تكنولوجيا الفضاء هي الشيء الكبير المقبل [رأي]

اقرأ بهذه اللغة

الفضاء يصبح في متناول الجميع شيئاً فشيئاً. (الصورة من "تايمز 5" Timez5)

يستعدّ اقتصاد تكنولوجيا الفضاء لنموٍّ هائلٍ خلال السنوات العشر المقبلة، بحيث أنّ وكالات الفضاء ستعمل مع القطاع الخاصّ لدفع هذا الاقتصاد إلى الأمام.

تقوم تكنولوجيات الفضاء، من خلال الأنشطة التجارية التي تجري خارج الغلاف الجوي، بإيجاد اقتصادٍ جديدٍ كلّياً، بدءاً من رحلات الفضاء الخاصّة والتقنيات الطبية المنقذة للحياة والمطيلة في العمر مثل "كندا آرم" CanadaArm، أو الحلول اللوجستية مثل نظام تحديد المواقع العالمي GPS في "جوجل إيرث" Google Earth، وتطبيقات تشارك ركوب السيارات مثل "أوبر" Uber.

في عام 2014، نما اقتصاد الفضاء العالميّ بنسبة 9% ليصل إلى 330 مليار دولار، وفقاً لـتقرير الفضاء 2015 الصادر عن "مؤسّسة الفضاء الأمريكية" US Space Foundation، وهو يتكوّن من "خدمات الإطلاق والهبوط، وتصنيع الأقمار الصناعية، والفضائيات والاتصالات، والاستطلاعات الحكومية، والإنفاق العسكري، وغيرها من المصالح".

اقتصاد الفضاء العالمي في عام 2014 بمليارات الدولارات. (الصورة من تقرير "مؤسّسة الفضاء الأميركية")

تأثير القطاع الخاص

نما اقتصاد الفضاء بنسبة 9.7% في عام 2014، وجاء معظم هذا النموّ من البنية التحتية التجارية والصناعات المساندة للقطاع التي تبلغ 128 مليار دولار، حيث ارتفعَت الإيرادات بنسبة 18%.

ويُورِد التقرير أنّ "القطاعات مثل التي تُعنى بعمليات الإطلاق، والمحطّات الأرضية والمعدّات، وصناعة الأقمار الصناعية، تعتبَر من الدعائم الأساسية. وبالنسبة إلى عمليات الإطلاق، فقد ارتفع عددها بشكلٍ كبيرٍ في عام 2014 إلى مستوياتٍ لم نشهدها منذ أكثر من عقد من الزمن".

وبالتالي، يُظهِر هذا أنّ هناك مجالاً للشركات كي تستفيد من الفضاء ضمن قطاعاتٍ جديدة، لأنّه بقدر ما تعتبر رحلات البشر إلى الفضاء مثيرةً فإنّ هناك طرقاً كثيرةً يمكن أن تعزّز الحياة البشرية هنا على الأرض، مثل الاستفادة من تكنولوجيا الفضاء في الزراعة أو المناخ.

وما يدل على قيمة التكنولوجيا الفضائية يمكن أن يَظهَر في التكنولوجيات التي سوّقتها وكالة "ناسا" NASA على مدى العقود الأربعة الماضية، مثل نظام تحديد المواقع العالمي GPS الذي تعتمد الآن عليه "أوبر" و"ليفتس" Lyfts، والمسبار الذكي smart probe للكشف عن سرطان الثدي بدقة؛ وهي تكنولوجيات بدأت جميعها في مختبرات "ناسا".

قيمة سوق تكنولوجيا الفضاء لا تنفكّ تنمو (البيانات بمليارات الدولارات، الصورة من تقرير "مؤسّسة الفضاء الأمريكية")

مشاركة الحكومات

في حين تضجّ الأخبار بما تفعله كلٌّ من "سبايس إكس" SpaceX و"فيرجن غالاتك" Virgin Galactic من ناحية إطلاق الصواريخ، فإنّ التمويل الحكوميّ كان وسيبقى أساس تكنولوجيا الفضاء لبعض الوقت في المستقبل.

أمّا الدول الأكثر استثماراً في التكنولوجيا الفضائية فهي البرازيل، وكندا، و"وكالة الفضاء الأوروبية"، وفرنسا، وألمانيا، والهند، وإيطاليا، واليابان، وروسيا، وكوريا الجنوبية، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة التي ما زالت تضخّ أكثر من نصف إجمالي الاستثمارات الحكومية العالمية في اقتصاد الفضاء.

تخدم الاستثمارات الحكومية في مجال تكنولوجيا الفضاء ثلاثة أغراض رئيسية هي: تطوير البنية التحتية الأساسية مثل منصّات الإطلاق؛ تمويل العلوم البحتة التي يُرجّح أن تشكّل حجر الأساس لتقنياتٍ تجاريةٍ في المستقبل، والتي لا يمكن لشركاتٍ أو مؤسَّسات خاصّةٍ أن تتعامل معها أو لا تريد ذلك؛ وتقديم الدعم المالي مثل "برنامج الطاقم التجاري"(CCP) للشركات التجارية، و"نظام الاطلاق الفضائي" (SLS) من "ناسا" لاستكشاف القمر والكويكبات والمريخ.

تتمّ غالبية عمليات إطلاق الصواريخ اليوم من قبل الجيش الأمريكي. ففي عام 2014، كان من بين عمليات الإطلاق الـ92 في الولايات المتحدة الأميركية 69 عمليةً قامت بها جهاتٌ حكوميةٌ وعسكرية، وفقاً لبياناتٍ حسّاسة كنتُ قد اطّلعتُ عليها، في حين تشكّل عمليات الإطلاق من قبل شركاتٍ خاصّةٍ قرابة 20%.

من جهةٍ ثانية، شكّلت وكالات الفضاء من الشرق الأوسط أقلّ من 1% من الاستثمارات الفضاء من خارج الولايات المتحدة في عام 2014، ولكن في السنوات الخمس الماضية ظهرَ في المنطقة مبادراتٌ فضائية أكثر طموحاً، أبرزها "وكالة الإمارات للفضاء"UAE space agency و"مركز الفضاء محمد بن راشد للفضاء"Mohammed Bin Rashid Space Centre الذي يريد أن يصل إلى المريخ بحلول عام 2020.

العائدات عن البنى التحتية للفضاء، بمليارات الدولارات. (الصورة من تقرير "مؤسسة الفضاء الأميركية")

معوّقات اقتصاد الفضاء

خلال "مؤتمر التكنولوجيا والاستثمار الفضائي" Space Technology & Investment Forum في مدينة سان فرانسيسكو، حدّدتُ بعض الحواجز الهامة التي يجب التغلّب عليها هذا الاقتصاد الجديد كلّياً من أجل الازدهار.

أولاً، هناك اختلالٌ بين اللاعبين الرئيسيين العاملين في قطاع تكنولوجيا الفضاء، ويعود ذلك بجزءٍ كبيرٍ منه إلى حقيقة أنّ هذا القطاع لا يزال حديث العهد ولا يشهد تعدّداً في اللاعبين الرئيسيين. ففي حين قد تنفق ناسا 50 مليون دولار على البحث والتطوير على مدى خمس سنوات، من الطبيعي أن يكون لشركة استثمارٍ مخاطر أفقٌ زمنيٌّ وميزانيةٌ مختلفان.

ثانياً، لكي تزدهر أفكارٌ جديدةٌ ينبغي على وكالات الفضاء أن تسمح للشركات الخاصّة باستخدام مرافقها. في الوقت الحالي، تمتلك وكالات الفضاء كلّ الأوراق الرابحة فيما خصّ الوصول إلى الفضاء، كما أنّ هذه الوكالات - وليس الشركات الكبرى التي تسعى إلى تسليع الفضاء - تمتلك البنى التحتية اللازمة للإطلاق.

وثالثاً، أزمات التمويل تعني أنّ الكثير من الشركات الناشئة سوف تلجأ إلى التمويل الجماعيّ لتمويل منتَجاتها الأوّلية، ما يعني أنّه ستكون أمام مشكلةٍ إذا ما تخلّت عن الملكية الفكرية. وهذا يعني أيضاً أنّه على الحكومات أن تتدخّل باكراً لتمويل البحوث الأساسية التي تكون مكلفةً للغاية وتستغرق وقتاً طويلاً بالنسبة إلى الشركات الناشئة، وتتطلّب تمويلاً كبيراً من شركات الاستثمار المخاطر.

مستقبل الفضاء تجارياً

إتاحة اقتصاد الفضاء أمام الجميع سيكون أساساً للتغيير في المستقبل، ما سيفسح المجال أمام مزيدٍ من الباحثين وروّاد الأعمال وخبراء القطاع للتعاون بطرقٍ أكثر فعالية.

وبالتالي، فإنّ حرية الوصول إلى البيانات الخام تسمح للباحثين والخبراء في جميع أنحاء العالم بالعمل على المشاكل ذات الصلة بالفضاء، مثل تكلفة للوصول إلى هناك.

وأخيرا سيساهم هذا أيضاً في تخفيض تكلفة الوصول إلى الفضاء.

وبصرف النظر عن مسألة الصواريخ غير القابلة لإعادة الاستخدام، والتي ما زالت تشكّل الأداة الأساسية للوصول إلى الفضاء من الأرض (المعدّل الأرخص اليوم لإيصال شيءٍ إلى المدار يكلّف ألفي دولار لكلّ رطل)، يمكننا كذلك القيام بالأمر من خلال الابتكار في مكانٍ آخر.

يمكننا إنشاء منتَجاتٍ أو تقنياتٍ يمكن استخدامها بشكلٍ عام (وبالتالي سيستخدمها المزيد من الناس ما يؤدّي إلى انخفاض التكاليف)؛ وأيضاً عن طريق توزيع تكاليف البحوث أو التنمية على كيانات مختلفة، مثل المؤسّسات الحكومية والشركات والمؤسَّسات الخاصة؛ ومن خلال إيجاد مصادر جديدة للدخل للتقنيات الحالية.

يُعتبَر اقتصاد الفضاء من أكثر القطاعات إثارةً التي يمكن أن يدخلها رواد الأعمال، فالإمكانات التي تطرحا البحوث التي تأتي من القطاعَين الخاصّ والعام كبيرة. وعلى الرغم من الصعوبات المعتادة التي تواجه أيّ قطاعٍ حديثة العهد، فإنّ هناك طرقاً لجعل هذا القطاع في متناول الشركات الناشئة كي تحقّق المنافع على نطاقٍ واسع.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة