'كاراج جنرال إلكتريك' ومستقبل ريادة الأعمال الصناعية في المنطقة

اقرأ بهذه اللغة

في الوقت التي تسعى فيه المنطقة إلى تنويع القطاعات غير النفطية في أعقاب انهيار أسعار النفط، يرسم عددٌ كبيرٌ من الإعلانات الاستراتيجية في دولة الإمارات المستقبل الاقتصاديّ للصناعات التحويلية.

وفقاً لدبي، سيتمّ بناء ما يقرب من 25% من الأبنية في المدينة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد 3D بحلول عام 2030، وذلك في حين يُقدَّر أن تساهِم استراتيجية الطباعة ثلاثية الأبعاد في الإمارة بنحو 300 مليون دولار في الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025.

البناء الأوّل المبني بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد ليس في ألمانيا أو اليابان بل هو مكتبٌ في أبراج الإمارات في دبي، ما يدلّ على مدى الأهمّية التي توليها دولة الإمارات العمليات لتصنيع المستقبلية.

الجهود المبذولة للتعليم الصناعيّ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا

في حين تتكشّف هذه التطورات، ما زال يوجد حواجزٌ ترتبط بالتعليم والتوعية حيال قطاع التصنيع المتقدِّم الناشئ إلى حدٍّ ما في الإمارات - والشرق الأوسط وشمال أفريقيا ككلّ؛ وهي ثغرةٌ تحاول "جنرال إلكتريك" GE سدّها، كشركةٍ كبرى وكمستفيدٍ من هذا النموّ على حدٍّ سواء.

لهذا السبب أُنشِئَت "كراجات جنرال إلكتريك"GE Garages  كمفهومٍ جديدٍ يهدف إلى رفع مستوى الوعي حول تقنيات التصنيع المتقدِّم.

"كراج جنرال إلكتريك" في تركيا. (الصور من "جنرال إلكتريك")

تقوم مهمّة هذه "الكراجات" على "تغيير العقلية التي تقول إنّ الدخول إلى قطاع [روّاد الأعمال] صعبٌ جدّاً،" حسبما تقول لـ"ومضة" كيرستن كوتس كولومبير، مديرة التواصل حول الابتكار في "جنرال إلكتريك"، مضيفةً "أنّنا نريد أن يفهم روّاد أنّ الصناعة التحويلية باتت منتشِرة".

بدأ مفهوم الكاراج على صعيد المنطقة في الجزائر، في عام 2014، كجزءٍ من التحدّي المخصّص للمورِّدين المحلّيّين لتقديم أجزاء من عمليات أو عمليات كاملة لتصنيع توربينات الغاز التي تصنعها "جنرال إلكتريك". وتضمّنَت قائمة الشركاء في حينها كلّاً من "سيلابز" Sylabs في الجزائر، وموقع التجارة الإلكترونية في السعودية "هوبي ديستريكت" Hobby District، ومساحة المجتمع الإبداعي في تركيا "أتولييه" Atolye.

ثمّ انطلقت المفهوم في الإمارات، حيث اشتملَت مشاريع الكاراج على عقدٍ لمدّة عامٍ مع وزارة الطاقة الإماراتية لإقامة سلسلة ورش عمل حول التصنيع المتقدِّم لموظّفي الحكومة والمنظّمات شبه الحكومية مثل "أدنوك" ADNOC، و"معهد البترول في أبوظبي" Petroleum Institute Abu Dhabi، و"المنطقة الحرة بجبل علي" Jabal Ali Free Zone. وبالتالي، لم تعد عملية الإعداد في الإمارات ناشئة وحسب، بل وُجِدَت لتبقى مع كلّ ما يخلّلها مِن طابعاتٍ ثلاثية الأبعاد والتصنيع باستخدام الحاسب الآلي CNC وآلات الطحن milling machines وآلات القولبة بالحقن injection molders.

"يمكنك أن تأتي مع فكرةٍ، وتنشئ لها ملفّاً ثلاثيّ الأبعاد، ثمّ تطبعه، وتغيّره، وتعدّله، وتبني النماذج الأوّلية، وتعيد طبعه باستخدام آلاتٍ أكثر تطوّراً، ثمّ تبدأ بالتصنيع فعلاً على نطاقٍ صغير،" كما تقول كولومبير.

نهجٌ على مستوى القاعدة الشعبية لمقاربة ريادة الأعمال الصناعية

يمتلك الكاراج في الإمارات شراكاتٍ مع شركاتٍ ناشئةٍ محلّيّةٍ لاستهداف الفئات العمرية الأصغر سنّاً.

والشراكة الأخيرة التي عقدها هذا الكاراج، كانت مع كلٍّ من "مايكرز بيلدرز" MakersBuilders و"جيمس إيدوكايشن" GEMS Education من أجل سلسلة التصنيع والترميز والتصليح "مايك.كود.تينكر" Make.Code.Tinker التي تستمرّ لأربعة أسابيع حول الطباعة ثلاثية الأبعاد والنمذجة والترميز ووضع التصوّرات والابتكار. وكان أن قدّم البرنامج 20 طالباً إلى البرمجة المرئية والمسموعة، وساعدهم على إنشاء مشروعٍ للتكنولوجيا الإبداعية.

في أبو ظبي كان الجمهور المستهدَف هو الفتيات، وعلى حدّ قول رئيسة قسم الابتكار في "جيمس إيدوكايشن" كريستين ناصرقدسي، في حديثٍ مع "ومضة"، فقد كان هناك الكثير من الأدّلة على أنّ اهتمام الفتيات في موضوعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات STEM يبدأ في الانخفاض بين صفوف الأوّل متوسّط (السادس) والثالث متوسّط (الثامن).

فعالية "جنرال إلكتريك" للإبداع البيئي.

من جهةٍ ثانية، أنتَجت شراكةٌ أخرى بين "جيمس" و"جنرال إلكتريك" برنامجاً من ستّة أسابيع حصلَ خلاله ما يصل إلى 20 طالباً من "مدرسة كامبريدج الدولية أبو ظبي"Cambridge International School Abu Dhabi  على تدريبٍ في التصنيع المتقدِّم. بعد ذلك قام الطلّاب بتدريس الأطفال في ورشة عملٍ حول الروبوتات من "مايكرز بيلدرز"، نُظِّمَت خلال" أسبوع الابتكار" Innovation Week في الإمارات.

جاء الإعلان عن طموحات دبي في الطباعة ثلاثية الأبعاد بعد إطلاق "أجندة دبي المستقبل" Dubai Future Agenda، والتي وافق من خلالها رئيس الوزراء الإماراتي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على "صندوق وقف المستقبل" Future Endowment Fund بقيمة مليار درهم إماراتيّ (272 مليون دولار أميركيّ) من أجل الابتكار.

وتقدِر المنشأة المتخصّصة في تصنيع أجزاء هياكل الطائرات من المواد المركّبة، "ستراتا" Strata، المملوكة بالكامل من شركة "مبادلة" Mubadala الحكومية للتنمية والاستثمار، أنّ التصنيع ساهم بما يصل إلى 14% في الاقتصاد الإماراتي في عام 2015 - بحيث تخطّى بنفسه نقطة الإيرادات التي تُقدَّر بـ400 مليون درهم (109 ملايين دولار أميركي) في عام 2015.

تنمية التعليم الصناعيّ من مشاريع صغيرة إلى مشاريع كبيرة

تشير ناصرقدسي إلى أنّ تعليم الصنّاع يكمن في التربية أكثر منه في المعدّات المتطوّرة.

 وتقول إنّ "المدارس لديها - بصورةٍ عامة - موارد وفيرة من ناحية الأشخاص والمعدّات، إنّما في الوقت نفسه ليس لديها ما تحتاج إليه للقيام بما تريد تنفيذه. وبالتالي فإنّ السؤال هو: كيف يمكن أن يُترجَم هذا إلى واقعٍ عمليّ في السياق المدرسيّ؟"

مؤسِّس "مايكرز بيلدرز"، أمير يزدان بناه، هو واحِدٌ من هذه الصِّلات، إذ أنّه ابتكر مفهوم البرنامج قبل خمس سنواتٍ مع أطفاله بعدما أدرك وجود فجوةٍ في التعليم حول مستقبل التكنولوجيا في دبي.

صف من "مايكرز بيلدرز". (الصورة من "مايكرز بيلدرز")

وبعد تأسيسه لهذه الشركة الناشئة، أقامَت هذه الأخيرة ورشة عملٍ في العام الماضي مع "جيمس" تخلّلها تقديم "مايكرز بيلدرز" للطلّاب برامج بعد المدرسة في التكنولوجيا ثلاثية الأبعاد، ثمّ تطوّر الأمر ليصل إلى إقامة مخيّمٍ صيفيٍّ مع "جيمس" أيضاً في مدارس أخرى في الإمارات.

راحَت "مايكرز بيلدرز" ومنذ ذلك الحين تعقد برامج شراكةٍ مع "جنرال إلكتريك" انطلاقاً من "مركز الإبداع البيئي" Ecomagination Innovation Center خاصّتها، وأمّنَت تمويلاً من "تورن8" Turn8 - حيث تُقيم بعض ورش العمل - كما حصلَت مؤخّراً على رعايةٍ من "موانئ دبي العالمية" DP World لبرنامج الصيف.

ولكن مع استمرار التمويل كتحدٍّ رئيسيٍّ، يأمل يزدان بناه من الدعم الماليّ وغير الماليّ من قبل المؤسّسات والشركات الكبرى في دبي أن يساهم في توسيع مثل هذه البرامج على الصعيد الوطنيّ ويحقّق المال منها.

وفي حين تُعدّ دورة الربح البطيئة التي تواجهها الشركات الناشئة لخدمات التعليم مشكلةً أمام تأمين المستثمرين الذين يريدون عائداً سريعاً على الاستثمار، كما يلفت المؤسِّس، يمكن التغلب على هذا التحدّي من خلال الدعم المالي الذي توفّره الكيانات شبه الحكومية التي تقدّم الأثر الاجتماعي على الإيرادات.

"يمكن أن يكون هذا مدرسةً بديلةً للمستقبل"، حسبما يقول يزدان بناه مشيراً إلى أنّ الكثير من المدارس تواصلوا مع "مايكرز بيلدرز" لكي تدرّس لديها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات.

من ناحيتها، تستفيد "جيمس إيدوكايشن" من برنامج "مليونز ليرنينجز" Millions Learning من "معهد بروكينغز" Brookings Institution، والذي يحدّد كيف ومتى يمكن للتدخّل في المسار التعليميّ أن يؤدّي إلى تحسين التعليم للأطفال في الدول النامية.

وبحسب ناصرقدسي، فإنّ "الكثير من العمل الذي يقوم به فريق الأبحاث والتطوير لدينا يبحث في كيفية تنفيذ ذلك بأقلّ كلفةٍ ممكنةٍ بحيث يمكن لأيّ شيءٍ نقوم به أن ينتشر في المدارس بغضّ النظر عن الرسوم الدراسية".

أمّا على المدى الطويل والأكثر استدامة، فشكّل استقدام التكنولوجيا الجديدة إلى جانب الموضوعات التقليدية إلى المدارس أولويّةً من أجل تحفيز التعليم الجديد في مدارس "جيمس"، على حدّ قولها.

من أجل تسريع هذا التحوّل، يمكن للمنصّات المدعومة من قبل الشركات الكبرى مثل كراجات "جنرال إلكتريك" أن تساهم في الأمر.

وعن هذا الأمر تقول كولومبير إنّ "الحاجز أمام دخول القطاع الصناعيّ أصغر ممّا يعتقد الناس. يسرّني فعلاً أن أرى ما يَنتُج عن الكراجات لدينا يتوسّع ليصبح تكنولوجيا مُعتمَدة".

لكنّ "جنرال إلكتريك"، و"مايركز بيلدرز"، و"جيمس إيدوكايشن"، وكلّ الأطراف الأخرى المشاركة في مساعدة الأطفال على فهم الصناعة التحويلية، يقفون في مواجهة قلّة الوعي حيال هذا الأمر، بحسب مديرة التواصل حول الابتكار في "جنرال إلكتريك"، غير أنّهم يعملون على التصدّي لمشكلة النقص في المهارات الأساسية.

اقرأ بهذه اللغة

الفئة

شارك

مقالات ذات صِلة