هكذا يصنعون المال من العتمة في باكستان

اقرأ بهذه اللغة

هذه المقالة هي الثانية من سلسلة مقالاتٍ حول الطاقة الشمسية في باكستان. يمكنكم قراءة المقالة الأولى هنا.

تخيّل أنّك تعيش بعيداً لعشرات أو مئات الكيلومترات من أقرب نقطةٍ لشبكة الكهرباء الرسمية. قد يكون هذا ضرب من الجنون: سوف تنفق ثروةً على الديزل من أجل الحصول على مولّد كهرباء، أو تستغني عن الكثير من الخراف من أجل الحصول على ألواح طاقةٍ شمسية رخيصة معظمها من صنع الصين، بالإضافة إلى أنّ المسافة تُبعدك أكثر عن الحلول المبتكرة كونها تتطلّب مقاربةً أكثر عملية من البائع.

هذه هي حال الناس الذين يعيشون في المناطق النائية والجبال في باكستان، حيث يقوم القليل من الشركات بدخول هذه السوق التي تضمّ بين 50 و70 مليون نسمة، وحيث يعيش 70 مليوناً آخرون مع القليل من خدمات شبكة الكهرباء الرسمية التي تنقطع باستمرار.

لقد قامَت "ومضة" بتحديد سبع شركاتٍ ناشئة وأخرى سابقة تعمل في هذا المجال، وتقوم باعتماد أنظمةٍ سبق اختبارها في شرق أفريقيا، وتستفيد من قدرتها على الحصول على ألواح وأجهزة خاصّة بالطاقة الشمسية ومن دون رسوم جمركية، من جارتهم الصين.

وتستهدف هذه الشركات سوقَين محدّدتَين: سكّان الضواحي من الطبقة الوسطى الذين يريدون خفض تكاليف الطاقة والحصول عليها خلال انقطاع الكهرباء؛ وعدد السكّان الكبير الذين يعيشون من دون كهرباء. 

البرهان: الطاقة الشمسية تصنع الفرق في باكستان. (الصورة من "نظام سولار"

فرصٌ في المدينة

ترتبط المدن الباكستانية بشبكة الكهرباء الرسمية، ولكنّ الضغط الكبير عليها بسبب عدم توافر الكمّية الكافية من الكهرباء يؤدّي إلى المزيد من انقطاعها.

وعلى الرغم من انتشار ألواح الطاقة الشمسية الصينية في البلاد وسهولة تركيبها من قبَل أيّ فنيّ كهرباء، غير أنّ الشركتَين الناشئتَين في لاهور، "باك شاين" Pak Shine و"بانتيرا إنيرجي" Pantera Energy، تقولان إنّها تناسب شريحةً معيّنة من السوق فقط.

يشير مؤسّس "باك شاين"، جاسم شيخ، إلى أنّ شركته تجعل "ألواح الطاقة الشمسية سهلة المنال" بفضل استخدام أجهزة تخزين الطاقة UPS لدى العملاء التي تؤمّن جزءاً بسيطاً من الكهرباء أثناء انقطاعها للوقاية من إطفاء الأجهزة الكهربائية الحسّاسة مثل الحواسيب، أو للانتظار إلى حين تشغيل مولّدات الكهرباء.

تنطوي فكرة شيخ على أمرَين: توجيه الناس للاعتماد على الطاقة الشمسية بدلاً من مولّدات الكهرباء والتي تُعَدّ أرخص على المدى البعيد؛ واستخدام أجهزة تخزين الطاقة المكلِفة التي قد تصبح من دون فائدة إذا ما أوفت الحكومة بوعدها في تأمين الكهرباء على مدار الساعة. 

"نحن لا نحاول العثور على حلٍّ للحمولة الزائدة، بل نحاول إيجاد حلٍّ لتكاليف الكهرباء المرتفعة"، على حدّ تعبير المؤسّس الذي يضيف أنّ أجهزة تخزين الطاقة الـ20 مليوناً التي تمّ تركيبها في باكستان، تجعل من قيمة سوق الطاقة المرتبطة بشبكة الكهرباء وغير المرتبطة بها تبلغ 3.5 مليارات دولار.

تبلغ قيمة جهاز "باك شاين" الذكيّ للتحكّم بشحن الطاقة، والذي صُمّم في "جامعة لاهور للعلوم الإدارية" Lahore University of Management Sciences، ما يصل إلى 200 دولار، في حين يتوقّع شيخ أن يُغلق جولته التجريبية على تركيب 40 وحدةً بحلول نهاية هذا العام، وأن ينطلق فعلياً في شهر شباط/فبراير من العام المقبل.

من جهتها، عندما قابلتها "ومضة" في لاهور سابقاً، كانت شركة "بانتيرا إنيرجي" الشركة الوحيدة في باكستان التي تركّب أجهزة طاقةٍ شمسيةٍ "عالية الجودة". فهذه الشركة توفّر كلّ شيء، بدءاً من نظام طاقة عاديّ يمكنه تشغيل الأدوات المنزلية والمراوح والأضواء، مروراً بأجهزةٍ يمكنها توفير الطاقة للمكاتب التجارية، وصولاً إلى أجهزةٍ أخرى يمكنها دعم الأعمال الزراعية.

قرع طبول الأعمال في "لاهور مول" Lahore Mall. على سبيل الصدفة، تمّ إطلاق هذا الاسم على الشركة الناشئة التي يحبّ مؤسّسوها الخمسة الموسيقى تيمّناً بالفرقة الموسيقية "بانتيرا". (الصورة من "بانتيرا إنيرجي")

أمّا "نظام إنيرجي" Nizam Energy، الشركة الرائدة في القطاع، فقد ابتعدَت عن أجهزة الطاقة الشمسية المنزلية، حسبما يقول الشريك المؤسّس، فاروق سعيد.

تريد "بانتيرا" الاستفادة من إطلاق نظام العدّادات في البلاد، لكنّ الرئيس التنفيذي لـ"مجلس تطوير الطاقة البديلة" Alternative Energy Development Board، أمجد علي، قال لـ"ومضة" إنّ العدّادات الذكية سوف تغيّر اللعبة عبر سماحها للناس ببيع الطاقة الشمسية لشبكة الكهرباء الرسمية. وفي وقتٍ تقوم بذلك بعض الشركات الصناعية، يشكّك بعض الباكستانيين في مدى استعداد العملاء من السكّان في تبنّي هذا الأمر، نظراً إلى سنوات الحرمان الطويلة من الكهرباء.

 يرى سعيد أنّ السوق احتاجَت بعض السنوات لكي تنضج، و"بانتيرا" سوف توجّه أنظرها إلى الغرب من أجل التوسّع – وبالفعل، باتت الشركة تمتلك قاعدةً لها في دبي بحيث أنّ منتَجها ينجح مع عملاء شركات الأجهزة النقالة الصاعدين.

مواقع في الريف 

إذا كانت السوق في المدن تتوجّه نحو بيع بدائل عن المولّدات لنخبةٍ مثقّفة، فإنّ السوق الريفية تبيع الناس بدائل عن الشموع، من موظّفي الحكومة ذوي الدخل المنخفض إلى الفقراء المعدومين.

أمّا الطريقة التي تعمل فيها هذه الشركات على جعل الطاقة الشمسية منخفضة التكلفة وسهلة المنال، فهي من خلال اعتماد نموذجٍ تأجيريّ يُعرَف بالدفع أوّلاً بأوّل pay-as-you-go عبر شركات الاتّصالات، ومن خلال تسهيل الدفع على أقساط بدعمٍ من مؤسّسات التمويل متناهي الصغر microfinance.

في هذا المجال، يوجد شركتان رائدتان عمل "نظام إنيرجي" منذ عام 2012، و"إس آي إي سوليوشنز" SRE Solutions منذ عام 2010، بالإضافة إلى "روشان إنيرجي" Roshan Energy التي تُعدّ جزءاً من تعاونٍ بين شركات الاتّصالات.

في العام الماضي، وقّعَت شركة "نظام سولار" صفقةً بقية 300 مليون دولار لبناء محطّات للطاقة الشمسية، وفي عام 2013 حصلَت شركة "إس آي إي" على استثمارٍ مقابل أسهم بقيمة 250 ألف دولار من "أكيومن" Acumen. هاتان الشراكتان، على نطاقٍ ضيّقٍ، وتصبّان في أنظمة الطاقة خارج الشبكة التي تصبح رائجةً بين روّاد الأعمال في قطاع الطاقة الشمسية.

الشركات الثلاث الأخرى التي تحدّثت إليها "ومضة"، يتّخذ كلٌّ منها مقاربةً مختلفةً قليلاً حول عملها في هذا القطاع.

في هذا السياق، يشير الرئيس التنفيذي لشركة "هارنس إنيرجي" Harness Energy الناشئة الجديدة في قطاع الطاقة خارج شبكة الكهرباء الرسمية في باكستان والتي انطلقّت في العام الماضي، محمد شهريار، إلى أنّ شركته تشتري منتَجات الطاقة الشمسية من شركة "نيوا سولار" Niwa Solar التي أصبحَت شركةً عالميةً تبيع أجهزةً ذات كفاءةٍ عالية تعمل على الطاقة الشمسية أو على طاقةً منخفضة القدرة.

عميلٌ لشركة "هارنس" مع ضوءٍ من صنع "نيوا". (الصورة من "هارنس إنيرجي")

ويتوقّع شهريار أن يبيعوا على الأقلّ 30 ألف مروحة وتلفزيوناً تعمل على الطاقة الشمسية، بما يناهز 135 دولاراً لكلّ وحدة، من شهر آذار/مارس إلى شهر آب/أغسطس في العام المقبل.

إلى شمال باكستان، في إسلام أباد، تبدو المنافسة قوية قليلاً مع اعتماد كلٍّ من "إيكو إنيرجي" Eco Energy و"برايتر لايت" Brighterlite على نظام التأجير القائم على الدفع أوّلاً بأول والذي يستهدف المستخدمين ذوي الدخل المنخفض.

وشركة "بايتر لايت" التي تُعتبَر جزءاً من امتيازٍ عالميّ يشمل كينيا وميانمار، تحظى بتمويلٍ أجنبيّ ما يجعلها أكثر قدرةً على تطوير خدماتها وبسرعة.

اصطحبنا المدير الإداريّ، محمد عمر، في جولةٍ على المجتمعات التي تعتمد على نظام "برايتر لايت" الذي يؤجّر كلّ شيءٍ من ألواح طاقة شمسية بقدرة 7 واط إلى بطارياتٍ مزوّدةٍ بأضواء وشاحنٍ للأجهزة المحمولة، وصولاً إلى لوحةٍ للطاقة الشمسية بقدرة 40 واطاً يمكنها شحن الأضواء ومروحةً وجهاز تلفزيون. ومقابل هذا النظام، يدفع الناس لمرّةٍ واحدة رسما ًللاشتراك، ثمّ رسماً شهرياً مسبق الدفع يتراوح بين 490 و1090 روبيةً باكستانية (7 إلى 16 دولار).

يسجّل الباعةُ بالتجزئة الناسَ الذين يريدون الحصول على هذا المنتَج، ويقومون بتركيبه بالمجّان، كما يقومون بجمع الفواتير الشهرية إذا لم يكن العميل قادراً على زيارة متاجر "تيلينور" Telenor أو "إيزي بايزا" Easy Paisa للهواتف. بالإضافة إلى ذلك، تجري كلّ عمليات الدفع من خلال شركات الاتّصالات، من خلال تزويد المستأجِرين برمزٍ يُدخلونَه في لوحات التحكّم في منازلهم والتي تراقب عن بُعد إذا كانَت لوحات الطاقة الشمسية تعمل بشكلٍ سليم وإذا كان العميل قد دفع أَم لا.

في حي "باريس" المبنيّ من الصفيح الذي لا تصله الكهرباء بالرغم من أنّه ضمن مدينة إسلام أباد، سمحَت وحدات الطاقة هذه للنساء بالاستغناء عن الشموع للإضاءة والكيروسين للطبخ، وسمحَن للتلاميذ بالدرس خلال الليل، وكذلك لمندوب الأدوية السابق سجّاد مسيح بدخول المدرسة. ورسوم التأجير الشهرية هذه كانت أساسيةً، بحسب مسيح، لأنّه لم يكن بمقدورهم الحصول على نظام طاقةٍ كاملٍ دفعةً واحدة.

بائع التجزئة الأوّل لصالح "برايتر لايت" في حي باريس، أكرم مسيح، وعائلته. (الصورة لـ رايتشل وليامسون)

يذكر عمر أنّ المنتَج كان صعب البيع، وفي إحدى المرّات سألت امرأة عمّا إذا كانت المروحة "ستحرّك شعري" نظراً لصغر حجمها، وبالتالي أدركت شركته أنّ الناس يريدون المراوح لا الضوء.

كون نموذج تأجير الأدوات كان غريباً، يوضِح عمر أنّ "الناس يسألون دائماً متى ستصبح هذه لنا؟" كما أنّ بعض الأفكار في الأيام الأولى كانت ساذجةٍ لدرجة أنّ البعض قال "إذا قمتُ بتشغيل هذه العلبة هل سيأتي جنّيٌ ويقف على هاتفي؟ يمكنني الدفع بواسطة هاتفي؟ أنتم غشّاشون".

من جهته، يلفت الشريك المؤسّس في "إيكو إنيرجي"، جيريمي هيغز، خلال آخر اتّصالٍ هاتفيٍّ معه، إلى أنّ شركته قد غيّرَت نموذج عملها من بيع المنتَجات، كما تفعل "هارنس"، إلى بيع الخدمات، كما تفعل "برايتر لايت".

ويقول إنّه أدرك أنّ كلّ المنتَجات في السوق لم تكن ترقى لما أراده الناس: كان يوجد لديهم نظامٌ يمكنه أن يشغّل مروحةً من ستّ إلى ثماني ساعات، ولكنّهم في الحقيقة أرادوا نظاماً يستطيع العمل ما يصل إلى اثنتي عشر ساعة ما أدّى إلى تعطّل البطّاريات والأجهزة.

وبالتالي، فيما راحَت الشركة تركّز أكثر على تقديم الخدمات بدلاً من بيع المنتَجات الشخصية، يشدّد هيغز على أنّها أرادَت "تسهيل الحصول على تجربةٍ شبيهةٍ بما تقدّمة شبكة الكهرباء الرسمية قدر الإمكان".

يعني هذا أنّ "إيكو إنيرجي" أمكنها أيضاً البدء بتجميع البيانات عن نفقات العملاء، وكذلك العمل على تطبيقٍ للأجهزة المحمولة يعمل من دون إنترنت للقيام بعمليات التصنيف الائتماني. لذلك، عقدَت الشركة الناشئة شراكةً مع شركة الاتّصالات "تيلينور" لكي تستطيع التحقّق من تفاصيل مثل قيام العملاء بعمليات دفع عبر هواتفهم؛ وهو خيارٌ توفّره شركة "نظام إنيرجي" شبيهاً له.

بالإضافة إلى ذلك، تخطّط "إيكو "إنيرجي" إلى توفير نظامٍ يمكن تشغيله وإطفاؤه عن بُعد، بحيث إذا كان العميل يستأجره لمدّة ستّ ساعاتٍ يومياً لا يمكنه إجهاده وتشغيله لاثنتي عشر ساعة. ويذكر هيغز أنّه فيما كان هناك تركيزٌ كبيرٌ على نموذج الدفع أوّلاً بأوّل في أفريقيا، فإنّ هناك في آسيا سوقاً أكبر بكثير احتاجَت إلى مثل هذا.

اقرأ بهذه اللغة

البلدان

شارك

مقالات ذات صِلة