العلوم في الصغر: ورش عمل من أجل شباب سعودي مبتكِر

اقرأ بهذه اللغة

بدأنا نشهد جيلاً جديدًا في السعودية يعتمد على نفسه في ابتكار الأمور، بدلاً من شرائها واستهلاكها، و"شركة المواهب الوطنية للتدريب والتعليم" "تالنت إس" TalentS، هي من المراكز المخصّصة لدعم الأطفال في دخولهم إلى مجال العلوم.

وبالإضافة إلى مراكز مثل "فاب لاب الظهران" FabLab Dhahran، و"فاب لاب أرابيا" , FabLab Arabia في جدة، و"جيكس فالي" Geeks Valley الذي انطلق مؤخراً، لا شكّ أنّ شباب المملكة بدأوا يتلقّون الدعم والأدوات اللازمة لتطوير مشاريعهم منذ الصغر.

انطلقت "تالنت إس" في مدينة الخُبر عام 2007 على يد عمرو صالح المدني وسعيد سعيد، وحتّى الآن ما زال بريدها الإلكتروني يستقبل رسائل من طلاب سعوديين في معهد "ماساتشوستس للتقنية" MIT أو جامعة "ستنافورد"، يُعبّرون من خلالها عن امتنانهم وشكرهم للدورات العلمية والبرامج التي قدّمتها الشركة لهم خلال فترةٍ سابقةٍ من حياتهم العلمية. 

أطفال في "يوم الهندسة" (الصورة من "تالنت إس")

العلوم في الصغر كالنقش على الحجر

تُقدّم "تالنت إس" برامج تتعلّق بالعلوم ومخيّمات الرياضيات ومسابقات تصميم وتطوير الروبوتات، ومخيمات تعليم الوسائط المتعدّدة، وصولاً إلى المعارض التعليمية التفاعلية، المحلية والعالمية. وخلال ورش العمل والمعارض التي تنظّمها، تؤمّن أدواتٍ مثل ألواح "أردوينو" و"ليتل بتس" littleBits، و"دارات سناب" Snap Circuits وغيرها، لمساعدة المبتدئين.

يكمن هدف الشركة في تسهيل النفاذ إلى العلوم والتقنية للشباب بين عمر الـ 6 والـ 18 سنة، بشكلٍ شيّقٍ خارج المدرسة.

وهي تؤمن بأنّ ضبط عملية اكتشاف قدرات الطلّاب ورفع كفاءاتهم العلمية داخل المدرسة، يتخلّله الكثير من المعوقات من إدارة المدرسة نفسها، أو من المعلّم، أو حتى من وزارة التربية والتعليم نفسها.

 ولذلك، تفضّل الشركة أن تعمل خارج الفصل الدراسي. وبالتالي، وجدَت أنّ مسابقات تصميم وتطوير الروبوتات، أو تجربة التعليم عن الهندسة الكهربائية أو الميكانيكية أو البرمجة بشكلٍ مبدع خارج الفصل، سوف تزيد من حبّ الطلّاب للتقنية. ويشرح المدني الأمر قائلاً: "فرصتنا للنجاح أفضل بهذه الطريقة."

وعلى اعتبار أن الشركاء المؤسِّسين كانوا موظّفين سابقين في شركة "أرامكو" ARAMCO، فقد ترك هذا بصماته عليهم. تُعدّ "آرامكو" من أفضل بيئات العمل الداعمة لريادة الأعمال، إذ تساعد موظّفيها في بناء قدراتٍ مثل إعداد التقارير وإدارة الفرق وعملية التنظيم، وبذلك تقدّم مجموعةً من المهارات المهنية التي تساعدك في إطلاق عملك التجاري.

ويقول المدني في هذا الشأن: "لقد استفدنا من ‘أرامكو‘، لذلك تم بناء شركتنا على أرض صلبة." 

ورشة عمل للأطفال. (الصورة من "تالنت إس")

العلم خارج جدران المدارس

في بادئ الأمر، كانت "تالنت إس" تقدّم مجموعةً من الدورات الصغيرة في مختبرٍ في مدينة الخُبر شرق السعودية، مُستهدفةً الآباء الذين جلبوا أبنائهم لتعلّم البرمجة.

ولكنّها توسّعَت من مختبرٍ صغيرٍ يستقطب الطلّاب في مسابقاتٍ على مستوى المملكة، إلى لفت أنظار بعض القطاعات الحكومية أو شبه الحكومية مثل منظّمة "موهبة" Mawhiba لدعم الابتكار في المجتمع السعودي، و شركة "أرامكو" السعودية التي أبرمت شراكةً معها.

 ثمّ مع "موهبة"، أطلقت "تالنت إس" ما عُرف بـ"الأولمبياد الوطني للإبداع العلمي"، عام 2008، ومن ثمّ أصبح لاحقًا تحت إدارة "موهبة".

فيما بعد، قامت الشركة بتوسيع برامج العلوم والروبوتات والمسابقات لتشمل كلّ مناطق المملكة. أمّا الفرق المنضمّة إلى البرامج خارج الفصل الدراسي، فقد ارتفع عددها من 8 فرق و80 طالباً إلى أكثر من 4 آلاف طالب و400 فريقٍ.

بين عامَي 2007 و2009، كانت الشركة تستهدف الأهل، والأب بشكل خاصّ، بحيث يأتي الأب ليقدّم أوراق أولاده ثم يدفع رسوم الدورات وورش العمل التي يحصل عليها ابنه أو ابنته.

 إلا أنّ الشركة غيّرت جمهورها المستهدف لاحقاً، وبدأت تتطلّع إلى الشركات التي تعتني بالمسؤولية الاجتماعية CSR، من أجل جني المزيد من العائدات.

وبالتالي، بات من عملائها "أرامكو السعودية"، و"موهبة"، و"مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية"، و"معرض مشكاة التفاعلي" الذي تم تنفيذه لـ"مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية" ويعدّ من أهم مشاريع الشركة.

ولكن، سرعان ما توقّفت الشركة عن استهداف الشركات الكبرى، وعادت إلى استهداف الأهل عبر تطبيقٍ خاصٍّ يمكّنهم من متابعة البرامج التي يأخذها أولادهم. ويشرح المدني هذا الأمر بقوله: "عُدنا إلى البداية بمعرفةٍ أكثر."

 هذه العودة سببها عدم استقرار الشراكات بين "تالنت إس" والشركات الكبرى، لأنّ هذه الأخيرة قد لا تجدّد عقدها مع الشركة عند انتهائه، ويكون لديها ميزانيةٌ معينةٌ عليها الالتزام بها كلّ عام.

وفي الوقت الحالي، "لا نزال نعمل على النموذَجَين، ويشكل النموذج الموجّه للشركات 90% من نسبة الدخل،" كما يشير المدني.

في بداياتها، لم تحتَج الشركة إلى تمويلٍ كبير، وكان التمويل ذاتياً من قبل الشركاء برأسمالٍ بلغ 400 ألف ريال سعودي (106 آلاف دولار أميركي). في ذلك الوقت، عمل الشركاء بنصف رواتبهم السابقة في "أرامكو" كمحاولةٍ لتقليل التكاليف، وتمّ تأمين مقرٍّ للشركة في أحد منازل الشركاء.

أمّا التحدي الأبرز للشركة فكان رفع وعي المجتمع حيال الخدمة غير التقليدية التي تقدّمها خارج المدرسة، وكمنت الصعوبة في عدم فهم آلية عمل الشركة سواءً من قبل المستثمرين أو للعملاء على حدّ سواء.

عام 2009 كان الأصعب على الشركة بسبب انتهاء بعض العقود التي كانوا يعملون عليها؛ "كنا نخسر300 ألف ريال شهرياً"، حسبما يخبرنا المؤسّس الشريك. وبعدما تراكمت الخسائر لتبلغ مليون ريال سعودي (270 ألف دولار)، بدأ العمل مع "مشكاة" لتعود الشركة إلى الربحية مرّةً أخرى.

"حتّى عندما تضيق الأمور مالياً، لن نترك عملنا لأنه مُمتع ويترك أثراً في المجتمع،" يختم المدني حديثه بشغف. 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة