها على سبيل المثال الرئيس التنفيذي السابق لـ "آبل" Apple، جون سكالي الذي، يدعم "أم دي لايف" MDLive؛ و"جوجل" Google التي أطلقَت مشروعاً تجريبياً للرعاية الصحية عن بعد.

واليوم، بات بإمكان أطبّاء الأمراض العصبية أن يشرفوا على ضحايا السكتة الدماغية من أجل القيام بتشخيصٍ فوريّ قد ينقذ حياتهم، كما يمكن للمرضى الذي يتعافون من عمليةٍ جراحيةٍ في المنزل أن يطلبوا اتصالاً إلكترونياً عبر الفيديو مع طبيبهم الجرّاح.

التأثيرات الإقليمية للرعاية الصحية عن بُعد

في الشرق الأوسط، وبخاصّةٍ في اقتصادات النفط في الخليج العربي، حصد التطبيب عن بُعد الكثير من الدعم سواء من الحكومات أو من القطاع الخاص، وقد انبثق عنه عددٌ صغيرٌ إنمّا واعدٌ من قصص النجاح.

براين دي فرانشيسكا (إلى اليسار)، مؤسِّس "فير تو ديجيتال مديسين" Ver2 Digital Medicine القائمة في دبي والتي تقدّم خدماتٍ طبيةً رقميةً متكاملة، يقول: "نحن نمرّ في مرحلةٍ انتقاليةٍ ملفتةٍ في عالم الطبّ بفضل النموّ الكبير الذي تشهده الحوسبة المعرفية والتحاليل واتّصال النطاق العريض الموجود في كلّ مكان".

ويضيف هذا الأميركيّ الذي شغل في السابق منصب الرئيس التنفيذي لدى "مستشفى جونز هوبكنز الطبية الدولية"Johns Hopkins Medicine International، إنّه "بعد عشرين سنة، لن نعود نجري هذا الحديث أصلاً. لن نعود نسمّي هذه الأمور بالطب الرقميّ والتطبيب عن بُعد والصحّة عبر الأجهزة الجوّالة وغيرها من الأسماء، بل سنسمّيها كلّها ‘الطبّ‘، إذ ستصبح هي العرف السائد".

 

العناية بالشعوب التي تعاني حرماناً شديداً

من الركائز الأساسية التي يستند إليها التطبيب عن بعد تقديم رعايةٍ أفضل للمناطق المحرومة والنائية. وفي هذا الصدد، يقول المصرفيّ السابق في مجال الاستثمارات في مجال الرعاية الصحية، أشخان عبد الملك (الصورة أدناه): "نودّ تأمين الرعاية الصحية لما يقارب مليار نسمةٍ في بعض من أكثر المناطق فقراً في العالم".

عبد الملك الذي أسّس "عالم هيلث" AlemHeath القائمة في دبي والمدعومة من "ستارتب هيلث" Startup Health، يرى أنّ هذه الشركة اليافعة ستعالج الهوّة المتزايدة في توفير الرعاية الصحّية ذات الجودة العالية في الدول النامية والمناطق التي مزّقتها الحرب. ولذا يؤكّد أنّه "في العراق وأفغانستان، تبلغ نسبة الأطباء إلى المرضى 1% مقارنةً بتلك الموجودة في البلدان المتطوّرة، وربما تكون النسبة أسوأ من ذلك بكثيرٍ في بعض المناطق. يسافر أفغانٌ كثيرون إلى الهند فقط للحصول على الرعاية الطبّية المعتادة. لذلك لا يمكن إنكار حاجة السوق والدعوة الإنسانية للعمل في هذا الاتّجاه".

تعمل "عالم هيلث" على نهجٍ للتطبيب والتشخيص عن بُعد منخفض التكلفة ولا يحتاج إلى إنترنت سريع، ويُعتَبَر مثالياً للمناطق ذات الموارد المحدودة أو المناطق الريفية في البلدان شبه المتقدّمة.

نموذج "عالم هيلث" لوصل المرضى بالأطباء.

هذه الخدمة التي تصل مؤسَّسات ومقدّمي الرعاية الصحّية - في الاقتصادات ذات الموارد المحدودة -  بشبكةٍ عالمية من الاختصاصيّين المعتمَدين، تجمع عدداً متزايداً من المشتركين، ما يزيد من إيراداتها بسرعةٍ كبيرة.

ويقول عبد الملك: "لقد أوصلنا خدمات التطبيب عن بُعد إلى المستشفيات والعيادات في كابول [في أفغانستان]، ونحن نتطلّع لتوسيع نطاق عملياتنا إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وجنوب شرق آسيا. نريد أن نتواجد في أيّ مكانٍ تبرز فيه حاجةٌ إنسانيةٌ للرعاية الصحّية الراقية".

أداة لتعميم التعليم الطبي

إنّ السرعة التي يتيح بها التطبيب عن بُعد نقل التعليم أو التشخيص الراقيَين عبر الحدود، تجعله أداةً ممتازةً لتعزيز الصحّة عالمياً، وفقاً لدي فرانشيسكا الذي قاد برامج تعليمية طبّية عن بُعد في الماضي. كما يشرح هذا الأخير قائلاً إنّ "تخريج عامِلِين مؤهّلين في المجال الطبّي حاجةٌ دائمةٌ لدى أنظمة الرعاية الصحّية في أنحاء العالم، غير أنّ النفاذ إلى التعليم الطبّي المستمرّ بشأن أحدث البحوث والممارسات يتعذّر أحياناً بسبب كلفته الباهظة".

والحل الذي يقدمه؟ برنامج تعليم بسيط عبر الاتصال بالفيديو يصل الطلاب باختصاصيي الطب.

مراقبة البيانات الصحية لإنقاذ الأرواح

بإمكان التطبيب عن بُعد أن يخفّض أيضاً التكاليف وأن يحسّن النتائج عبر مراقبة المرضى الذين يعانون من ظروف مزمنة عن بعد.

Sankari with Obama at the White House this year. (Image via CardioDiagnostics)رائد الأعمال اللبناني، زياد سنكري (إلى اليمين)، أنشأ "كارديو دياجنوستيكس" CardioDiagnostics بعد وفاة والده المفاجئة بسبب عدم قدرته على تلقّي العناية الفائقة لدى تعرّضه لنوبة قلبية.

وتابع سنكري علمه في الهندسة في الولايات المتحدة، ثمّ عاد إلى لبنان ليطلق هذه الشركة الناشئة التي تعنى بتقنيات قياس معلومات القلب. وبعد ذلك، فاز بجائزة المرتبة الأولى في عام 2011 في مسابقة "الابتكار العالمي من خلال العلوم والتكنولوجيا" (GIST) التي تنظمها وزارة الخارجية الأميركية.

وتقول جوانا الخوري، مديرة تطوير أعمال الشركة، إنّها "الشركة الأولى التي تطوّر تكنولوجيا تجارية لقياس معلومات القلب عن بُعد. يتمحور تركيزها حول قياس معلومات القلب عن بعد من خلال الهاتف الجوال، ونحن ننتقل الآن من مجال التشخيص إلى مجال الأجهزة القابلة للارتداء لإتاحة الرعاية الوقائية أيضاً".

تبدو "كارديو دياجنوستيكس" الآن محطّ أنظار ساحة التكنولوجيا الطبية العالمية والإقليمية، فبعدما زار سنكري البيت الأبيض مؤخّراً لتلقّي الثناء من الرئيس الأميركي أوباما، وتحضيره لعدد من مشاريع البحوث والتطوير، ودخوله شركته مؤخراً إلى السعودية والكويت، يمكن القول إنّ "كارديو دياجنوستيكس" تمهّد طريقاً تصاعدياً نحو نجاحها.

جهاز "لايف سنس" من "كارديو دياجنوستيكس" لتتبع عدم انتظام ضربات القلب (إلى اليسار) (الصورة من "كارديو دياجنوستيكس")

مستقبل التطبيب عن بعد

لكي تنمو الرعاية الصحية عن بُعد في المنطقة، يجب أن يتوافر عددٌ من العوامل، ومنها:

بنية تحتية تنظيمية رشيقة ومتقدمة. يشرح راجي خوري، مؤسّس منّصة الرعاية الصحية عن بُعد، "إشراق" Eshraq، أنّ "الأنظمة الطبية في هذا الجزء من العالم ما زالت في تطوّر مستمر، وما زالت الأنظمة المتعلّقة بالتطبيب عن بُعد مجالاً مجهولاً".

الاستثمار في الممارسات والتقنيات القائمة على النتائج بدلاً من بناء المستشفيات الباهظة. أعاد دي فرانشيسكا التأكيد على رأيه الذي يعرب عنه منذ وقتٍ طويل، وهو أنّ "الرعاية الطبية تحتاج إلى الابتكار وليس إلى الإبداعات الهندسية". وأضاف أنّ "إعداد نظام رعاية صحية راقٍ يعتمد على تسخير تقنياتٍ تأخذ كلّاً من الأطبّاء والمرضى في الحسبان".

سياساتٌ وممارساتٌ لتحفيز بيئةٍ حاضنة غنية للابتكارات الطبية. يقول نوستا إنّ "التطبيب عن بُعد ما زال مجالاً جديداً في منطقة الشرق الأوسط، ولذلك تُعدّ هذه الأخيرة في موقفٍ ممتاز يخوّلها التعلّم من أخطاء البيئات الحاضنة الناضجة للرعاية الصحية. ويمكن هنا لمنصّةٍ تعاونيةٍ وطنية أو حتى إقليمية، تتضمّن أطباء وطلاب وباحثين ومستثمرين في الرعاية الصحّية، أن تمهّد الطريق التي سيسلكها هذا المجال في المستقبل".

المزيد من المستثمرين الذين يفهمون جيّداً الاستثمار المؤثّر اجتماعياً والقوى التي تؤثر في الشركات الناشئة المعنية بالرعاية الصحية. يتأسّف كلٌّ من خيري وعبدالملك على ضعف إقبال المستثمرين بشكلٍ عام على الاستثمار في الشركات الناشئة المعنية بالرعاية الصحية في المنطقة. ""من بين المستثمِرين المحليين في شركتنا لدينا ‘وومينا‘ WOMENA. في حين أنّ المنطقة تضمّ بعض المستثمرين المتبصّرين والرائدين، يبدو أنّ معظم مستثمري المنطقة يميلون إلى اختيار الشركات الناشئة المعنية بتوصيل الطعام والبيع بالتجزئة والموضة، بدلاً من شركات الرعاية الصحّية الوليدة التي تسعى إلى إنقاذ الأرواح". 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة