إعداد النماذج الأوّلية والفنّ في صناعة الأجهزة: 'وايت لاب'

اقرأ بهذه اللغة

إعداد نموذج أوّلي هي عمليّة تطويرٍ للمنتَج تشمل الاختبارات والتعديلات (الصورة من smashingmagazine.com)

"بين الإدراك والخلق، ظلال عدّة..."

هذه الكلمات مقتبسة (بتصرّف) من قصيدة تي إس. إليوت، "الرجال الجُوف" The Hollow Men.

في القصيدة، يتحدث إليوت عن حالة الأخلاقيّات الإنسانيّة الواهنة، لكنّه يتطرّق أيضاً، ولو من دون علمه، إلى معضلة الصانعين والتحدّي الذي يواجهه روّاد الأعمال الطموحون من صانعي الأجهزة: ليس من السهل إدراك الحلول الفعّالة للمشاكل الحقيقية، وعمليّة تحويل هذه الأفكار إلى مشاريع ناجحةٍ ومستدامةٍ غالباً ما تخلو من الوضوح وتشكّل عملاً شاقّاً كثير الصعوبة.

إعداد النماذج الأوليّة هي إحدى وسائل الابتكار التصميمي design-innovation التي يلجأ إليها روّاد الأعمال الذين يصنعون الأجهزة لتنفيذ فكرتهم والخروج من بين الظلال الكامنة بين الإدراك والتصنيع شيئاً فشيئاً.

من أجل تعلّم المزيد عن روّاد الأعمال الذين يستخدمون إعداد النماذج الأوّلية لصياغة الأفكار في العالم الحسّي، تحدّثت "ومضة" مع المبدعين الذين أسّسوا "وايت لاب" White Lab.

إيف تمراز، إلى اليمين، الشريكة المؤسِّسة والمديرة التقنية في "وايت لاب". (الصورة من "وايت لاب")  

"وايت لاب" هي شركة ناشئة لبنانية وشركة تحليل بيانات الرعاية الصحيّة المتخصّصة بالكشف البيئي، شارك في تأسيسها سيريل نجّار (الرئيس التنفيذي) وهو خرّيج "الكلّية الملكية للفنون" Royal College of Art في تصميم المنتجات الصناعيّة، وإيف تمراز (المديرة التقنية) التي تحمل شهادة دكتوراه في علوم الأعصاب، وقد تعلّمَت في "مدرسة المعلمين العليا في باريس" Ecole Normale Supérieure de Paris.

في حديثهما مع "ومضة"، يذكر الشريكان المؤسِّسان نظريّة إعداد النموذج الأوّلي والأخطاء الشائعة في هذا الإطار وأفضل الممارسات، كما تطرّقا إلى منتجهما الأخير "إر" Air.

سيريل نجّار (إلى اليمين) مؤسّس "وايت لابز" ورئيسها التنفيذي (الصورة من lorientlejour.com)

"ومضة": لماذا تعدّون نموذجاً أوّلياً؟

إيف تمراز: بهذه الطريقة تتعلّم بالفعل. تحاول وتحاول، وتعدّل وتحسّن شيئاً حتّى ترى نتائج تدلّ أن ما تقوم به ينجح، ما يصل بك إلى منتَجٍ مثالي.

سيريل نجّار: نقوم بذلك للتحقّق من أنّ الأمر قابل للتطبيق قبل استثمار موارد هائلة فيه.

"ومضة": لماذا يعتبر إعداد النماذج الأوليّة مفيداً خاصّةً في تصميم الأجهزة؟

 نجّار: الجهاز يُحمل، لذلك عليك أن تصمّم اختباراتٍ تسمح لك أن تلمسها وتشعر بها. بشكلٍ عام، فإنّ أدمغتنا هي الطريقة الأساسيّة التي نستخدمها في الاكتشاف، وهي تشجّعنا على فهم شيءٍ ما بالكامل قبل الدخول إلى عالمه. لكنّ إعداد النماذج الأوليّة يعارض هذه العمليّة لأنّك تتوقّع ما ستحصل عليه، إذ تثق بأنّ يديك بمستوى ذكاء دماغك، وبأنّ إعداد وصناعة جهازٍ من خلال لمسه فعلياً يساوى التفكير المجرّد حياله فيما يتعلّق بقيادتك في الاتّجاه الصحيح.

الشفاه والأيدي كبيرة لأنّها أكثر أعضاء جسد الإنسان حسّاسية، وهي أساسيّة في تصميم الأجهزة (الصورة من drscottmills.com)   

"ومضة": كيف تكوّن فكرة النموذج الأوّلي؟

نجّار: في المقام الأول، عليك أن تفكّر لماذا تعدّ نموذجاً أوّلياً. عليك أن تسأل نفسك، ’ما هي حاجة السوق التي أحاول تلبيتها؟‘

وتذكّر أنّك في كلّ مرّةٍ تصمّم فيها نسخةً إضافيةً من النموذج الأوّلي، فإنّك تعدّل التصميم ليعكس فهماً أكبر لحاجات السوق المستهدَفة ورغباتها ومشاكلها.

بناء خريطة لمسيرة العميل تعني مراقبة تجربة المستخدِم وتمثيل هذه الخبرة على الورق من خلال نقاط تلاقي مختلفة (الصورة من servicedesigntools.org)

"ومضة": ما هي الخطوات العمليّة لبناء النموذج الأوّلي للمرّة الأولى؟

نجّار: ابدأ بإنشاء مسيرة العملاء وسيناريوهات استخداماتهم بناءّ على ما يقوله الناس عن حاجاتهم (وما لا يحصلون عليه).

يكمن الهدف من هذا كلّه في فهم ما يقوم به المنتَج، قبل فهم الطريقة التي سيعمل بها. من ثمّ يمكنك بناء نموذج أوّلي بدائي واختباره.

ووفقاُ للنتائج، يمكنك أن تحدّد وظائف المنتَج ومكوّناته التقنيّة، وبعدها يمكنك تصميم هيكليّته، وأخيراً يمكنك العمل على شكله الخارجي.

"ومضة": ما هي الأخطاء الشائعة في إعداد النموذج الأوّلي؟

تمراز: لا تستثمر الكثير من الأموال في تصاميمك الأولى، فيمكنك تجربة المفهوم لإثبات صحّته باستخدام معدّات أساسيّة زهيدة الثمن إذا كنتَ دقيقاً في استراتيجيّات جمع المعلومات. كذلك، لا تتوقع أن يكون كلّ شيءٍ كاملاً؛ فقد تبدّل 10 نماذج أوليّة قبل اختيار ما يناسب هدفك.

"ومضة": هلا أخبرتمونا عن تجربةٍ في إعداد النموذج الأوّلي أوصلتكم إلى اكتشاف مهم؟

نجّار: حصل ذلك عندما طوّرنا أول جهاز كمان من قطعةٍ واحدةٍ باستخدام تكنولوجيا من ,فورمولا 1‘ Formula 1 وتصاميم المركبات الفضائية، تسمح بنحت الآلة الموسيقيّة. حينئذٍ، اكتشفنا قيمة التعلّم من خلال لمس المنتَج وأهميّة اليدين في عمليّة التفكير التصميمي لإعداد الأجهزة.

آلة الكمان "إر" يعتمد على تكنولوجيا استخدمت في "فورمولا 1" وتصاميم المركبات الفضائية (الصورة من "وايت لاب")

تمراز: تمكنّا من القيام بعدّة نماذج أوّلية من الكمان لعملائنا بالاستعانة بتصاميم الطباعة ثلاثية الأبعاد قبل نحت الآلة الموسيقيّة من الخشب، فقدّم كلّ تصميمٍ اكتشافات جديدة في تجربة الاستخدام وأخذناها في الحسبان في النماذج الأوليّة التالية، حتّى وصلنا إلى المنتَج النهائي.

"ومضة": ماذا يمكنكم إخبارنا عن "إر"؟   

تمراز: ’إر‘ هو أوّل جهاز ذكيّ لمراقبة الحساسيّة، يستخدِم تكنولوجيا إنترنت الأشياء، والتحليلات التنبؤية وتصميم الأجهزة، لمعالجة مشاكل الحساسيّة في الجهاز التنفّسي، والكلفة السنويّة الهائلة لهذه المشاكل في الرعاية الصحيّة، ومواجهة فكرة أن هذه الحلول الوقائية كانت صعبة التطبيق، حتّى الآن.

"إر" هو أوّل منتَجات "وايت لاب"، وأوّل جهاز لمراقبة الحساسيّة (الصورة من "وايت لاب")

"ومضة": ماذا تقدّمون مع "إر"؟

نجّار: يقدّم هذا الجهاز تحليلاً لنوعيّة الهواء في الداخل طوال اليوم، وينذرك في حال وجود مواد تسبب الحساسيّة والانزعاج ووجود الدخان وتسرّبات الغاز.

من خلال تطبيقنا بالإضافة إلى خوارزميةٍ خاصّةٍ بالمستخدِم، نقدّم لعملائنا تحليلاتٍ للبيانات باستخدام سجلّات الحساسيّة على الأجهزة المحمولة ومقاييس نوعيّة الهواء، لتأمين خدمة طبّ تنبؤي شخصية.

بالإضافة إلى ذلك، يمكننا أن نقدّم للعميل نصائح خاصةً به تساعده على تغيير البيئة المحيطة به للحدّ من التعرّض للمواد المسبِّبة للحساسيّة والانزعاج، وبالتالي تأمين مكانٍ صحّيٍّ للعيش.

عمليّة إعداد النماذج الأوليّة هي علميّة وأكثر

عندما تنطلق من النظرة المعمّقة في تجربة المستخدِم، وتمرّ بالنماذج الأولية الزهيدة الثمن، والاختبارات والتعديلات، لتصل إلى التصميمات المعقّدة، فأنت تقوم باختباراتٍ حسيّة لتأكيد نظريتك؛ وهذه هي الطريقة العلميّة التقليديّة.

وخلال هذه العمليّة أيضاً، عندما تقوم بالكشف عن مزايا خاصّةٍ لتحديد الطريقة التي يلمس بها المستخدِمون عناصر المنتَج، ومن ثمّ تجد طريقةً لدمج هذه الأحاسيس في أبرز عناصر التصميم النهائي، فهذا هو جوهر إعداد النماذج الأوليّة والفنّ في صناعة الأجهزة. 

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة