الطاقة الشمسية تساهم في تحلية المياه

اقرأ بهذه اللغة

لا شكّ أنّ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي أكثر المناطق التي تعاني من ندرة المياه في العالم، خصوصاً وأنّه وفقاً للبيانات التي نشرها قسم إدارة المخاطر في "مابل كروفت" MapleCroft عام 2011، فإنّ 16 بلداً من أكثر البلدان التي تواجه نقصاً حاداً في تأمين التجهيزات اللازمة للمياه المتجدّدة تتواجد بين المغرب وعُمان.

وباتت هذه الأزمات تواجه بلدان إضافية من المنطقة وشكلٍ أكبر، مثل مصر وعُمان والأردن، بالإضافة إلى لبنان الذي بات يعاني من الأمر، وقد ظهرَت في جفاف الآبار الخاصّة والعامّة بالرغم من تساقط الأمطار الشتوية بغزارة.

لمواجهة هذه المشاكل، يقوم ويليام يانسن (الصورة أدناه) بخطواتٍ مهمّةٍ في المنطقة. فهذا الهولندي الذي ترك بلده من أجل إدارة مشروعٍ في الإمارات، بقي هنا وأسّس في عام 2012 شركة "ديسولينيتر"Desolenator  الناشئة التي صمّمَت جهازاً جديداً لتحلية المياه، يعمل بواسطة الطاقة الشمسية ويقدّم مياهاً صالحة للشرب في البلدان القاحلة.

يقول يانسن لـ"ومضة"، إنّ "الكثير من الناس لا يعلمون أنّ ألواح الطاقة الشمسية ليسَت فعّالةً بما فيه الكفاية. ففي أماكن مثل أبوظبي، ترتفع الحرارة جدّاً لدرجة أنّه يمكنك الطهو على الألواح [وهذا ما يعيق هذه الألواح من العمل بكفاءة]."

وبالتالي، كان من المنطقي أن يتمّ استخدام حرارة الألواح الشمسية لغلي الماء في الوقت نفسه الذي تولّد فيه الطاقة الكهربائية.

وبالفعل، يقوم جهاز يانسن لتحلية المياه بالطاقة الشمسية على مفهومٍ بسيط، وهو أن ترفع الألواح الشمسية حرارة الماء إلى درجة الغليان ومن ثمّ التبخير، ليتمّ استخداَم المياه النظيفة من أجل الشرب بعد ذلك.

تأتي المياه المالحة التي من البحر أو الآبار المتملّحة مثلاُ، فيتمّ تسخينها ضمن مواسير باستخدام الألواح الشمسية لتصل إلى درجة 95 درجة مئوية قبل أن تُنقل إلى الغلاية. ومن ثمّ بالاعتماد على الكهرباء المولَّدة من الألواح، يتمّ غَلي الماء المسخّنة مسبقاً حتّى تتحوّل إلى بخارٍ يدخل في فتحةٍ مخصّصةٍ له في أعلى الجهاز، وبعد ذلك يتمّ تكثيف البخار من خلال عملية تغيير الحرارة. وبالنتيجة، نحصل نظرياً على 15 ليتر من الماء الصالحة للشرب يومياً من خلال هذا الجهاز الصغير.

قد لا تصل القدرة القصوى للوحة توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية إلى أكثر من 15%، وكفاءة جهازٍ لتقطير المياه إلى أكثر من 35%، ولهذا تهدف "ديسولينايتر" إلى العمل بقدرةٍ تتراوح بين 50 و60%. وذلك من خلال دمج الطاقة التي تأتي من الألواح الشمسية والتغير الحراري، وإبقاء الجهاز معزولاً من الجهات الثلاثة. 

طريقة عمل جهاز "ديسولينيتر". (الصورة من Desolenator)

يخضع هذا الجهاز حالياً للاختبار لدى شريك "ديسولينيتر" في التصنيع في منطقة شنزن الصينية، وسيخرج من المصنع لأوّل مرّةٍ في الربع الأول من عام 2016.

ولكن في المقابل، تدين الشركة الناشئة بـ150 وحدة للداعمين لها على منصّة التمويل الجماعي "‘إندي جو جو" Indiegogo، و100 وحدة للمنظّمة غير الحكومية الشريكة معها "واتر إز لايف" Water Is Life والتي ستقوم بالاختبارات الأولى للجودة والمتانة. كما أنّ الشركة اتّفقَت مع تكتّل شركاتٍ مملوكٍ لعائلةٍ غنيةٍ في الكويت، من أجل توزيع الجهاز على اللاجئين السوريين في لبنان.

مَن يحتاجه؟

يرى يانسن أنّ قاعدة عملائه تتوزّع حول العالم، ويمكن تقسيمها إلى عدّة أقسام بحسب درجة المنتَج: المنتَج المتكامل بقيمة 999 دولار والذي يمكن للميسورين مالياً شراؤه، والمتوسّط بقيمة 500 دولار لأشخاص ذوي دخلٍ عاديّ مثل الهند، والرخيص المخصّص للمنظّمات غير الحكومية. وذلك إضافةً إلى نموذجٍ للأغنياء الذين يريدون حلّاً عالي التقنية لمياه الشرب، وآخر طبّي يمكنه تقطير المياه وتعقيمها في آن.

يقول يانسن إنّ المحاولات الأخرى لتزويد المنظّمات الإنسانية بأجهزةٍ لتصفية المياه أو تحليتها لم تكن ناجحة بمعظمها، مضيفاً أنّ ما حصلت عليه هيئات التمويل الإنسانية لم يكن مناسباً لإطلاق عملٍ.

ويشرح أنّ "أفضل طريقةٍ لجعل منتَجنا بمتناول الناس باستمرار في البلدان النامية، هي أن نكون شركة تبغي الربح وتدير منتَجاً قابلاً للاستمرار في سوقٍ قابلةٍ للاستمرار، ومن ثمّ أخذ الجهاز من المكان الذي نكون فيه إلى أعلى الهرم."

يركّز يانسن على الهند باعتبارها السوق الأولى للنموذج المتوسّط من المنتَج، وذلك لأنّ أجهزة تنقية المياه المنتشرة هناك تكلّف نحو 30 ألف دولار ما عدا الصيانة. وبالتالي، فهو يرى أنّ جهازه مفيدٌ أكثر كما أنّه أقلّ عرضةٍ للمهاجمة من قبل ‘مافيات المياه‘ كي تضعه خارج الخدمة.

"إنّ هذا هو هدفنا، أن يكون الجهاز لكلّ العائلة،" يقولها يانسن مضيفاً أنّه "جهازٌ مستقلّ، ولا يحتاج إلى الربط بشبكة الكهرباء، ويناسب حجم العائلة. يمكن وضعه على سطح المنزل ويمكن أن تتولّى المرأة شؤونه."

الفريق الهندي مع جهازٍ للتجربة في كيرالا.

وبالنسبة إلى المشترين الأوائل للجهاز المتكامل، يأتي أغلبهم من المناطق القاحلة في كاليفورنيا وغرب أستراليا وشمال التشيلي وقبرص. ويقول المؤسِّس إنّه "يوجد الكثير من ‘المعدِّين‘ Preppers في الولايات المتّحدة،" قاصداً بذلك أولئك الأشخاص الذين يخزّنون الطعام المعلّب وأدوات البقاء على قيد الحياة بانتظار نهاية العالم.

إبقاء الجهاز بطابع محلّي

ستكون قبرص السوق المستهدَفة في المقام الأول، فهي بلادٌ مشمسة وغنية نسبياً وتتمتّع ببنى تحتية جيدة، وشبكات المياه فيها غير مترابطة والناس لا يشربون الماء من الصنبور.

وبالإضافة إلى ذلك، يمتلك يانسن خططاً طموحة، إذ يريد أن يأي إلى قبرص بأول دفعةٍ من المنتَج ما بين آذار/مارس ونيسان/أبريل في العام المقبل. ومن ثمّ سيكون النموذج المتوسّط جاهزاً بعد 6 أو 9 أشهر، وبعدها بـ6 أو 9 أشهر نموذج المنظّمات غير الحكومية.

ولكن في هذا الوقت، وبينما تمّ الانتهاء من النموذج الأوّلي للمنتَج الأساسيّ، لم تنتهِ هندسة النماذج الأخرى بالرغم من أنّها جاهزة التصميم. 

أحدث نموذجٍ أولي لجهاز "ديسولينيتر".

يسعى الرياديّ الهولندي حالياً إلى تأمين 750 ألف دولار كتمويلٍ تأسيسي، ويبدو أنّه سيستطيع فعل ذلك خلال الأشهر المقبلة مع مستثمرٍ أجنبيّ فضّل إبقاءه طيّ الكتمان، وهو مُستثمِرٌ في الأعمال التي تُحدِث أثراً وتكون مربحةً مادياً وبيئياً واجتماعياً.

أمّا الشركة الناشئة فقد اشتهرَت بعد إطلاق حملتها على "إندي جو جو" مطلع العام الحالي، حيث حصلَت على 167 ألف دولار (بعدما كانوا يهدفون إلى جمع 150 ألف دولار) وجذبت أنظار عددٍ من المستثمرين.

وساهمَت أيضاً حملةٌ التمويل الجماعيّ الناجحة هذه بحصول الشركة الناشئة على مكانٍ في حاضنة "إمبيريال كودج" Imperial College في لندن، وعددٍ من الجوائز، ودعوةٍ إلى المؤتمر البيئي الكبير "سو كاب 15" SoCap15 الذي يقام في سان فرنسيسكو.

من جهةٍ أخرى، إذا لم تتباطأ معدّلات التغير المناخيّ يتوقّع أن تشهد منطقة الخليج حرارة صيفية تفوق قدرة الكائن البشري على الاحتمال، وفقاً لدراسةٍ نشرتها جريدة "نايتشر كلايمت تشانج" Nature Climate Change. وبالتالي فإنّ النقص في المياه سيفاقم آثار موجات الحرّ خصوصاً على الناس الفقراء.

في هذا الإطار، يمكن للمسابقات الخاصّة بالابتكارات البيئية الشبيهة بابتكار يانسن، مثل تحدّي "جنرال إلكتريك - أرامكو" للابتكار التكنولوجي GE-Aramco technology innovation challenge الذي عقد هذا العام والذي كان مخصّصاً للأفكار والأجهزة المتعلّقة بتحلية المياه باستخدام الطاقة المتجدّدة، أن تساعد المنطقة في العمل على حلّ مشاكل المياه على مستوى صغير ريثما يتمّ اعتماد حلول على صعيدٍ أشمل أو يتمّ اتّخاذ إجراءات سياسية.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة