السعي إلى الاستدامة في منطقةٍ تعتمد على الطاقة

اقرأ بهذه اللغة

ساهمَت عمليات التمدّن السريعة وأزمات اللاجئين في زيادة العبء على البنى التحتية المرهقة بالفعل في مختلف أنحاء المنطقة العربية التي تعاني دولها من تغيّر المناخ، بالإضافة إلى أزمات الهجرة والاكتظاظ السكّاني في المناطق الحضرية – المدن.

ووفقاً لتقريرٍ صدر عن "بنك أبوظبي الوطني" National Bank of Abu Dhabi و"مصدر" Masdar و"جامعة كامبريدج" University of Cambridge و"برايس ووترهاوس كوبرز" PricewaterhouseCoopers، فإنّ المنطقة تحتاج إلى استثماراتٍ بقيمة 48 ترليون دولار أميركيّ في البنى التحتية للطاقة، لتلبية الطلب المتزايد خلال العقود المقبلة.

تنامي احتياجات الطاقة

يعيش أكثر من نصف سكّان العالم العربيّ في المناطق الحضرية، وهي نسبة تضاعفت أكثر من 4 مرّات بين عامَي 1990 و2010، ومن المتوقّع أن تصل إلى 75% بحلول عام 2050، وفقاً للأمم المتّحدة. وفي العام نفسه أيضاً، من المتوقّع أن يؤدّي ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة إلى تقليص إمدادات المياه بنسبةٍ تتراوح بين 20 و30% في معظم البلدان العربية.

ضمن ندوةٍ عقدَت خلال "أسبوع هارفارد العربي" Harvard Arab Weekend الذي انعقد في "جامعة هارفارد" Harvard University في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، تناولت مسألة المبادرات الهادفة إلى معالجة الوضع المتردّي للبنى التحتية للطاقة في المنطقة العربية.

وقدّم المتحدّثون أمثلةً عن مدنٍ نجحَت في التصدّي لهذه التحدّيات من خلال التكنولوجيا الجديدة، ونماذج الأعمال المبتكرة أو الشراكة بين القطاعَين الخاص والعام.

قالت رضوى رستم، مؤسِّسة الشركة الناشئة "هاند أوفر" Hand Over التي تقدّم حلولاً مستدامةً ومرنة وبأسعار معقولة للسكن، إنّ "التحدّي الأساسيّ يكمن في تغير سلوك الناس، سواء كانوا مجتمعاتٍ محلّية أو بلديات أو قطاع خاص".

رضوى رستم تتحدّث خلال "أسبوع هارفارد العربي". (الصورة من "أسبوع هارفارد العربي")

وفي حين رأت أنّ الناس لا يهتمّون بالاستدامة وتغيّر المناخ، ذكرت أنّ "التحدّي الآخر يتمثّل في غياب السياسات والقوانين اللازمة لدعم إجراءات الاستدامة في مختلف المجالات، والضرورية لفرض احترام هذا النهج على كلّ القطاعات".

أمّا الحلّ برأيها فيتطلّب تعزيز أوجه التعاون بين القطاعَين العام والخاص والمنظّمات غير الحكومية والمؤسّسات الاجتماعية.

العشوائيات: تحدّيات وفرص

بسبب ضعف السياسات الحكومية، انتشرت العشوائيات (أماكن السكن غير المنظّمة) في كثيرٍ من المدن العربية الكبرى، وهو ما يصعّب مهمّة تطبيق قوانين وأنظمة البناء ورصد التغيّرات الحضرية.

تُعتبَر القاهرة أبرز مثالٍ عن هذا النموّ السكنيّ، بحيث يعيش ما لا يقلّ عن ثلثي السكّان في المناطق العشوائية التي بُنيَت بعد خمسينات القرن الماضي، وسط غياب أيّ تنظيمٍ أو تخطيط. ويمكن اعتبار أبرز وصفٍ لهذه الظاهرة هو الذي ورد في رواية "عمارة يعقوبيان" The Yacoubian Building التي كتبها علاء الأسواني.

في المقابل، يمكن للعشوائيات أن تنضوي على الكثير من الفرص في بعض الحالات، وقد ظهر ذلك من خلال تحوّل هذه الأماكن ببطءٍ إلى مساحاتٍ إبداعية بفضل روّاد الأعمال المحلّيين.

قامت عدّة منظّماتٍ في مدنٍ مثل بيروت وأبوظبي والقاهرة بخطواتٍ خجولةٍ لتحسين المناطق الحضرية واستدامتها. وشركة رستم، "هاند أوفر"، هي أحد الأمثلة على ذلك.

في عام 2015، قامت الشركة الناشئة بإعادة بناء وحدتَين سكنيّتَين في منطقة أبو قرن في مصر القديمة. "لقد تعاونّا مع مجموعةٍ من الخبراء لمناقشة تقنيات البناء المستدامة، وإجراء تدريبات التواصل بين الثقافات، وإدارة المشاريع، وعقد شراكةٍ مع مبادرةٍ محلّية"، كما قالت رستم.

وفي الوقت الحالي تتعاون "هاند أوفر" مع مبادرة "كاترين موجودة"Catherine Exists لبناء مركزٍ اجتماعيّ لقرية الطرفة في منطقة سانت كاترين في سيناء. وتعمل أيضاً على مشروعٍ آخر لإنشاء مساحةٍ مفتوحة للسكّان المحلّيين في إسطبل عنتر في جنوب القاهرة بالتعاون مع فرع شبكة "الهندسة المعمارية المفتوحة التعاونية" Open Architecture Collaborative في القاهرة. كما تعمل أيضاً مع منظّمة غير حكومية في لبنان لتصميم وبناء مخيّماتٍ مستدامة للاجئين في منطقة البقاع اللبنانية.

فرص مع الحكومات

ستيفن سيفيرانس، رئيس إدارة البرامج والتسويق في "مصدر" الإماراتية، أعرب عن ثقته بأنّ المنطقة تتّجه نحو الأفضل، لأنّ الجهات المعنية باتت تدرك ضرورة الاعتماد على الحلول النظيفة والذكية.

وأشار إلى أنّنا "بشكلٍ عام نشهد نموّاً في هذا القطاع وزيادةً في التركيز على الاستدامة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وهذا التوجّه تقوده الحكومات والشركات الكبرى، وعلى وجه الخصوص روّاد الأعمال الذين يشكّلون جزءاً هاماً من هذا النموّ".

بتمويلٍ تأسيسيّ من حكومة أبوظبي، صمّمت "مصدر" مدينتها المعروفة باسم "مدينة مصدر" Masdar City بحيث تعتمد على مصادر الطاقة المتجدّدة. وفي حين باتت تشكّل مركزاً للتكنولوجيا النظيفة في البلاد، باتت هذه المدينة تجذب روّاد الأعمال المحلّيين والأجانب المهتمّين بهذه القطاعات.

وبحسب سيفيرانس، فإنّ "هناك اهتماماً كبيراً يبديه روّاد الأعمال المحلّيون، وهم يحصلون على دعمٍ متزايدٍ من الحكومة والشركات في مجال التدريب التقني وممارسة أنشطة الأعمال".

أمّا مفتاح النجاح، فهو "التشبيك مع مراكز الابتكار الرئيسية، وتحديد التكنولوجيات الناشئة الرئيسية والشركات الناشئة المحلّية الواعدة في مجال التكنولوجيا النظيفة، بالإضافة إلى إيجاد نوعٍ من التآزر بين رأس المال والخبراء وأصحاب المهارات المحلّيين لتسهيل وصول الشركات العاملة في مجال الاستدامة إلى هذه البيئة الحاضنة للابتكار".

فريق "تشانج ووتر" الفائز في مسابقة عروض الشركات الناشئة خلال "أسبوع هارفارد العربي".

مسابقة عروض الشركات الناشئة

خصّصت فعالية "أسبوع هارفارد العربي" هذا العام مسابقةً للشركات الناشئة العاملة في مجال التخطيط الحضري المستدام، فذهبت "جائزة سميح دروزة للريادة والتميز" إلى فريق "تشانج ووترز" change:WATER Labs, Inc..

هذا المشروع الاجتماعي الذي يبغي الربح، يسعى إلى تقديم حلول أكثر ذكاءً للأسر المحرومة والتي لا تتمكّن من الحصول على خدمات الصرف الصحّي الآمنة والملائمة.

وفي حين تشكّل إدارة مياه الصرف الصحّي أزمةً واسعة الانتشار في الكثير من البلدان الناشئة، فإنّ الأمر يتطلّب حلولاً جذريةً لامركزية، من الأفضل أن تكون منخفضة التكلفة ومستدامة. لذلك تعمل "تشانج ووترز على إنشاء حلٍّ ثوريّ واقتصاديّ بالاعتماد على تكنولوجيا تقوم بمعالجة مياه الصرف الصحّي في مكامنها.

الصورة الرئيسية من "بيكسيلز.كوم" Pexels.com.

اقرأ بهذه اللغة

شارك

مقالات ذات صِلة